تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الصدى

طائر معروف، تقول العرب إنه يخلق من رأس المقتول، يصيح في هامة المقتول، إذا لم يؤخذ بثأره، يقول: اسقوني اسقوني حتى يقتل قاتله، ولذلك قيل له: صاد والصادي العطشان، والصدى ذكر البوم والجمع أصداء، ويقال له: ابن الجبل، وابن طود، وبنات رضوى. وقال العديس العبدي: الصدى الطائر الذي يصر بالليل ويقفز قفزا، ويطفر والناس يرونه، الجندب، وإنما هو الصدى فأما الجندب فإنه أصغر من الصدى، والصدى صوت يرجع من الصوت إذا خرج ووجد ما يحبسه. وقد تقدم في بابي الباء الموحدة والزاي قول صاحب ليلى الأخيلية:

ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمتعلي ودوني جندل وصفائح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»
لسلمت تسليم البشاشة أوزقاإليها صدى من جانب القبر صائح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»

والصدى هو الصوت الذي يحيبك من الجبال وغيرها. ولأبي المحاسن بن الشواء في شخص لا

يكتم السر وقد أجاد فيه:

لي صديق غدا وإن كان لا ينطقإلا بغيبة أو محال
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «لي صديق غدا وإن كان لاينطق»
أشبه الناس بالصّدى إن تحدّثهحديثا أعاده في الحال
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «لي صديق غدا وإن كان لاينطق»

يقال: صم صداه وأصم الله صداه أي أهلكه الله لأن الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئا، فيجيبه. ومنه قول الحجاج لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: إياك أعني أصم الله صداك.

روي عن علي بن زيد جدعان، أن أنسا رضي الله تعالى عنه، دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي الجائر المبير، فقال له الحجاج: إيه يا خبيث شيخا جوالا في الفتن، مع أبي تراب مرة، ومع ابن الزبير أخرى، ومع ابن الأشعث مرة، ومع ابن الجارود أخرى، أما والله لأجردنك جرد الضب، ولأقلعنك قلع الصمغة، ولأعصبنك عصب السلمة، العجب من هؤلاء الأشرار، أهل البخل والنفاق. فقال أنس رضي الله تعالى عنه: من يعني الأمير؟ فقال: إياك أعني، أصم الله صداك.

قال علي بن زيد: فلما خرج أنس من عنده قال: أما والله لولا ولدي لأجبته. ثم كتب إلى عبد الملك بن مروان بما كان من الحجاج إليه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا، وأرسله مع إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، مولى بني مخزوم، فقدم على الحجاج وبدأ بأنس فقال له: إن أمير المؤمنين قد أكبر ما كان من الحجاج إليك، وأعظم ذلك، وأنا لك ناصح إن الحجاج لا يعدله عند أمير المؤمنين أحد، وقد كتب إليه أن يأتيك، وأنا أرى أن تأتيه فيعتذر إليك فتخرج من عنده وهو لك معظم، وبحقك عارف. ثم أتى الحجاج، فأعطاه كتاب عبد الملك، فقرأه فتمعر وجهه، وأقبل يمسح العرق عن وجهه ويقول: غفر الله لأمير المؤمنين، ما كنت أراه يبلغ مني هذا! قال إسماعيل: ثم رمى بالكتاب إليّ وهو يظن أني قرأته، ثم قال: اذهب بنا إليه، يعني أنسا، فقلت:

لا بل يأتيك أصلحك الله! فأتيت أنسا رضي الله تعالى عنه، فقلت: اذهب بنا إلى الحجاج، فأتاه فرحب به، وقال: عجلت باللائمة يا أبا حمزة، إن الذي كان مني إليك، كان عن غير حقد، ولكن أهل العراق لا يحبون أن يكون لله عليهم سلطان، يقيم حجته، ومع هذا، فأنا أردت أن يعلم منافقو أهل العراق وفساقهم، إني متى أقدمت عليك، فهم علي أهون وأنا إليهم أسرع، ولك عندنا العتبى حتى ترضى.

فقال أنس: ما عجلت باللائمة حتى تناولت مني العامة دون الخاصة، وحتى شمت بنا الأشرار وقد سمانا الله الأنصار، وزعمت أنا أهل بخل، ونحن المؤثرون على أنفسهم، وزعمت أنا أهل نفاق ونحن الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبل، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة لأهل العراق، باستحلالك مني ما حرم الله عليك، وبيننا وبينك الله حكم هو أرضى للرضا، وأسخط للسخط، إليه جزاء العباد، وثواب أعمالهم، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فو الله إن النصارى على شركهم وكفرهم، لو رأوا رجلا قد خدم عيسى عليه

السلام يوما واحدا، لأكرموه وعظموه! فكيف لم تحفظ لي خدمتي رسول الله ﷺ عشر سنين! فإن يكن منك إحسان شكرنا ذلك منك، وإن يكن غير ذلك صبرنا إلى أن يأتي الله بالفرج.

قال: وكان كتاب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، حتى عدوت طورك، وأيم الله يا ابن المستنثرة بعجم الزبيب، لقد هممت أن أضغمك ضغمة كضغمات الليوث للثعالب، وأخبطك خبطة تود أنك زاحمت مخرجك من بطن أمك، قد بلغني ما كان منك إلى أنس بن مالك، وأظنك أردت أن تختبر أمير المؤمنين، فإن كان عنده غيرة وإلا أمضيت قدما، فلعنة الله عليك وعلى آبائك، أخفش العينين، ممسوح الحاجبين، أحمش الساقين، نسيت مكان آبائك بالطائف، وما كانوا عليه من الدناءة واللؤم، إذ يحفرون الآبار في المناهل بأيديهم، وينقلون الحجارة على ظهورهم. فإذا أتاك كتابي هذا وقرأته، فلا تلقه من يدك حتى تلقى أنسا بمنزله، واعتذر إليه، وإلا بعث إليك أمير المؤمنين، من يسحبك ظهرا لبطن، حتى يأتي بك أنسا، فيحكم فيك ولن يخفى على أمير المؤمنين نبأك، ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون.

فلا تخالف كتاب أمير المؤمنين، وأكرم أنسا وولده، وإلا بعثت إليك من يهتك سترك، ولشمت بك عدوك والسلام.

توفي أنس رضي الله تعالى عنه سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين بالبصرة، وهو آخر الصحابة موتا بها رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.