من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
باب الياء: يأجوج ومأجوج
يهمزان ولا يهمزان، لغتان قرىء بهما، فمن همزهما جعلهما مشتقين من أجة الحر وهي شدته وقوته، ومنه أجيج النار وهو توقدها وحرارتها، والتقدير في ياجوج يفعول، وفي ماجوج مفعول إذا ترك همزهما، قاله الأزهري. ويحتمل أن يكونا مفعولين، وإنما لم يصرفا للتعريف والتأنيث، لأنهما اسما القبيلتين، والأكثرون على أنهما اسمان أعجميان غير مشتقين، ولذلك لا يهمزان ولا يصرفان للعجمة والتعريف.
قال سعيد الأخفش: ياجوج من يج وماجوج من مج، وقال قطرب: من لم يهمز فياجوج فاعول مثل داود وجالوت، ويكون من يج، وماجوج فاعول من مج، والأسماء الأعجمية مثلها لا تهمز نحو هاروت وماروت وجالوت وطالوت وقارون. قال: ويجوز أن يكون الأصل الهمز، فخففا إذا لم يهمزا كسائر ما يهمز، وإن كانا أعجميين، فإن العرب تلفظ بألفاظ مختلفة، ويجوز أن يكونا من الأجة، وهي الاختلاط كما قال تعالى في صفتهم: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
جاء في تفسيره: أي مختلطين، ولعل يج الذي ذكره الأخفش وقطرب مخفف الهمز من أج وإلا فإن يج لا يعرف في كلام العرب لعزة مخرج الجيم والياء، والحاصل أنه يجوز همزهما وتركه كما تقدم. وبهما قرىء في السبع والأكثرون على ترك الهمز كما تقدم.
وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، قال مقاتل:
هم من ولد يافث بن نوح ﵊. وقال الضحاك: هم من الترك، وقال كعب الأحبار: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك.
قلت: وفيه نظر، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون.
وروى الطبراني، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال:
«يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده، صنف منهم كالأرز طولهم مائة وعشرون ذراعا، وصنف منهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية، ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس».
وقال وهب بن منبه: يأجوج ومأجوج يأكلون الحشيش والشجر والخشب، وما ظفروا به من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس. وقال علي رضي الله تعالى عنه:
يأجوج ومأجوج صنف منهم في طول الشبر وصنف منهم مفرط الطول، لهم مخالب الطير، وأنياب كأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعورهم تقيهم الحر والبرد، ولهم آذان عظام إحداهما وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد الذي بناه ذو القرنين، حتى إذا كادوا ينقبونه يعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا إن شاء الله، فينقبونه ويخرجون وتتحصن الناس منهم بالحصون، فيرمون إلى السماء فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم. والنغف هو الدود كما تقدم.
فائدة : سئل شيخ الإسلام محي الدين النووي رحمه الله تعالى عن يأجوج ومأجوج هل هم من ولد آدم وحواء، وكم يعيش كل واحد منهم؟ فأجاب أنهم أولاد حواء وآدم عند أكثر العلماء، وقيل: إنهم من ولد آدم من غير حواء، فيكونون اخوتنا من الأب، ولم يثبت في قدر أعمارهم شيء انتهى.
وقد تقدم في الكركند ما نقله الحافظ أبو عمر بن عبد البر، من الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح ﵇، وأن النبي ﷺ سئل عن يأجوج ومأجوج، هل بلغتهم دعوتك، فقال ﷺ: «جزت عليهم ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا».
وروى الشيخان والنسائي، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال:
قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك الخير في يديك، فيقول ﷿: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. قال: فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد»، قال: فاشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ فقال ﷺ: «أبشروا فإن من يأجوج
ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم رجل» الحديث.
قال العلماء إنما خص آدم ﵇ بالذكر لأنه أب للجميع.
وروى الجماعة إلا أبا داود، من حديث زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه الشريف، يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه الابهام والتي تليها». قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». أشار ﷺ بذلك إلى أن الذي فتحوا من السد قليل، وهم مع ذلك لا يلهمهم الله أن يقولوا غدا نفتحه إن شاء الله تعالى، فإذا قالوها خرجوا. وقوله ﷺ: «ويل للعرب» كلمة تقولها العرب، لكل من وقع في هلكة.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» وقيل:
الويل الشر، وقوله ﷺ: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج».
الردم هم الحاجز الحصين المتراكم الذي جعل بعضه فوق بعض، والمراد به الردم الذي عمله الإسكندر بين الصدفين وهما الجبلان. وقوله في هذا الحديث إن زينب رضي الله تعالى عنها قالت: أنهلك؟ هو بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فتحها وهو ضعيف أو فاسد، قاله النووي ﵀ وقوله ﷺ: نعم لأن ما استفهم عنه بإثبات كان جوابه نعم وما استفهم عنه بنفي كان جوابه بلى. ولذلك كانت بَلى
في جواب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
ونَعَمْ
في جواب فَهَلْ وَجَدْتُمْ
فلذلك قال ﷺ لزينب رضي الله تعالى عنها: «نعم» حين قالت:
أنهلك وفينا الصالحون.
وقوله ﷺ: «إذا كثر الخبث» هو بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة. وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، وقيل: المراد به الزنا خاصة، وقيل: أولاد الزنا، والظاهر أن المراد به المعاصي مطلقا ومعناه أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام، وإن كان هناك صالحون، والله تعالى أعلم.
وروى البزار، من حديث يوسف ابن مريم الحنفي قال: بينما أنا قاعد مع أبي بكرة، إذا جاء رجل فسلم عليه ثم قال: أما تعرفني؟ فقال أبو بكرة: ومن أنت؟ قال: تعلم رجلا أتى النبي ﷺ فأخبره أنه رأى الردم؟ فقال له أبو بكرة: أنت هو؟ وقال: نعم. فقال: اجلس فحدثنا، قال رضي الله تعالى عنه: انطلقت إلى أرض ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه، فدخلت
بيتا فاستلقيت فيه على ظهري، وجعلت رجلي على جداره، فلما كان غروب الشمس، سمعت صوتا لم أسمع مثله، فرعبت فقال لي رب البيت: لا تذعرن فإن هذا لا يضرك، هذا صوت قوم ينصرفون هذه الساعة من عند هذا السد، أفيسرك أن تراه؟ قلت: نعم. قال: فغدوت إليه، فإذا لبنه من حديد، كل واحدة مثل الصخرة، وإذا كأنه البرد المحبرة، وإذا المسامير مثل الجذوع فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: «صفه لي». فقلت: كأنه البرد المحبرة. فقال ﷺ: «من سره أن ينظر إلى رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا». فقال أبو بكرة: صدق انتهى.
وهذا الردم هو الذي بناه الاسكندر على يأجوج ومأجوج كما تقدم، وذلك أنه لما بلغ الجبلين وجد من دونهما قوما، كما قال الله تعالى: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
بفتح الياء والقاف أو يفقهون بفتح الياء وكسر القاف على اختلاف القراءتين، فعلى الأولى لا يفقهون عن أحد لغته ولا يعرفون غير لغتهم، وعلى الثانية لا يفهم لغتهم غيرهم، فشكوا إليه إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض، وذلك أنهم كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء المساكين، فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه.
وقيل: إنهم كانوا يلوطون، وقيل: إنهم كانوا يأكلون الناس، فقالوا له: نحن نجعل لك خرجا، أي جعلا من أموالنا، على أن تجعل بيننا وبينهم سدا فرد عليهم جعلهم، وطلب منهم المعونة بالعمل بأبدانهم، ثم انصرف إلى ما بين الصدفين، فقاس ما بينهما فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فأمر بحفر الأساس حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا، وجعل حشوه الصخر، وطبقه بالنحاس المذاب، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض.
وقيل إنه حشا ما بين الصدفين قطع الحديد، ونسج بين طبقات الحديد الحطب والفحم ووضع المنافيخ، فلما حمي الحديد أفرغ عليه النحاس المذاب، فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد وقطر، وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه بردة محبرة من صفرة النحاس وحمرته، وسواد الحديد، فلم يطيقوا الظهور عليه لملاسته ولا قدروا على نقبه لشدته وتماسكه. ومن وراء السد البحر، فهم بين السد والبحر محصورون وهم يمطرون التنانين في أيام الربيع، كما يمطرنا الغيث لحينه فيأكلونها إلى مثله من القابل وتعمهم على كثرتهم والله تعالى أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع