تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

باب الظاء المعجمة: الظبي

الغزال والجمع أظب وظباء وظبي، والأنثى ظبية، والجمع ظبيات بالتحريك وظباء، وأرض مظباة أي كثيرة الظباء، وظبية اسم امرأة تخرج قبل الدجال تنذر المسلمين به، قاله ابن سيده. قال الكرخي: الظباء ذكور الغزلان، والأنثى: الغزال، قال الإمام: وهذا وهم فإن الغزال ولد الظبية إلى أن يشتد ويطلع قرناه، قال الإمام النووي: الذي قاله الإمام هو المعتمد.

وقول صاحب التنبيه: فإن أتلف ظبيا ماخضا، قال النووي: صوابه ظبية ما خضا، لأن الماخض الحامل، ولا يقال في الأنثى إلا ظبية، والذكر ظبي وجمعت الظبية على ظباء، كركوة وركاء لأن ما كان على فعلة بفتح أوله من المعتل، فجمعه ممدود، ولم يخالف هذا إلا القرية فإنها جمعت على قرى على غير قياس، فجاء مخالفا للباب، فلا يقاس عليه، قاله الجوهري. وتكنى الظبية أم الخشف وأم شادن وأم الطلا.

والظباء مختلفة الألوان، وهي ثلاثة أصناف: صنف يقال له الآرام وهي ظباء بيض خالصة البياض، الواحد منها ريم ومساكنها الرمال، ويقال: إنها ضأن الظباء، لأنها أكثر لحوما وشحوما، وصنف يسمى العفر وألوانها حمر، وهي قصار الأعناق، وهي أضعف الظباء عدوا تألف المواضع

المرتفعة من الأرض، والأماكن الصلبة. قال الكميت:

وكنا إذا جبار قوم أرادنابكيد حملناه على قرن أعفرا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وكنا إذا جبار قوم أرادنا»

يعني نقتله ونحمل رأسه على السنان، وكانت الأسنة فيما مضى من القرون. وصنف يسمى الأدم، طوال الأعناق والقوائم، بيض البطون. وتوصف الظباء بحدة البصر، وهي أشد الحيوان نفورا ومن كيس الظبي، أنه إذا أراد أن يدخل كناسه يدخل مستديرا ويستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفانه، فإن رأى أن أحدا أبصره حين دخوله لا يدخل وإلا دخل. ويستطيب الحنظل ويلتذ بأكله ويرد البحر فيشرب من مائه المر الزعاق. قال ابن قتيبة: ولد الظبية أول سنة طلا بفتح الطاء وخشف بكسر الخاء المعجمة ثم في السنة الثانية جذع ثم في الثالثة ثني ثم لا يزال ثنيا حتى يموت.

وذكر ابن خلكان، في ترجمة جعفر الصادق، أنه سأل أبا حنيفة رضي الله تعالى عنهما ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي؟ فقال: يا ابن بنت رسول الله ﷺ لا أعلم ما فيه. فقال: إن الظبي لا يكون رباعيا وهو ثني أبدا! كذا حكاه كشاجم، في كتاب المصايد والمطارد.

وقال الجوهري في مادة س ن ن في قول الشاعر، في وصف الإبل:

فجاءت كسنّ الظبي لم أر مثلهاشفاء عليل أو حلوبة جائع

أي هي ثنيات لأن الثني هو الذي يلقي ثنيته، والظبي لا تثبت له ثنية قط، فهو ثني أبدا. وقال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد الصادق، فقلت: هذا رجل فقيه من العراق، فقال: لعله الذي يقيس الدين برأيه، أهو النعمان بن ثابت؟ قال: ولم أعلم باسمه إلا ذلك اليوم، فقال له أبو حنيفة: نعم أنا ذلك أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس برأيه إبليس إذ قال: أنا خير منه فأخطأ بقياسه فضل. ثم قال له: أتحسن أن تقيس رأسك من جسدك؟ قال: لا. قال جعفر: فأخبرني لم جعل الله الملوحة في العينين، والمرارة في الأذنين، والماء في المنخرين، والعذوبة في الشفتين، لأي شيء جعل الله ذلك؟

قال: لا أدري. قال جعفر: إن الله تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين، وخلق الملوحة فيهما منا منه على ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا. وجعل المرارة في الأذنين منا منه عليه، ولولا ذلك لهجمت الدواب فأكلت دماغه. وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس وينزل، ويجد منه الريح الطيبة من الريح الرديئة، وجعل العذوبة في الشفتين ليجد ابن آدم لذة المطعم والمشرب.

ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال: لا أدري. قال جعفر: هي كلمة لا إله إلا الله. فلو قال: لا إله، ثم سكت كان شركا. ثم قال: ويحك، أيما أعظم عند الله إثما: قتل النفس التي حرم الله بغير حق، أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس. قال جعفر: إن الله تعالى قد قبل في قتل النفس شهادة شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا شهادة أربعة فأنى يقوم لك القياس؟ ثم قال: أيما أعظم عند الله الصوم أو الصلاة؟ قال: الصلاة. قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ اتق الله يا عبد الله، ولا تقس الدين برأيك، فإنا نقف غدا ومن

خالفنا بين يدي الله، فنقول: قال الله وقال رسول الله، وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء. والجواب في أن الزنا لا يقبل فيه إلا أربعة طلبا للستر، وفي أن الحائض لا تقضي الصلاة دفعا للمشقة، لأن الصلاة متكررة في اليوم والليلة خمس مرات، بخلاف الصوم، فإنه في السنة مرة والله أعلم.

وجعفر الصادق هو جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وجعفر أحد الأئمة الإثني عشر، على مذهب الإمامية، من سادات أهل البيت. ولقب الصادق لصدقه في مقالته. وله مقال في صنعة الكيمياء والزجر والفأل وتقدم في باب الجيم، في الجفرة. عن ابن قتيبة أنه قال في كتابه أدب الكاتب: إن كتاب الجفر جلد جفرة كتب فيه الإمام جعفر الصادق لأهل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة. وكذا حكاه ابن خلكان عنه أيضا.

وكثير من الناس ينسبون كتاب الجفر إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو وهم، والصواب أن الذي وضعه جعفر الصادق كما تقدم. وأوصى جعفر ابنه موسى الكاظم فقال: يا بني احفظ وصيتي تعش سعيدا، وتمت شهيدا، يا بني إن من قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استعظم زلة نفسه استصغر زلة غيره. يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم. يا بني قل الحق لك أو عليك، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه.

وروي أنه قيل لجعفر الصادق: ما بال الناس في الغلاء يزداد جوعهم، بخلاف العادة في الرخص؟ فقال: لأنهم خلقوا من الأرض وهم بنوها، فإذا أقحطت أقحطوا، وإذا أخصبت أخصبوا. ولد جعفر رحمة الله عليه سنة ثمانين من الهجرة، وقيل سنة ثلاث وثمانين وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.

وفي الحديث أن النبي ﷺ مر هو وأصحابه وهم محرمون بظبي واقف في ظل شجرة فقال:

يا فلان لأحد أصحابه «قف ههنا، حتى يمر الناس لا يريبه أحد بشيء»، أي لا يتعرض له. وفي المستدرك عن قبيصة بن جابر الأسدي، قال: «كنت محرما، فرأيت ظبيا فرميته فأصبته فمات، فوقع في نفسي من ذلك شيء، فأتيت عمر أسأله، فوجدت إلى جنبه رجلا أبيض رقيق الوجه، وإذا هو عبد الرحمن بن عوف فسألت عمر فالتفت إلى عبد الرحمن، فقال: ترى شاة تكفيه؟ قال:

نعم، فأمرني أن أذبح شاة». فلما قمنا من عنده قال صاحب لي: إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل! فسمع عمر بعض كلامه، فعلاه بالدرة ضربا، ثم أقبل علي ليضربني، فقلت: يا أمير المؤمنين إني لم أقل شيئا إنما هو قاله، فتركني ثم قال: أردت أن تفعل الحرام

ونتعدى في الفتيا ثم قال: إن في الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة وواحد سيء فيفسدها ذلك السيء. ثم قال: إياك وعثرات اللسان.

وحكى المبرد عن الأصمعي أنه قال: حدثت أن رجلا نظر إلى ظبية ترد الماء، فقال له أعرابي: أتحب أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فاعطني أربعة دراهم حتى أردها إليك فأعطاه فخرج يمحص في أثرها فجدت وجد حتى أخذ بقرنيها فأعطاه إياها وهو يقول:

وهي على البعد تلوي خدّهاتزيغ شدّي وأزيغ شدّها
كيف ترى عدوى غلام ردهاوكلما جدت تراني عندها

وذكر ابن خلكان، أن كثير عزة، دخل يوما على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك:

هل رأيت أحدا أعشق منك؟ قال: نعم، بينا أنا أسير في فلاة، إذا أنا برجل قد نصب حبالة، وهو جالس، فقلت له: ما أجلسك ههنا فقال: أهلكني وقومي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيب لهم شيئا ولنفسي، قلت: أرأيت إن أقمت معك؟ أتجعل لي جزأ من صيدك؟ قال: نعم.

فبينما نحن كذلك، إذ وقعت ظبية في الحبالة، فبدرني إليها، فحلها وأطلقها، فقلت: ما حملك على ذلك قال: رق قلبي لها لشبهها بليلى وأنشد يقول:

أيا شبه ليلى لا تراعي فإننيلك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقهافأنت لليلى ما حييت طليق

وفي كتاب ثمار القلوب للثعالبي، في الباب الثالث عشر منه، أن الملك بهرام جور، لم يكن في العجم أرمى منه، ومن غريب ما اتفق له، أنه خرج يوما يتصيد على جمل، وقد أردف جارية يعشقها، فعرضت له ظباء، فقال للجارية: في أي موضع تريدين أن أضع السهم من هذه الظباء؟ فقالت: أريد أن تشبه ذكرانها بإناثها وإناثها بذكرانها! فرمى ظبيا ذكرا بنشابة ذات شعبتين، فاقتلع قرنيه، ورمى ظبية بنشابتين أثبتهما في موضع القرنين. ثم سألته أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة، فرمى أصل أذن الظبي ببندقة، فلما أهوى بيده إلى أذنه ليحك، رماه بنشابة فوصل أذنه بظلفه، ثم أهوى إلى الجارية مع هواه لها فرمى بها إلى الأرض، وأوطأها الجمل بسبب ما اشتطت عليه، وقال: ما أرادت إلا إظهار عجزي فلم تلبث إلا يسيرا وماتت.

فصل : يلتحق بهذا النوع غزال المسك، ولونه أسود ويشبه ما تقدم في القدودقة القوائم وافتراق الأظلاف غير أن لكل منهما نابين أبيضين خفيفين خارجين من فيه في فكه الأسفل، قائمين في وجهه كنابي الخنزير، كل واحد منهما دون الفتر، ويقال إنه يسافر من التبت إلى الهند، فيلقي ذلك المسك هناك فيكون رديئا. وحقيقة ذلك المسك دم يجتمع في سرتها في وقت معلوم من السنة بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرة جعلها الله تعالى معدنا للمسك، فهي تثمر كل

سنة كالشجرة التي تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها

وإذا حصل ذلك الورم مرضت له الظباء، إلى أن يتكامل. ويقال إن أهل التبت يضربون لها أوتادا في البرية، تحتك بها ليسقط عندها. وذكر القزويني في الأشكال، أن دابة المسك تخرج من الماء كالظباء تخرج في وقت معلوم، والناس يصيدون منها شيئا كثيرا فتذبح. فيوجد في سررها دم وهو المسك، ولا يوجد له هناك رائحة حتى يحمل إلى غير ذلك الموضع من البلاد انتهى. وهذا غريب! والمعروف ما تقدم.

وفي مشكل الوسيط لابن الصلاح، عن ابن عقيل البغدادي، أن النافجة في جوف الظبية، كالأنفحة في جوف الجدي، وأنه سافر إلى بلاد المشرق، حتى حمل هذه الدابة، إلى بلاد المغرب لخلاف جرى فيها، ونقل في كتاب العطر له عن علي بن مهدي الطبري، أحد أئمة أصحابنا، أنها تلقيها من جوفها كما تلقي الدجاجة البيضة انتهى. قلت: والمشهور أنها ليست مودعة في الظبية بل هي خارجة ملتحمة في سرتها كما تقدم والله أعلم.

روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «كانت امرأة من بني اسرائيل قصيرة، تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتما من ذهب، وحشته مسكا والمسك أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا ونفض شعبة يده».

قال النووي: دل الحديث على أن المسك أطيب الطيب وأفضله، وأنه طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب ويجوز بيعه، وهذا كله مجمع عليه. ونقل أصحابنا عن الشيعة فيه، مذهبا باطلا، وهم محجوجون بإجماع المسلمين وبالأحاديث الصحيحة، في استعمال النبي ﷺ، واستعمال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال أصحابنا وغيرهم: وهو مستثنى من القاعدة المعروفة أن ما أبين من حي فهو ميتة. قال: وأما اتخاذ المرأة القصيرة رجلين من خشب حتى مشت بين الطويلتين، فلم تعرف فحكمه في شرعنا أنها إن قصدت به مقصودا شرعيا لتستر نفسها لئلا تعرف فتقصد بالأذى ونحو ذلك فلا بأس به. وإن قصدت به التعاظم أو التشبه بالكاملات، وتزويرا على الرجال وغيرهم، فهو حرام.

فائدة : روى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط، عن أنس بن مالك، والبيهقي في شعبه عن أبي سعيد الخدري، قال: مر رسول الله ﷺ على قوم قد صادوا ظبية وشدوها إلى عمود فسطاط فقالت: يا رسول الله إني وضعت ولي خشفان، فاستأذن لي أن أرضعهما ثم أعود إليهم فقال ﷺ: «خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وتأتي إليكم». قالوا: ومن لنا بذلك يا رسول الله فقال ﷺ: «أنا» فأطلقوها، فذهبت فأرضعتهما ثم عادت إليهم فأوثقوها فقال ﷺ: «أتبيعونيها» قالوا: هي لك يا رسول الله، فخلوا عنها، فأطلقها. وفي رواية عن زيد بن أرقم، قال: لما أطلقها رسول الله ﷺ رأيتها تسبح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في الصحراء، فإذا مناد ينادي: يا رسول الله، فالتفت فلم ير أحدا، ثم التفت فإذا ظبية موثوقة، فقالت: ادن مني يا رسول الله فدنا منها، فقال:

ما حاجتك؟ فقالت: إن لي خشفين في هذا الجبل، فحلني حتى أذهب إليهما فأرضعهما ثم أرجع

إليك! فقال ﷺ: «وتفعلين» ؟ قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل! فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت. فأوثقها. وانتبه الأعرابي فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟

قال: «نعم تطلق هذه»، فأطلقها. فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وفي دلائل النبوة للبيهقي، عن أبي سعيد، قال: مر النبي ﷺ بظبية مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول الله حلني حتى أذهب فأرضع خشفي، ثم أرجع فتربطني فقال ﷺ: «صيد قوم وربيطة قوم»، فأخذ عليها فحلفت له فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله ﷺ، ثم أتى إلى خباء أصحابها فاستوهبها منهم فوهبوها له، فحلها، ثم قال ﷺ: «لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا أبدا» وفي ذلك يقول صالح الشافعي من قصيدة له:

وجاء امرؤ قد صاد يوما غزالةلها ولد خشف تخلّف بالكذا
فنادت رسول الله والقوم حضرفأطلقها والقوم قد سمعوا النّدا

وسيأتي إن شاء الله تعالى، في العشراء بيتان آخران.

الحكم : يحل أكلها بجميع أنواعها، ووقع لجماعة من الأصحاب أنهم قالوا: يجب على المحرم في قتل الظبي عنز. كذا قاله الإمام وارتضاه الرافعي وصوبه النووي. وهو وهم، فإن الظبي ذكر والعنز أنثى، فالصواب أن في الظبي ثنيا. وأما المسك فطاهر، وكذا فأرته في الأصح، لكن شرط طهارتها انفصالها حال حياة الظبية. وقيد المحاملي في كتاب اللباب المسك بالظبي، فقال: والمسك من الظبي طاهر، أي المسك المأخوذ من الظبي، احترز بذلك عن المسك التبتي المأخوذ من الفأرة الآتي ذكرها في باب الفاء إن شاء الله تعالى. وهو نجس ويستدل به على منع أكلها إذ لو كانت مأكولة، لالتحق مسكها بمسك الظبية. والطيبيون يسمون المسك التبتي المسك التركي، وهو عندهم أجود المسك، وأغلى ثمنا وينبغي التحرز من استعماله لنجاسته. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء ما قاله الجاحظ في فأرة المسك.

ونقل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، عن القفال الشاشي، أن فأرة المسك، يعني النافجة، تدبغ بما فيها من المسك فتطهر طهارة المدبوغات. وذكر بعض شراح غنية ابن سريج، أن الشعر الذي على فأرة المسك، يعني النافجة نجس بلا خلاف. لأن المسك يدبغ ما لاقاه من الجلد المحاذي له فيطهر، وما لم يلاقه من أطراف النافجة نجس. وهذا الذي قاله ظاهر إلا قوله إن شعرها نجس بلا خلاف، فليس بظاهر، لأن في طهارة الشعر تبعا للجلد المدبوغ خلافا عندنا.

وهي رواية الربيع الجيزي، عن الشافعي. واختاره السبكي وغيره، وصححه الأستاذ أبو اسحاق الاسفرايني والروياني وابن أبي عصرون وغيرهم كما تقدم في باب السين المهملة، في الكلام على السنجاب.

وذكر الأزرقي، في تعظيم صيد الحرم عن عبد العزيز بن أبي رواد، أن قوما انتهوا إلى ذي طوى ونزلوا بها، فإذا ظبي من ظباء الحرم قد دنا منهم، فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه، فقال له أصحابه: ويلك أرسله، فجعل يضحك، وأبى أن يرسله فبعر الظبي وبال، ثم أرسله، فناموا

في القائلة، فانتبه بعضهم فإذا هو بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فقال له أصحابه: ويحك لا تتحرك فلم تنزل الحية عنه حتى كان من الحدث مثل ما كان من الظبي.

ثم روى عن مجاهد، قال: دخل مكة قوم تجار من الشأم في الجاهلية، بعد قصي بن كلاب، فنزلوا بوادي طوى، تحت سمرات يستظلون بها، فاختبزوا على ملة لهم، ولم يكن معهم أدم، فقام رجل منهم إلى قوسه، فوضع عليها سهما ثم رمى به ظبية من ظباء الحرم، وهي حولهم ترعى، فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها، ليأتدموا بها، فبينما هم كذلك، وقدرهم على النار تغلى بها، وبعضهم يشوي إذ خرجت من تحت القدر، عنق من النار عظيمة، فأحرقت القوم جميعا ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا تحتها.

الأمثال : قالوا: «آمن من ظباء الحرم» وقالوا: «ترك الظبي ظله». وهو كقولهم:

اتركه ترك الغزال ظله، يضرب للرجل النفور. وظله كناسه الذي يستظل به من شدة الحر. وهو إذا نفر منه لا يعود إليه أبدا. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الغين أيضا.

الخواص : قال ابن وحشية: قرنه ينحت ويبخر به البيت يطرد الهوام. ولسانه يجفف في الظل، ويطعم للمرأة السلطة، تزول سلاطتها. ومرارته تقطر في الأذن الوجعة، يزول وجعها.

وبغره وجلده يحرقان ويسحقان، ويجعلان في طعام الصبي، فيأكله فينشأ ذكيا فصيحا حافظا ذلقا. ومسكه يقوي البصر، وينشف الرطوبات، ويقوي القلب والدماغ، ويجلو بياض العين وينفع من الخفقان. وهو ترياق للسموم إلا أنه يورث تصفير الوجه. ومن خواص المسك أن استعماله في الطعام يورث البخر.

فصل : المسك حار يابس، وأجوده الصفدي المجلوب من تبت، إلّا أنه يضر بالأدمغة الحارة. ودفع ضرره استعماله بالكافور. وتوافق رائحته الأمزجة الباردة والشيوخ. قال الرازي:

لحم الظبي حار يابس، وهو أصلح لحوم الصيد وأجوده الخشف. وهو نافع للقولنج والفالج والأبدان الكثيرة الفضول، لكنه يجفف الأعضاء ويدفع ضرره الأدهان والحوامض، وهو يولد دما حارا وأصلح ما أكل في الشتاء.

فائدة : نوافج التبتي نوع رقاق والجرجاري ضده في الرقة والرائحة، والقينوي متوسط بينهما، والصنوبري دون ذلك. ويجلب في قوارير متفرقا في نوافجه، وكلما بعد حيوانه عن البحر كان مسكه ألذ وأذكى.

التعبير : الظبي في المنام امرأة حسناء عربية، فمن رأى أن يملك ظبية بصيد، فإنه يملك جارية بمكر وخديعة، أو يتزوج امرأة. ومن رأى أنه ذبح ظبية افتض جارية. ومن رمى ظبية لغير الصيد، فإنه يقذف امرأة. ومن رمى ظبية وكان عزمه الصيد، نال مالا من امرأة. ومن رأى أنه صاد ظبيا أصابته لذاذة في الدنيا، ومن رأى أنه أخذ ظبيا نال ميراثا وخيرا كثيرا. ومن رأى أنه سلخ ظبية فجر بامرأة. ومن رأى ظبيا وثب عليه، فإن امرأته تعصيه في جميع أموره. وقال

جاماسب: من رأى أنه يمشي في أثر ظبي، زادت قوته، ومهما ملك الإنسان من قرون الظباء أو شعورها أو جلودها، فهي أموال من قبل النساء.

خاتمة : المسك في المنام حبيب أو جارية، ومن حمل المسك من اللصوص، فإنه يمسك لأن الرائحة الذكية تنم على صاحبها وحاملها وتفشي سره، ويدل أيضا على المال، لأنه أكثر ثمنا من الذهب وغيره، ويدل على طيب عيش وخير طيب يرد على من شمه أو ملكه ويدل على براءة المتهمين. وقيل: هو ولد وقيل هو امرأة والله تعالى أعلم.

فائدة : رأيت في مختصر الإحياء، للشيخ شرف الدين بن يونس شارح التنبيه، في باب الاخلاص، أن من أخلص لله تعالى في العمل، ولم ينوبه مقابلا، ظهرت آثار بركته عليه، وعلى عقبه إلى يوم القيامة. كما قيل: إنه لما أهبط آدم ﵇ إلى الأرض، جاءته وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره، فكان يدعو لكل جنس بما يليق به. فجاءته طائفة من الظباء، فدعا لهن ومسح على ظهورهن، فظهر فيهن نوافج المسك، فلما رأى بواقيها ذلك، قلن: من أين هذا لكن؟

فقلن: زرنا صفي الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا، فمضى البواقي إليه فدعا لهن، ومسح على ظهورهن، فلم يظهر بهن من ذلك شيء. فقلن: قد فعلنا كما فعلتن فلم نر شيئا مما حصل لكن، فقيل: أنتن كان عملكن لتنلن كما نال إخوانكن. وأولئك كان عملهن لله من غير شيء فظهر ذلك في نسلهن وعقبهن إلى يوم القيامة انتهى. وهذه من زياداته على الإحياء، وقد تكلمنا على الإخلاص والرياء، في كتاب الجوهر الفريد، في الجزء الرابع فلينظر هناك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.