من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
النحل
ذباب العسل، وقد تقدم في باب الذال المعجمة، في لفظ الذباب، أن النبي ﷺ قال في تفسير سورة النساء: «الذباب كله في النار إلا النحل». وواحدة النحل نحلة كنخل ونخلة. وقرأ يحيى بن وثاب: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
بفتح الحاء. والجمهور بالإسكان.
قال الزجاج: سميت نحلا لأن الله تعالى نحل الناس العسل، الذي يخرج منها، إذ النحلة العطية وكفاها شرفا قول الله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
فأوحى سبحانه إليها وأثنى عليها فعلمت مساقط الأنواء من وراء البيداء، فتقع هناك على كل حرارة عبقة، وزهرة أنقة، ثم تصدر عنها بما تحفظه رضابا وتلقطه شرابا.
قال القزويني، في عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة، إذ فيه أوحى الله إلى النحل صنعة العسل، فبين سبحانه أن في النحل أعظم اعتبار، وهو حيوان فهيم ذو كيس وشجاعة، ونظر في العواقب، ومعرفة بفصول السنة. وأوقات المطر، وتدبير المرتع والمطعم، والطاعة لكبيره، والاستكانة لأميره وقائده، وبديع الصنعة وعجيب الفطرة.
قال أرسطو: النحل تسعة أصناف: منها ستة يأوي بعضها إلى بعض. قال: وغذاؤها من الفضول الحلوة والرطوبات التي يرشح بها الزهرة والورق، ويجمع ذلك كله ويدخره، وهو العسل وأوعيته، ويجمع مع ذلك رطوبات دسمة، يتخذ منها بيوت العسل، وهذه الدسومات هي الشمع، وهو يلقطها بخرطومه ويحملها على فخذيه، وينقلها من فخذيه إلى صلبه، هكذا قال.
والقرآن يدل على أنها ترعى الزهر، فيستحيل في جوفها عسلا وتلقيه من أفواهها، فيجتمع منه القناطير المقنطرة قال الله تعالى: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
وقوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
المراد به بعضها، نظيره قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
يريد البعض واختلاف الألوان في العسل بحسب اختلاف النحل والمرعى، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى. ومن هذا المعنى قول زينب رضي الله تعالى عنها للنبي ﷺ: جرست نحلة العرفط، حين شبهت رائحته برائحة المغافير والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما.
ومن شأنه في تدبير معاشه أنه إذا أصاب موضعا نقيا بنى فيه بيوتا من الشمع أولا، ثم بنى
البيوت التي تأوي فيها الملوك، ثم بيوت الذكور التي لا تعمل شيئا. والذكور أصغر جرما من الإناث وهي تكثر المادة داخل الخلية، وإن طارت فهي تخرج بأجمعها وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية. والنحل تعمل الشمع أولا، ثم تلقي البزر لأنه لها بمنزلة العش للطير، فإذا ألقته قعدت عليه وحضنته، كما يحضن الطير، فيكون من ذلك البزر دود أبيض، ثم ينهض الدود وتغذي نفسها ثم تطير، وهي لا تقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد، وتملأ بعض البيوت عسلا وبعضها فراخا، ومن عادتها أنها إذا رأت فسادا من ملك، إما أن تعزله وإما أن تعزله وإما أن تقتله، وأكثر ما تقتل خارج الخلية. والملوك لا تخرج إلا مع جميع النحل، فإذا عجز الملك عن الطيران، حملته.
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك، في آخر الكتاب، في لفظ اليعسوب.
ومن خصائص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها، وأفضل ملوكها الشقر، وأسوؤها الرقط بسواد. والنحل تجتمع فتقسم الأعمال فبعضها يعمل العسل، وبعضها يعمل الشمع، وبعضها يسقي الماء، وبعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب الأشياء لأنها مبنية على الشكل المسدس الذي لا ينحرف، كأنه استنبط بقياس هندسي. ثم هو في دائرة مسدسة، لا يوجد فيها اختلاف، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك لأن الأشكال من الثلاث إلى العشر، إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل، وجاءت بينها فروج، إلا الشكل المسدس، فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل، كأنه قطعة واحدة وكل هذا بغير مقياس منها ولا آلة ولا بركار، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير وإلهامه إياها، كما قال: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
الآية.
فتأمل كمال طاعتها وحسن امتثالها لأمر ربها، كيف اتخذت بيوتا في هذه الأمكنة الثلاثة الجبال والشجر وبيوت الناس حيث يعرشون؛ أي حيث يبنون العروش، فلا ترى للنحل بيتا في غير هذه الأمكنة الثلاثة البتة. وتأمل كيف كانت أكثر بيوتها في الجبال، وهي المتقدمة في الآية ثم الأشجار وهي دون ذلك، ثم فيما يعرش الناس وهي أقل بيوتها. فانظر كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت قبل المرعى. فهي تتخذها أولا، فإذا استقر لها بيت خرجت منه فرعت وأكلت من الثمرات، ثم أوت إلى بيوتها، لأن ربها ﷾ أمرها باتخاذ البيوت أولا، ثم الأكل بعد ذلك، وقال في الإحياء: انظر إلى النحل كيف أوحى الله إليها، حتى اتخذت من الجبال بيوتا، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء.
ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار، واحترازها من النجاسات والأقذار، وطاعتها لواحد من جملتها، وهو أكبرها شخصا وهو أميرها، ثم ما سخر الله لأميرها من العدل والانصاف بينها، حتى إنه ليقتل منها على باب المنفذ، كل ما وقع منها على نجاسة، لقضيت من ذلك العجب، إن كنت بصيرا في نفسك، وفارغا من هم بطنك وفرجك، وشهوات نفسك، في معاداة أقرانك، وموالاة إخوانك.
ثم دع عنك جميع ذلك، وانظر إلى بنيانها بيتا من الشمع، واختيارها من جميع الأشكال،
الشكل المسدس، فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا، بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس، يقصر فهم المهندس عن درك ذلك، وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستدير، وما يقرب منه فإن المربع تخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل، فترك المربع حتى لا تبقى الزوايا فارغة.
ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة، فإن الأشكال المستديرة، إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة، إلا المسدس. وهذه خاصية هذا الشكل، فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ذلك لطفا به وعناية بوجوده، فيما هو محتاج إليه ليهنأ عيشه. فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه.
وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض، ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك المسلوع، وإذا هلك شيء منها داخل الخلايا، أخرجته الأحياء إلى خارج، وفي طبعه أيضا النظافة، فلذلك يخرج رجيعه من الخلية، لأنه منتن الريح.
وهو يعمل زماني الربيع والخريف، والذي يعمله في الربيع أجود. والصغير أعمل من الكبير، وهو يشرب من الماء ما كان صافيا عذبا، يطلبه حيث كان، ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، وإذا قل العسل في الخلية، قذفه بالماء ليكثر، خوفا على نفسه من نفاده، لأنه إذا نفد، أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك.
قال حكيم من اليونان لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا، قالوا: وكيف النحل في الخلايا؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالا إلا نفته وأبعدته، وأقصته عن الخلية، لأنه يضيق المكان، ويفني العسل، ويعلم النشيط الكسل. والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة ويضره السوس. ودواؤه أن يطرح له في كل خلية كف ملح، وأن يفتح في كل شهر مرة، ويدخن باخثاء البقر.
وفي طبعه أنه متى طار من الخلية يرعى ثم يعود، فتعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه.
وأهل مصر يحولون الخلايا في السفن ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والشجر، فإذا اجتمع في المرعى فتحت أبواب الخلايا، فيخرج النحل منها ويرعى يومه أجمع، فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل نحلة منها مكانها من الخلية لا تتغير عنه.
روى الإمام أحمد والحاكم والترمذي والنسائي، من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كان رسول الله ﷺ، إذا نزل عليه الوحي، سمع عنده دوي كدوي النحل، فنزل عليه ﷺ يوما، فمكثنا ساعة، ثم سري عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا». ثم قال ﷺ: «لقد أنزل الله علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة». ثم قرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
الآيات. قال: صحيح الإسناد.
قال النحاس: معنى أقامهن، عمل بهن ولم يخالف ما فيهن، كما يقال: فلان يقوم بعمله.
وروى البيهقي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها: تكلمي، فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
وروى ابن ماجه، عن أبي بشر بكر بن خلف قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد، ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها. أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به» ؟ ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. والدوي صوت ليس بالعالي.
وفي حديث الإيمان: يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقوله.
وفي المستدرك عن أبي سبرة الهذلي، قال: قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما فحدثني حديثا عن رسول الله ﷺ فهمته وكتبته بيدي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما حدث به عبد الله بن عمرو عن محمد رسول الله ﷺ: «إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش، ولا سوء الجوار ولا قطيعة الرحم». ثم قال ﷺ: «إنما مثل المؤمن كمثل النحلة، وقعت فأكلت طيبا، ثم سقطت ولم تفسد ولم تكسر، ومثل المؤمن كمثل القطعة الذهب الأحمر، أدخلت النار فنفخ عليها فلم تتغير ووزنت فلم تنقص. فذلك مثل المؤمن». ثم قال: صحيح الإسناد.
وفي المعجم الأوسط للطبراني بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل بلال كمثل النحلة، غدت تأكل من الحلو والمر ثم هو حلو كله».
وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة والطبراني أن النبي ﷺ قال: «المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا، وقعت فلم تكسر ولم تفسد». وفي شعب البيهقي، عن مجاهد، قال: صاحبت عمر رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: «إن مثل المؤمن كمثل النحلة إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك وكل شأنه منافع، وكذلك النحلة كل شأنها منافع». قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة، حذق النحل وفطنته، وقلة أذاه وخفارته ومنفعته، وقنوعه وسعيه في النهار، وتنزهه عن الأقذار، وطيب أكله، فإنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره.
وإن للنحل آفات تقطعه عن عمله، منها: الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك المؤمن له آفات تفتر به عن علمه منها: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السعة، ونار الهوى انتهى.
وفي مسند الدارمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة، ما فعلت ذلك بها. خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم.
فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب.
وفيه أيضا، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طيبة، ويكون ملكه بالشام، ليس بفحاش ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافىء بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء وضراء يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء.
غريبة : ذكر ابن خلكان، في ترجمة عبد المؤمن بن علي ملك الغرب، أن أباه كان يعمل الطين فخارا، وأنه كان في صغره نائما في دار أبيه، وأبوه يعمل في الطين، فسمع أبوه دويا في السماء، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فاجتمعت كلها على ولده وهو نائم، فغطته وأقامت عليه مدة، ثم ارتفعت عنه وما تألم منها. وكان بالقرب منهم رجل يعرف الزجر فأخبره أبوه بذلك، فقال: يوشك أن يجتمع على ولدك جميع أهل المغرب، فكان كذلك.
وكان من أمر ولده ما اشتهر من ملك المغرب الأعلى والأدنى، ومات عبد المؤمن في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقد تقدمت الإشارة إلى ذكر موته، في باب الجيم، في الجفرة.
وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: تحقيرا للدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرف شرابه فيها رجيع نحلة.
وظاهر هذا أنه من غير الفم، كذا نقله عنه ابن عطية.
والمعروف عنه أنه قال: إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم، فأشرف المطعوم العسل، وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروب الماء، ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوس الحرير، وهو نسج دودة، وأشرف المركوب الفرس، وعليه تقتل الرجال، وأشرف المشموم المسك، وهو دم حيوان، وأشرف المنكوح المرأة، وهو مبال في مبال. والمحقق أن العسل يخرج من بطونها، لكن لا يدري أمن فمها أو من غيره، لكن لا يتم صلاحه إلا بحمي أنفاسها. فقد صنع ارسطاطالبس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين كذا قاله الغزنوي وغيره.
وروينا في تفسير الكواشي الأوسط، أن العسل ينزل من السماء فيثبت في أماكن من الأرض فيأتي النحل فيشربه، ثم يأتي الخلية، فيلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهمه بعض
الناس من أن العسل من فضلات الغذاء، وأنه قد استحال في المعدة عسلا، هذه عبارته. والله أعلم.
لطيفة : اعلم أن الله تعالى جمع في النحلة السم والعسل دليلا على كمال قدرته، وأخرج منها العسل ممزوجا بالشمع. وكذلك عمل المؤمن ممزوجا بالخوف والرجاء. وفي العسل ثلاثة أشياء:
الشفاء والحلاوة واللين، وكذلك المؤمن، قال الله تعالى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
ويخرج من الشاب خلاف ما يخرج من الكهل والشيخ، وكذلك حال المقتصد والسابق، وأمرها الله تعالى بأكل الحلال، حتى صار لعابها شفاء ودواء. وكل الذباب في النار إلا النحل.
ودواء الأطباء مر، ودواء الله حلو وهو العسل. وهي تأكل من كل الشجر، ولا يخرج منها إلا حلوا، ولا يغيرها اختلاف مأكلها. والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه وقوله تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
لا يقتضي العموم لكل علة، وفي كل إنسان، لأنه نكرة في سياق الإثبات، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في حال دون حال.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان لا يشكو شيئا إلا تداوى بالعسل، حتى كان يدهن به الدمل والقرحة والقرصة، ويقرأ هذه الآيات، وهذا يقتضي أنه كان يحمله على العموم.
وروى ابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال:
«العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل».
وروى ابن ماجه أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «من لعق من العسل ثلاث غدوات من كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء». وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى به من كل سقم.
وروي أيضا عن عوف بن ملك رضي الله تعالى عنه أنه مرض فقال: ائتوني بماء فإن الله تعالى يقول: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
ثم قال: وائتوني بعسل وقرأ الآية، ثم قال:
ائتوني بزيت فإنه من شجرة مباركة. فخلط الجميع ثم شربه فشفي.
وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال ﵊: «اسقه عسلا» فسقاه، ثم جاءه فقال: يا رسول الله إني قد سقيته عسلا، فلم يزده إلا استطلاقا فقال ﵊: «اسقه عسلا». ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال ﷺ «اسقه عسلا».
قال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال ﵊: «صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا» فسقاه فبرىء.
فائدة : قد اعترض في هذا الحديث، وفي قوله ﷺ: «عليكم بهذا العود الهندي» يعني الكست، فإن فيه سبعة أشفية: منها ذات الجنب، وقوله ﷺ: «الحمى من فيح جهنم فاطفؤها بالماء»، وقوله ﷺ: «إن في الحبة السوداء الشفاء من كل داء إلا السام» يعني الموت.
وقوله ﷺ: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين».
أما من في قلبه مرض من الملحدة فقال: الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ ومجمعون أيضا على أن استعمال المحموم الماء البارد مخاطرة، وقرب من الهلاك، لأنه يجمع المسام ويحقن البخار المتحلل، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون سببا للتلف، وينكرون أيضا مداواة ذات الجنب بالقسط مع ما فيه من الحرارة الشديدة، ويرون ذلك خطرا، وهذا الذي قاله المعترض الملحد جهالة بينة وهو فيها كما قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
ونحن نشرح الأحاديث المذكورة في هذا الموضع، ونذكر ما قاله الأطباء في ذلك ليظهر جهل هذا المعترض.
اعلم أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشيء الواحد دواء له في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يعرض له، من غضب يحمي مزاجه فيتغير علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك مما لا يحصى كثرة. فإذا وجد الشفاء بشيء في حالة ما لشخص ما، لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال ولجميع الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه، باختلاف السن والزمان والعادة، والغذاء المتقدم، والتدبير المألوف، وقوة الطباع.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة منها الإسهال الحادث من التخم والهيضات. وقد أجمع الأطباء، في مثل هذا، على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى معين على الإسهال، أعينت مادامت القوة باقية، وأما حبسها فضرر عندهم.
واستعجال مرض، فيحتمل أن يكون هذا الإسهال لهذا الشخص المذكور في الحديث، كان من امتلاء هيضة، فدواؤه ترك الإسهال على ما هو عليه، أو تقويته فأمره ﷺ بأن يسقيه عسلا فزاده إسهالا، فزاده عسلا إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال. أو يكون الخلط الذي به، كان يوافقه شراب العسل، فثبت بما ذكرناه أن العسل جار على صناعة الطب، وأن المعترض عليه ملحد جاهل بصناعة الطب، ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث، بقول الأطباء، بل لو كذبوه كذبناهم وكفرناهم. فلو وجدنا المشاهدة تصدق دعواهم لتأولنا كلامه ﷺ حينئذ وخرجناه على ما يصح.
وقد ذكرنا هذا الجواب وما بعده، عدة للحاجة إن اعتضدوا بمشاهدة، وليظهر جهل
المعترض، وأنه لا يحسن الصناعة التي اعترض بها، وانتسب إليها. وكذلك القول في الماء البارد للمحموم، فإن المعترض تقوّل على النبي ﷺ ما لم يقل، فإن النبي ﷺ لم يقل أكثر من قوله:
«أطفئوها بالماء» ولم يبين صفته وحاله، والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها يسقى الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا يبعد أنه ﷺ أراد هذا النوع من الحمى.
وأما إنكاره الشفاء من ذات الجنب بالقسط فباطل أيضا. فقد قال بعض الأطباء: إن ذات الجنب، إذا حدثت من البلغم، كان القسط من علاجها. وقد ذكر جالينوس وغيره من حذاق الأطباء، أنه ينفع من وجع الصدر. وقال بعض قدماء الأطباء: إنه يستعمل حيث يحتاج إلى إسخان عضو من الأعضاء، وحيث يحتاج إلى جذب خلط من باطن البدن إلى ظاهره. وهكذا قال الرئيس ابن سينا وغيره من فحول الأطباء، وهذا يبطل ما زعمه هذا المعترض الملحد.
وأما قوله ﷺ: «فيه سبعة أشفية» فقد أطبق الأطباء في كتبهم، على أنه يدر الطمث والبول، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود وحب القرع، الذي في الأمعاء، إذا شرب بعسل، ويذهب الكلف، إذا طلي عليه. وينفع من برودة المعدة والكبد، ومن الحمى الورد والربع وغير ذلك. وهو صنفان: بحري وهندي، فالبحري هو القسط الأبيض، وقيل هو أكثر من صنفين ونص بعضهم على أن البحري أفضل من الهندي، وأقل حرارة منه، وقيل: هما حاران يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرارة منه فيها.
وقال الرئيس ابن سينا: القسط حار في الثالثة، يابس في الثانية. وقد اتفق الأطباء على هذه المنافع التي ذكرناها في القسط، وهو العود الهندي المذكور في الحديث، فصار ممدوحا شرعا وطبا.
وإنما عددنا منافع القسط من كتب الأطباء، لأنه ﷺ ذكر منها عددا مجملا.
وأما قوله ﷺ «في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» فيحمل أيضا على العلل الباردة على نحو ما سبق في القسط، وهو ﷺ قد يصف بحسب ما شاهده من غالب حال أصحابه، قال الإمام المازري، وقال شيخ الإسلام محيي الدين النووي، وذكر القاضي عياض كلام المازري الذي قدمناه، ثم قال: وذكر الأطباء في منفعة الحبة السوداء، التي هي الشونيز، أشياء كثيرة، وخواص عجيبة، يصدقها قوله ﷺ. فذكر جالينوس أنها تحلل النفخ، وتقتل ديدان البطن، إذا أكلت أو وضعت على البطن، وتنفع الزكام إذا قليت وصرت في خرقة وشمت، وتزيل العلة التي ينقش منها الجلد، وتقطع الثآليل المعلقة والمنكسة والخيلان، وتدر الطمث المنحبس، إذا كان احتباسه من أخلاط غليظة لزجة، وتنفع الصداع إذا طلي بها الجبين، وتقطع البثور والجرب، وتدر البول واللبن، وتحلل الأورام البلغمية، إذا تضمد بها مع خل. وتنفع من الماء العارض في العين إذا سقط بها مسحوقة بدهن، وهي تنفع من انصباب المواد أيضا، ويتمضمض
بها من وجع الأسنان، وتنفع من نهش الرتيلاء. وإذا بخر بها طردت الهوام.
قال القاضي: وذكر جالينوس أن من خاصيتها إذهاب حمى البلغم والسوداء، وتقتل حب القرع. وإذا علق الشونيز في عنق المزكوم ينفعه، وينفع من حمى الربع. قال: ولا تبعد منفعته من أدوية حارة لخواص فيها فقد نجد ذلك في أدوية كثيرة فيكون الشونيز منها لعموم الحديث، ويكون استعماله أحيانا منفردا وأحيانا مركبا.
وأما قوله ﷺ في الكمأة، وهي بفتح الكاف وإسكان الميم وبعدها همزة مفتوحة: و «ماؤها شفاء للعين» قيل: هو نفس الماء مجردا، وقيل: معناه أن يخلط ماؤها بدواء يعالج به العين، وقيل: إن كان لتبريد ما في العين من حرارة، فماؤها مجردا شفاء، وإن كان لغير ذلك فيركب مع غيره. قال الإمام النووي: والصحيح، بل الصواب أن ماءها مجردا شفاء للعين مطلقا، فيعصر ماؤها، ويجعل في العين منه. قال: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان أعمى وذهب بصره حقيقة، فكحل عينيه بماء الكمأة مجردا، فبرىء وعاد بصره إليه. وهو الشيخ العدل الإمام الكمال الدمشقي صاحب فقه ورواية للحديث. وكان استعماله ماء الكمأة اعتقادا في حديث النبي ﷺ، وتبركا به، فشفاه الله لذلك.
ففي هذا الحديث والأحاديث المتقدمة بيان لما حواه النبي ﷺ من علوم الدين والدنيا، وصحة علم الطب، وجواز التطبب في الجملة، واستحبابه لما ذكر في الأحاديث الصحيحة من الحجامة وشرب الأدوية والسعوط، وقطع العروق والرقى وغير ذلك من الأدوية، ولا خفاء أن لله تعالى في مخلوقاته حكما وأسرارا، ولم يخلق ﷻ داء إلا وخلق له دواء علمه من علمه وجهله من جهله والله أعلم.
وذهبت طائفة إلى أن هذه الآية وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
إنما يراد بها أهل البيت من بني هاشم، وأنهم النحل وأن الشراب هو القرآن، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس أبي جعفر المنصور فقال له رجل: جعل الله طعامه وشرابه مما يخرج من بطون بني هاشم، فأضحك الحاضرين وأبهت القائل.
فائدة أخرى : اعلم أن للعسل أسماء كثيرة منها السنوت كسفود وسنور، وفي الحديث «عليكم بالسنى والسنوت» ومنها السلوى لأنه يسلي عن كل حلو، قال خالد بن زهير الهذلي:
وقاسمها بالله جهد الأنتمألذّ من السلوى إذا ما نشورها
ومن أسمائه الحافظ والأمين، لأنه يحفظ ما يودع فيه، فيحفظ الميت أبدا واللحم ثلاثة أشهر، والفاكهة ستة أشهر.
روى أصحاب الكتب الستة، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم
«كان يحب الحلواء، ويشرب العسل». قال العلماء: المراد بالحلواء هنا كل حلو، وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومرتبته ومزيته، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام. والحلواء بالمد، وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق، وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إذا حصل ذلك اتفاقا.
وفي تاريخ أصبهان، في ترجمة أحمد بن الحسن، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أول نعمة ترفع من الأرض العسل». وكان مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي الكوفي، المعروف بالأشتر من شيعة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وكان تابعيا رئيس قومه، وله بلاء حسن في وقعه اليرموك، وذهبت عينه يومئذ، وكان فيمن شهد حصار عثمان رضي الله تعالى عنه، وشهد وقعة الجمل وصفين. وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا رآه صرف نظره عنه وقال: كفى الله أمة محمد ﷺ شره. ولاه علي رضي الله تعالى عنه مصر، بعد قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، فلما وصل إلى القلزم شرب شربة عسل فمات.
فلما بلغ ذلك عليا رضي الله تعالى عنه، قال: لليدين والفم. وقال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، حين بلغه ذلك: إن لله جنودا من العسل. وقيل: إن الذي قال ذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما. وهو الذي سمه. وقيل: إن الذي سمه كان عبدا لعثمان رضي الله تعالى عنه. وكانت وفاته في شهر رجب سنة سبع وثلاثين. روى له النسائي حديثين. وفي أخبار الحجاج بن يوسف أنه كتب إلى عامله بفارس: أرسل إلي من عسل خلار من النحل الأبكار، ومن الدستفشار الذي لم تمسه النار. يريد بالأبكار فراخ النحل، لأن عسلها أطيب وأصفى. وخلار موضع بفارس مشهور بجودة العسل والدستفشار كلمة فارسية معناها ما عصرته الأيدي.
الحكم : كره مجاهد قتل النحل، ويحرم أكلها على الأصح، وإن كان عسلها حلالا، كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام. وأباح بعض السلف أكلها كالجرادة، وهو وجه ضعيف في المذهب. ويحرم قتلها، والدليل على الحرمة نهي النبي ﷺ عن قتلها. وفي الإبانة، في كتاب الحج، يكره قتلها، وما ذكره الفوراني في الإنابة من الكراهة وذكره غيره من التحريم مفرع، على منع الأكل، فإن أبحناه جاز قتله كالجراد، وكان القياس جواز قتل النحل، لأنه من ذوات الإبر، وما فيه من المنفعة يعارض بالضرر، لأنه يصول ويلدغ الآدمي وغيره.
وقد ذكر الرافعي، في كتاب الحج، أنه يجوز قتل الصقر والبازي من الجوارح ونحوها كما تقدم في الكلام عليها، في أماكنها، وعلله بأن المنفعة فيها معارضة بالمضرة، وهو اصطيادها طيور الناس، فجعلوا المضرة التي فيها مبيحة لقتلها، ولم يجعلوا المنفعة التي فيها عاصمة من القتل. إلا أنه ﷺ «نهى عن قتل النحل»، كما تقدم، ولا شيء في قوله ﷺ إلا طاعة الله بالتسليم لأمره ﷺ.
وأما بيع النحل، وهو في الكوارة فصحيح إن رؤى جميعه، وإلا فهو بيع غائب، فإن باعها
وهي طائرة ففي التتمة يصح، وفي التهذيب عكسه. وصورة المسألة أن تكون الأم في الكوارة كما قاله ابن الرفعة، وإلا صح من الوجهين الصحة. والفرق بينها وبين باقي الطير من وجهين:
أحدهما أنها لا تقصد بالجوارح بخلاف غيرها، والثاني أنها لا تأكل في الغالب والعادة إلا مما ترعاه، فلو توفق في صحة البيع على حبسها لربما أضر بها أو تعذر بسببه بيعها، بخلاف غيرها من الطيور.
وقال أبو حنيفة: لا يصح بيع النحل كالزنبور وسائر الحشرات، واحتج أصحابنا بأنه حيوان طاهر منتفع به، فجاز بيعه كالشاة والحمام بخلاف الزنبور والحشرات، فإنه لا منفعة فيها كدود القز، ويبقى لها في الكوارة شيئا من العسل، فإن كان الاشتيار في الشتاء وتعذر الخروج، يكون المبقي أكثر. فإن أغنى عن العسل غيره، لم يتعين إبقاء العسل. وقد قيل تشوى دجاجة وتعلق على باب الكوارة لتأكل منها.
الأمثال : قالوا: «أنحل من نحلة» مأخوذ من النحول وهو الهزال، وقالوا: «أهدى من نحلة» وقالوا: «كلام كالعسل وفعل كالأسل» وهي الرماح يضرب في اختلاف القول والفعل.
الخواص : العسل حر يابس، جيده الشهد وهو مدر للبول مسهل يهيج القيء. وهو معطش ويستحيل إلى الصفراء يولد دما حارا، فإن طبخ بالماء ونزعت رغوته ذهبت حدته، وقلت حلاوته ونفعه، وكثر غذاؤه وإدراره للبول واطلاقه، وأجوده الخريفي الصادق الحلاوة، والكثير الربيعي المائل إلى الحمرة. ويدفع مضرته التفاح المز، وكل ما أسرع إليه الفساد من لحم وغيره إذا وضع في العسل طالت مدة مقامه، وإذا خلط العسل الذي لم يصبه ماء ولا نار ولا دخان بشيء من المسك واكتحل به نفع من نزول الماء في العين، والتلطخ به يقتل القمل والصئبان، ولعقه علاج لعضة الكلب الكلب، والمطبوخ منه نافع من السموم، ومن خاصية الشمع أن من استصحبه وقيل أكله أورثه الغم لكن لا يصيبه الاحتلام.
التعبير : النحل في الرؤيا خصب وغنى لمن قناه مع خطر، ومن رأى كوارة نحل واستخرج منها عسلا نال مالا حلالا، فإن أخذ العسل كله ولم يترك للنحل شيئا، فإنه يجوز على قوم، فإن ترك للنحل شيئا فإنه يعدل إن كان واليا أو طالب حق، ومن رأى النحل يقع على رأسه نال ولاية ورياسة، وإن رأى ذلك ملك نال ملكا، وكذلك إذا حل بيده. والنحل للفلاحين دليل خير، وأما الجندي وغير الفلاحين فدليل مخاصمة، وذلك لصوته ولدغه. والنحل يدل على العسكر، لأنه أميره كما يتبع العسكر أميره. ومن قتل نحلا فهو عدو، ولا يحمد قتل النحل للفلاح، لأنه رزقه ومعاشه. والنحل يدل على العلماء وأصحاب التصنيف، وربما دل على الكد والكسب والجباية.
وأما العسل فإنه في المنام مال حلال بلا تعب، وهو شفاء من المرض لقوله تعالى:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
ومن رأى أنه يطعم الناس العسل، فإنه يسمعهم الكلام الحسن والقرآن بلحن طيب، ومن رأى كأنه يلعق عسلا فإنه يتزوج،
لقوله ﷺ لامرأة رفاعة ﵄: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك». وأكل العسل عناق حبيب وتقبيله.
وأما الشهد فإنه ميراث من حلال أو مال من شركة، وقال ابن سيرين: الشهد رزق حلال لأن النار لا تمسه، ومن رأى بين يديه شهدا موضوعا، فإن عنده علما عزيزا والناس يريدون سماعه منه، والشهد إذا كان وحده، فهو مال من غنيمة، فإن كان في وعاء فهو رجل صاحب علم ومال حلال، وهو للزاهد الغني مال وبر ودين، ومن رأى كأنه يأكل الشهد وفوقه العسل، فإنه ينكح أمة والله تعالى أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع