تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الفرخ

ولد الطائر، هذا الأصل وقد استعمل في كل صغير من الحيوان والنبات، والأنثى فرخة وجمع القلة أفرخ وأفراخ، والكثرة فراخ. روى أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم»، ثم قال ﷺ: «ادعوا إلى بني أخي». فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال ﷺ: «ادعوا إلي الحلاق»، فأمره فحلق رؤوسنا.

وروى البزار، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ، كان في بعض مغازيه فبينما هم يسيرون، إذ أخذوا فرخ طير فأقبل أحد أبويه، حتى سقط على أيدي الذين أخذوا الفرخ، فقال رسول الله ﷺ: «ألا تعجبون لهذا الطير أخذ فرخه فأقبل حتى سقط في أيديهم» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال ﷺ: «والله لله أرحم بعباده من هذا الطير بفرخه».

وفي سنن أبي داود، في أوائل كتاب الجنائز، من حديث عامر الرام أخي الخضر بضم الخاء وإسكان الضادين المعجمتين، وهو فرد في الأسماء، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد لف عليه طرف كسائه، فقال: يا رسول الله إني لما رأيتك أقبلت، فمررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن، فلففتها معهن،

وها هن فيه معي. فقال ﷺ: «ضعهن عنك». فوضعتهن وأبت أمهن إلا لزومهن، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «أتعجبون لرحمة أم الفراخ فراخها» ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال ﷺ:

«فو الذي بعثني بالحق نبيا لله أرحم بعباده من أم هؤلاء الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن». فرجع بهن وأمهن ترفرف عليهن.

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة قسم منها رحمة في دار الدنيا فبها يعطف الرجل على ولده، والطير على فراخه، فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق». قال أبو أيوب السجستاني: إن رحمة الله قسمها في دار الدنيا وأصابني منها الإسلام، وإني لأرجو من تسع وتسعين رحمة، ما هو أكثر من ذلك.

وروى مسلم أيضا والنسائي والترمذي، عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت، وفي رواية الترمذي: قد جهد فصار مثل الفرخ، فقال له النبي ﷺ: «هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه» ؟ قال: نعم. كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». قال: فدعا الله به فشفاه.

ومعنى قوله: مثل الفرخ أنه ضعف ونحل جسمه، وخفي كلامه. وتشبيهه له بالفرخ يدل على أنه تناثر أكثر شعره، ويحتمل أن يكون شبهه به لضعفه، والأول أوقع في التشبيه. ومعلوم أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوة. وفي هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة، وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وفيه جواز التعجب بقول: سبحان الله، وقوله ﷺ: «إنك لا تطيقه»، يعني أن عذاب الآخرة لا يطيقه أحد في الدنيا لأن نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتمل العذاب الشديد، والألم العظيم، بل إذا عظم على الإنسان هلك ومات. وأما نشأة الآخرة، فهي للبقاء إما في النعيم أو العذاب، إذ لا موت، كما قال الله تعالى: في حق الكفار كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ

نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، ثم إن النبي ﷺ أرشده إلى أحسن ما يقال لأنها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، وذلك أن النكرة في سياق الطلب عامة، فكأنه يقول:

اعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة.

وقد اختلفت أقوال المفسرين في الآية اختلافا يدل على عدم التوفيق، وعلى قلة التأمل لوضع الكلمة، فقيل: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل:

العافية، وقيل: المال وحسن المآل، وقيل: المرأة الصالحة والحور العين.

والصحيح الحمل على العموم، قال النووي: وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة أنها في الدنيا

العبادة والعافية وفي الآخرة الجنة والمغفرة. وقيل: الحسنة نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.

وفي تاريخ ابن النجار وعوالي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة وعالمها ومسندها، وهو من كبار شيوخ البخاري، من حديث الحسن بن أبي الحسن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «كان فيمن قبلكم رجل يأتي وكر طائر، كلما أفرخ أخذ فراخه فشكا ذلك الطائر إلى الله تعالى ما يفعل به، فأوحى الله تعالى إليه إن عاد فسأهلكه، فلما أفرخ ذلك الطير، خرج ذلك الرجل كما كان يخرج، فبينما هو في بعض الطريق سأله سائل فأعطاه رغيفا كان معه يتغذاه، ثم مضى حتى أتى الوكر ووضع سلمه ثم صعد فأخذ الفرخين وأبواهما ينظران إليه، فقالا: ربنا إنك لا تخلف الميعاد، وقد وعدتنا أنك تهلك هذا إذا عاد، وقد عاد وأخذ فرخينا ولم تهلكه، فأوحى الله إليهما، ألم تعلما أني لا أهلك أحدا تصدق بصدقة في يومه بموتة سوء وقد تصدق».

فائدة : كانت رؤية فرخ الطائر سببا لتمني حنة امرأة عمران الولد، وذلك أنها كانت عاقر لم تلد إلى أن عجزت، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يزق فرخا فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

، أي السميع لدعائي العليم بضميري، فنذرت أن تتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدمته، وكان ذلك في شريعتهم جائزا فحملت بمريم، وهلك عمران وهي حامل فَلَمَّا وَضَعَتْها، قالَتْ: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً

ووصفها بأنها أحصنت فرجها. قال الزمخشري: إحصانا كليا عن الحلال والحرام جميعا. كما قال تعالى: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا

وقال السهيلي: أحصنت فرجها، يريد فرج القميص، أي لم يتعلق بثوبها ريبة، فهي طاهرة الأثواب، وفروج القميص أربعة: الكمان والأعلى والأسفل فلا يذهبن فكرك إلى غير هذا، وهذا من لطيف الكناية لأن القرآن أنزه معنى وأوجز لفظا، وألطف إشارة، وأحسن عبارة، من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل، لا سيما والنفخ من روح القدس، بأمر القدوس، فأضف القدس إلى القدوس، ونزه المقدسة عن الظن الكاذب والحدس وبالله التوفيق.

فرع : ومن أحكام الفرخ أنه إذا غصب إنسان بيضا فحضنه دجاجه، كانت الفراخ لصاحب البيض لأنها من عين المغصوب، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يضمن البيض ولا يرد الفراخ، واستدل على ذلك بأنه خلق سوى البيض، قال تعالى في سورة المؤمنون: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ

وفي كتاب التحفة المكية للقاضي نصر العمادي، عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى أنه قال: بلغني أنه كان رجل من بني إسرائيل ذبح عجلا بين يدي أمه فأيبس الله يده، فبينما هو ذات

يوم جالس وإذا بفرخ طائر سقط من وكره فجعل ينظر ويبصبص إلى أبويه، وأبواه ينظران ويبصبصان إليه، فأخذه ذلك الرجل ورده إلى وكره رحمة له فرحمه الله لرحمته لذلك الفرخ، ورد عليه يده بما صنع والله تعالى أعلم.

التعبير : الفراخ المشوية في المنام مال ورزق بتعب لمسه النار، فمن رأى أنه أكل لحم فرخ نيئا فإنه يغتاب أهل بيت النبي ﷺ وأشراف الناس، ومن أكل لحم فراخ السباع من الطير كالشاهين والصقر والعقاب ونحوها، فإنه يغتاب أولاد الملوك أو ينكحهم، ومن اشترى فرخا مشويا فإنه يستأجر أجيرا والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.