من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الفائدة الأخرى
: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء المثناة تحت، التشاؤم بالشيء. قال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أي شؤمهم جاء من قبل الله تعالى، وهو الذي قضى عليهم بذلك وقدره. ويقال تطير طيرة وتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما. انتهى. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله بقول: لا طيرة وخيرها الفأل. قيل: يا رسول الله وما الفأل؟ قال ﷺ: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» وفي رواية قال: «يعجبني الفأل وأحب الفأل الصالح». وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في أسفارهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك. وفي حديث آخر «الطيرة شرك» أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، وإنما اشتقوا الطيرة من الطير لسرعة لحوق البلاء على اعتقادهم كما يسرع الطير في الطيران. وأما الفأل فمهموز، ويجوز ترك همزه، وقد فسره النبي ﷺ بالكلمة الصالحة
والحسنة، والغالب أن يكون فيما يسر، وقد يكون فيما يسوء. وأما الطيرة، فإنها لا تكون إلا فيما يسوء.
قال العلماء: إنما أحب الفأل، لأن الإنسان إذا أمل فضل الله تعالى كان على خير، وإذا قطع رجاءه من الله تعالى كان على سوء. والطيرة فيها سوء ظن وتوقع البلاء، وفي الحديث قالوا:
يا رسول الله لا يسلم منا أحد من الطيرة والحسد والظن فما نصنع؟ قال ﷺ: «إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تتحقق». رواه الطبراني وابن أبي الدنيا، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الطيرة في باب اللام، في اللقحة أيضا.
قال في مفتاح دار السعادة: واعلم أن التطير، إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به ولم يعبأ به، فلا يضره البتة لا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيآت إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك. وأما من كان معتنيا بها فهي أسرع إليه من السيل إلى منحدره، وقد فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة، ما يفسد عليه دينه وينكد عليه معيشته انتهى.
وقال ابن عبد الحكم: لما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة، قال رجل من لخم: نظرت فإذا القمر في الدبران، فكرهت أن أقول له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو في الدبران، فقال: كأنك أردت أن تعلمني بأنه في الدبران، أنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار. وقال ابن خلكان: ومن قبيح ما وقع لأبي نواس أن جعفر بن يحيى البرمكي بنى دارا استفرغ فيها جهده، فلما كملت وانتقل إليها صنع فيها أبو نواس قصيدة امتدحه بها أولها:
أربع البلى إنّ الخشوع لبادىعليك وإني لم أخنك ودادي
سلام على الدنيا إذا ما فقدتمبني برمك من رائحين وغادي
فتطير منها بنو برمك، وقالوا: نعيت لنا أنفسنا يا أبو نواس، فما كانت إلا مديدة، حتى أوقع بهم الرشيد وصحّت الطّيرة. وذكر الطبري والخطيب البغدادي وابن خلكان وغيرهم، أن جعفر بن يحيى البرمكي، لما بنى قصره، وتناهى بنيانه، وكمل حسنه، وعزم على الانتقال إليه، جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتا في الليل، فخرج في ذلك الوقت والطرق خالية، والناس هادئون فرأى رجلا قائما يقول:
تدبر بالنجوم ولست تدريوربّ النجم يفعل ما يشاء
فتطير ووقف، ودعا بالرجل وقال له: أعد ما قلت فأعاده، فقال: ما أردت بهذا؟ قال: ما أردت به معنى من المعاني، ولكنه شيء عرض لي وجاء على لساني، فأمر له بدينار ومضى لوجهه، وقد تنغص سروره وتكدر عيشه فلم يكن إلا قليل حتى أوقع بهم الرشيد. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر قتله في باب العين المهملة، في العقاب. وفي التمهيد لابن عبد البر، من حديث المقبري عن
ابن لهيعة عن ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الجيلي، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ، قال: «من رجعته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك». قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ: «أن يقول أحدكم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ثم يمضي لحاجته».
تنبيه مهم : جزم الإمام العلامة القاضي أبو بكر بن العربي، في الأحكام، في سورة المائدة، بتحريم أخذ الفأل من المصحف. ونقله القرافي عن الإمام العلامة أبي الوليد الطرطوشي، وأقره وأباحه ابن بطة من الحنابلة. ومقتضى مذهبنا كراهته.
وحكى الماوردي، في كتاب أدب الدين والدنيا، أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
فمزق المصحف وأنشأ يقول:
أتوعد كلّ جبار عنيدفها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشرفقل يا رب مزّقني الوليد
فلم يلبث إلّا أياما يسيرة حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم أعلى سور بلده، كما تقدم في باب الهمزة في لفظ الأوز.
فائدة أخرى : روى الترمذي وابن ماجه والحاكم، وصححوه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» معناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار ممتلئة البطون من الشبع. قال الإمام أحمد: ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد، والله أعلم، لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم، وعلموا أن الخير بيده ومن عنده، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين، كالطير تغدو خماصا، وتروح بطانا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم، وهذا خلاف التوكل. وفي الاحياء، في أوائل كتاب أحكام الكسب، قيل لأحمد: ما تقول في الذي يجلس في بيته أو مسجده ويقول:
لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم! أما سمع قول النبي ﷺ:
«إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي». وقوله حيث ذكر الطير: «تغدو خماصا وتروح بطانا».
وكان أصحاب رسول الله ﷺ، يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم. والقدوة بهم.
مسألة: أوصى للمتوكلين، أفتى ابن عباس بأن ذلك يصرف للزراع، فإنهم يحرثون ويضعون البذر في الأرض فهم متوكلون على الله تعالى، ويدل له ما روى البيهقي في الشعب، والعسكري في الأمثال، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لقى ناسا من أهل اليمن،
فقال: من أنتم؟ قالوا: متوكلون، قال: كذبتم إنما المتوكلون رجل ألقى حبه في التراب، وتوكل على رب الأرباب. وبهذا أفتى بعض فقهاء بيت المقدس قديما. وقال الإمامان الرافعي والنووي، في تفضيل بعض الأكساب على بعض، واحتج من فضل الزراعة، بأنها أقرب إلى التوكل، وفي الشعب أيضا عن عمرو بن أمية الضمري، أنه قال: قلت: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل؟
قال ﷺ: «إعقلها وتوكل» وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذا في أول باب النون.
وقال الحليمي: يستحب لكل من ألقى في الأرض بذرا أن يقرأ بعد الاستعاذة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
الآية. ثم يقول: بل الله الزارع والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارزقنا ثمره، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين. وقال أبو ثور: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: نزه الله نبيه ﷺ، ورفع قدره، فقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ
وذلك أن الناس في التوكل، على أحوال شتى: متوكل على نفسه، أو على ماله، أو على جاهه، أو على سلطانه، أو على صناعته، أو على غلته، أو على الناس. وكل مستند إلى حي يموت، أو إلى ذاهب يوشك أن ينقطع، فنزه الله تعالى نبيه ﷺ عن ذلك، وأمره أن يتوكل على الحي الذي لا يموت. وقال الإمام العلامة، شيخ الشريعة والحقيقة، أبو طالب المكي، في كتابه قوت القلوب: اعلم أن العلماء بالله تعالى لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ عليهم دنياهم، ولا لأجل تبليغهم رضاهم ومرادهم، ولم يشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون، ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون، ولا ليحول عنهم سنته التي قد خلت في عباده، من الابتلاء والامتحان والاختبار، بل هو جل وعلا أجل في قلوبهم من ذلك، وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا، فلو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله، لكان عليه كبيرة توجب عليه التوبة، وكان توكله معصية، وإنما أخذوا أنفسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت وطالبوا قلوبهم بالرضا كيف أجرى.
فائدة : عن كعب الأحبار، قال: إن الطير ترتفع اثني عشر ميلا، ولا ترتفع فوق هذا، وفوق الجو السكاك. والجو هو الهواء بين السماء والأرض.
التعبير : الطائر في المنام رزق لمن حواه لقول الشاعر:
وما الرزق إلا طائر أعجب الورىفمدت له من كل فن حبائل
وسعادة ورياسة، وقيل: الطيور السود تدل على السيآت، والطيور البيض تدل على الحسنات. ومن رأى طيورا تنزل على مكان وترتفع، فإنها ملائكة ورؤية ما يستأنس بالإنسان من الطيور دليل على لأزواج والأولاد، ورؤية ما لا يأنس بالآدمي من الطير دليل على معاشرة الأضداد والأعجام. ورؤية الكاسر من الطير في المنام شر ونكد ومغارم، ورؤية الجارح المعلم عز وسلطان وفوائد وأرزاق. ورؤية المأكول لحمه فائدة سهلة، ورؤية ذوي الأصوات قوم صالحون، ورؤية المذكر رجال، والمؤنث نساء، ورؤية المجهول من الطير قوم غرباء، ورؤية ما فيه خير وشر
فرج بعد شدة، ويسر بعد عسر، ورؤية ما يظهر بالليل دليل على الجراءة وشدة الطلب والاختفاء، ورؤية ما ليس له قيمة، إذا صار له قيمة في المنام، فإنها تدل على الربا، وأكل المال بالباطل وبالعكس. ورؤية ما يظهر في وقت دون وقت، فإن رآه قد ظهر في غير أوانه، كان ذلك دليلا على وضع الأشياء في غير محلها، أو على الأخبار الغريبة والخوض فيما لا يعني، فهذا قول كلي في أنواع الطير مما تقدم ذكره وسيأتي فافهم ذلك وقس عليه.
تتمة : قال المعبرون: كلام الطير كله صالح جيد، فمن رأى الطير يكلمه ارتفع شأنه لقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
وكره المعبرون صوت
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع