من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
النسناس
قال في المحكم هو خلق في صورة الناس مشتق منهم لضعف خلقهم، وقال في الصحاح: هو جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة انتهى.
وقال المسعودي، في مروج الذهب: إنه حيوان كالإنسان له عين واحدة، يخرج من الماء ويتكلم. ومتى ظفر بالإنسان قتله. وفي كتاب القزويني، قال في الأشكال: إنه أمة من الأمم، لكل واحد منهم نصف بدن ونصف رأس ويد ورجل، كأنه إنسان شق نصفين يقفز على رجل واحدة قفزا شديدا، ويعدو عدوا شديدا منكرا ويوجد في جزائر بحر الصين.
وفي المجالسة للدينوري، عن ابن قتيبة عن عبد الرحمن بن عبد الله أنه قال: قال ابن اسحاق: النسناس خلق باليمن، لأحدهم عين ويد ورجل، يقفز بها، وأهل اليمن يصطادونهم فخرج قوم لصيدهم، فرأوا ثلاثة نفر منهم، فأدركوا واحدا منهم فعقروه وتوارى اثنان في الشجر، فذبح الذي عقر فقال أحدهم لصاحبه: إنه لسمين، فقال أحد الإثنين: إنه كان يأكل الضرو فأخذوه فذبحوه. فقال الذي ذبحه: ما أنفع الصمت! فقال الثالث: فأنا الصميت فأخذوه فذبحوه.
قال ابن سيده: الضر والبطم، وهو شجر الحبة الخضراء، كذا يسميه أهل اليمن.
وقال الميداني، في باب الهمزة من الأمثال: قال أبو الدقيس: إن الناس كانوا يأكلون النسناس، وهم قوم لكل منهم يد ورجل ونصف رأس ونصف بدن يقال: إنهم من نسل أرم بن سام أخي عاد وثمود ليست لهم عقول، يعيشون في الآجام على ساحل بحر الهند والعرب، يصطادونهم ويأكلونهم وهم يتكلمون بالعربية، ويتناسلون ويتسمون بأسماء العرب، ويقولون الأشعار. وفي تاريخ صنعاء أن رجلا تاجرا سافر إلى بلادهم، فرآهم يثبون على رجل واحدة، ويصعدون الشجر، ويفرون من الكلاب خوفا أن تأخذهم وسمع واحدا منهم يقول:
فررت من خوف الشراة شدّاإذ لم أجد من الفرار بدّا
قد كنت قدما في زماني جلدافها أنا اليوم ضعيف جدا
وروى أبو نعيم، في الحلية عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ذهب الناس وبقي النسناس. قيل: ما النسناس؟ قال: الذين يتشبهون بالناس، وليسوا بالناس.
وفي المجالسة للدينوري، من كلام الحسن البصري، أنه قال: ذهب الناس وبقي النسناس، لو تكاشفتم ما تدافنتم. وهو في الفائق ونهاية ابن الأثير وغريب الهروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقيل: النسناس يأجوج ومأجوج. وقيل: خلق على صورة الناس أشبهوهم في شيء وخالفوهم في شيء وليسوا من بني آدم.
ومنه الحديث «ان حيا من عاد عصوا نبيهم فمسخهم الله نسناسا، لكل واحد منهم يد ورجل من شق واحد، ينقرون كما ينقر الطير، ويرعون كما ترعى البهائم». ونونها الأولى مكسورة وقد تفتح. وروى أحمد في الزهد، عن مطرف بن عبد الله أنه قال: عقول الناس على قدر زمانهم. وقال: هم الناس والنسناس وأناس غمسوا في ماء الناس. قال الكريمي: سمعت أبا نعيم يقول: كثيرا ما يعجبني قول عائشة رضي الله تعالى عنها:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
لكن أبا نعيم يقول:
ذهب الناس فاستقلوا وصارواخلفا في أراذل النسناس
في أناس نعدّهم من عديدفإذا فتّشوا فليسوا بناس
كلما جئت أبتغي النيل منهمبدروني قبل السؤال بياس
وبلوني حتى تمنيت أنيمنهم قد أقلت رأسا براس
الحكم : قال القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد: لا يحل أكل النسناس لأنه على خلقة الناس. ولذلك قال الشيخ محب الدين الطبري، في شرح التنبيه: وأما هذا الحيوان، الذي تسميه العامة بالنسناس، فهو نوع من القردة، لا يعيش في الماء فينبغي تحريم أكله، لأنه يشبه القردة في
الخلقة والخلق والذكاء والفطنة. وأما الحيوان البحري منه ففي حكمه وحل أكله وجهان: أحدهما يحل كغيره من السمك، واختاره الروياني وغيره.
والثاني يحرم كما تقدم، وبه قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، وهو عندهما مستثنى مما عدا السمك، مما لا يعيش إلا في الماء. وترتيب الخلاف فيه: أنا إذا قلنا بتحريم ما عدا الحوت، حرم النسناس. وإن قلنا بإباحته، ففي النسناس وجهان: أحدهما التحريم كالضفدع والسرطان والتمساح. والثاني الحل ككلب الماء وإنسانه. وهذا هو الأقرب إلى نص الشافعي.
ويشهد له قول صاحب المحكم، وقول كراع في البحر المتقدم. والنسناس، فيما يقال، دابة في عداد الوحش، تصاد وتؤكل. وهو على شكل الإنسان بعين واحدة، ورجل واحدة، ويد واحدة، يتكلم كالانسان انتهى. فأفاد قوله أنها تصاد وتؤكل أنها مستطابة، وقد تقدم عن الدينوري عن أبي اسحاق أن النسناس يصاد ويؤكل. وقاله الميداني أيضا كما تقدم.
التعبير : هو في الرؤيا رجل قليل العقل يهلك نفسه ويفعل فعلا يسقطه من أعين الناس والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع