تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الوعل

بفتح الواو وكسر العين المهملة، الأروى المتقدم في باب الهمزة وهو التيس الجبلي، والأنثى تسمى أروية وهي شاة الوحش، والجمع أوعال ووعول.

وذكر ابن عدي، في كامله، في ترجمة محمد بن اسماعيل بن طريح، أنه قال: حدثني أبي، عن جدي، أنه حضر أمية بن أبي الصلت حين حضرته الوفاة، فأغمي عليه ثم أفاق فرفع رأسه فنظر حيال باب البيت، وقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا عشيرتي تحميني، ولا مالي يفديني، ثم أغمي عليه ثم أفاق فرفع رأسه وقال:

كلّ حي وإنّ تطاول دهراآيل أمره إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا ليفي رؤوس الجبال أرعى الوعولا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «كل عيش وإن تطاول دهرا»

ثم فاضت نفسه.

وعن شهر بن حوشب، قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، قال له ابنه: يا أبتاه إنك كنت تقول لنا: ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت به، حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل، فصف لي الموت، فقال: يا بني والله كأن السماء قد أطبقت على الأرض، وكأن جنبي في تخت، وكأني أتنفس من سم إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي، ثم أنشأ يقول:

ليتني كنت قبل ما قد بدا ليفي رؤوس الجبال أرعى الوعولا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «كل عيش وإن تطاول دهرا»

ومن غريب ما اتفق . أن عبد الملك بن مروان لما احتضر، وكان قصره يشرف على بردى، فنظر إلى غسال يغسل الثياب، فقال: ليتني كنت مثل هذا الغسال، أكتسب ما أعيش به يوما بيوم، ولم أل الخلافة. وتمثل بقول أمية بن أبي الصلت:

كلّ حي وإنّ تطاول دهرا.

البيتين المتقدم ذكرهما.

فاتفق له كما اتفق لأمية من الموت عقب ذلك، فلما بلغ ذلك أبا حازم، قال: الحمد لله الذي جعلهم في وقت الموت يتمنون ما نحن فيه، ولم يجعلنا نتمنى ما هم فيه.

وفي الاستيعاب، في ترجمة الفارعة بنت أبي الصلت، أخت أمية بن أبي الصلت، أنها قدمت على النبي ﷺ، بعد فتحه للطائف، وكانت ذات لب وعفاف وجمال، وكان ﷺ يعجب بها، فقال لها ﷺ يوما: «هل تحفظين من شعر أخيك شيئا؟» فأخبرته خبره، وما رأت منه، وقصت قصته في شق جوفه، وإخراج قلبه، ثم عوده إلى مكانه وهو قائم، وأنشدت له شعره الذي أوله:

باتت همومي تسري طوارقهاأكف عيني والدمع سابقها
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «اقترب الوعد والقلوب إلى»

نحو ثلاثة عشر بيتا منها قوله:

ما أرغّب النفس في الحياة وإنتحيا طويلا فالموت لاحقها
يوشك من فرّ من منيتهيوما على غرة يوافقها
من لم يمت غبطة يمت هرماللموت كأس والمرء ذائقها

ثم قالت: وإنه قال عند وفاته:

إن تغفرّ اللهم تغفر جماوأي عبد لك ما ألما

ثم قال:

كلّ حي وإن تطاول دهرا

البيتين ثم مات. فقال ﷺ: «إنّ مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين».

وفي طباع الوعل أنه يأوي إلى الأماكن الوعرة الخشنة، ولا يزال مجتمعا، فإذا كان وقت الولادة تفرق، وإذا اجتمع في ضرع أنثى لبن امتصته. والذكر إذا ضعف عن النزو أكل البلوط فتقوى شهوته، وإذا لم يجد الأنثى انتزع المني بالامتصاص بفيه، وذلك إذا جد به الشبق، وفي طبعه أنه إذا أصابه جرح، طلب الخضرة التي في الحجارة فيمتصها ويجعلها على الجرح فيبرأ. وإذا أحس بالقناص، وهو في مكان مرتفع، استلقى على ظهره ثم يزج نفسه فينحدر، ويكون قرناه، وهما في رأسه، إلى عجزه يقيانه ما يخشى من الحجارة ويسرعان به لملوستهما على الصفا.

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال عن المدينة: «لو رأيت الوعول تجرش ما بينها ماهجتها». أراد لو رأيتها ترعى كلأها ماهجتها لأن النبي ﷺ حرم صيدها.

وفي الترغيب والترهيب، وغريب أبي عبيدة وغيره من حديث أبي هريرة أيضا أن النبي ﷺ، قال: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول وتظهر التحوت». قالوا: يا رسول الله ما الوعول وما التحوت؟

قال: «الوعول وجوه الناس وأشرافهم والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم» وبعضه في الصحيح، وإنما شبههم بالوعول وضرب بها المثل لأنها تأوي رؤوس الجبال والله تعالى أعلم.

وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي. عن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، قال: كنا جلوسا بالبطحاء، في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت سحابة، فنظر إليها فقال ﷺ: «أتدرون ما اسم هذه؟» قلنا: نعم، هذا السحاب. قال ﷺ: «وهو المزن والعنان».

ثم قال ﵊. «أتدرون كم بعد ما بين السماء والأرض؟» قلنا: لا. قال ﷺ:

«إما واحدة، وإما اثنتان، وإما ثلاث وسبعون سنة، والسماء فوقها، كذلك». حتى عد ﵊ سبع سموات، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه، كما بين سماء إلى سماء، وفوق البحر ثمانية أوعال بين أضلافها وركبها، كما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش، من أسفله إلى أعلاه، مثل ما بين سماء إلى سماء»، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال الجاحظ الذهبي: وهو كما قال الترمذي حسن غريب، وقد أخرجه الحافظ الضياء أيضا، في كتاب المختار له، ورواه الحاكم في المستدرك عن سماك بن حرب، وقرأ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ

وفي التمهيد لابن عبد البر، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، قال: حملة العرش أحدهم على صورة إنسان، والثاني

على صورة ثور، والثالث على صورة نسر، والرابع على صورة أسد. وفي تفسير الثعلبي أن النبي ﷺ قال: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله بأربعة آخرين».

وفي سنن أبي داود، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام».

وحكمه : الحل بالإجماع، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في الوعل إذا قتله المحرم، أو قتل في الحرم شاة. وذكر القزويني، في الأشكال، عن ابن الفقيه، أنه قال: رأيت بجزيرة رانج حيوانات غريبة الأشكال، من ذلك وعول كالتيوس الجبلية، ألوانها حمر منقطعة ببياض، ولحمها حامض انتهى.

فإن صح هذا القول، فالذي يظهر الحل إلحاقا بمماثله من المأكول، عملا بالمشاكلة الصورية، والله تعالى أعلم.

الأمثال : قالوا: «أزهى من وعل» و «أحمق من ناطح الصخرة» أي الوعل، وأنشدوا قول الأعشى:

كناطح صخرة يوما ليوهنهافلم يضرّها وأوهى قرنه الوعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «معلقة الأعشي»

أراد كوعل ناطح، فحذف الموصوف وأبقى الصفة.

وخواصه : تقدمت في باب الهمزة، في لفظ الأروى، لكن منها أيضا أن مخ جيد للمرأة التي بها نزف الدم، تتحمل به في صوفة. ولحمه وشحمه يسحقان ويلقى عليهما صبر وسعد وقرنفل وزعفران وعسل، يخلط الجميع ويسقى منه وزن مثقال، بماء الكرفس لمن به حصاة في مثانته يبرأ بإذن الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.