تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ومن الرياسة علو الهمة

- قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تصغرنّ هممكم فإني لم

أر شيئا أقعد بالرجل من سقوط همته.

وقال معاوية: تهامموا فإني هممت بالخلافة فنلتها. (يعني مع بعده عن رتبتها ووجود أعيان الصحابة الألى هم أحقّ منه بها، كما يقال: قلّ من طلب إلا وجد أو كاد).

- وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: إن لي نفسا تتوق إلى معالي الأمور، تاقت إلى الخلافة فلما نلتها تاقت إلى الجنة.

- وقيل للعتابي: إنّ فلانا بعيد الهمة، فقال: إذن لا يقنع بدون الجنة.

وإذا أردنا حقيقة علوّ الهمة، فطلب الجنة، وإذا أردنا الرياسة التي لا يفسدها الزمان فرياسة الدين والعلم، وإنما نذكر رياسة الدنيا والراغبين فيها مجازا ولذاك يقع بالأمر غير مستحقه، وينال الدنيا وشرفها ويدرك غاياتها من لا فضيلة عنده، فيهلك صاحبها المحروم أسفا وكمدا، ويتقطع قلبه لهفا وحسدا.

ونعود إلى ما قصدنا له:

- نازع عبد الملك بن مروان وهو حدث عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأربى عليه عبد الرحمن، فقيل له لو شكوت ما صنع بك إلى عمه لا نتقم لك منه، فقال: اني لا أرى انتقام غيري لي انتقاما؛ فلما استخلف

أذكر بذلك فقال: حقد السلطان عجز.

- وخاض جلساؤه يوما في مقتل عثمان فقال رجل: يا أمير المؤمنين في أيّ سنّك كنت يومئذ؟ قال: كنت دون المحتلم، فقال فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه.

- قال يزيد بن المهلب: ما يسرّني أني كفيت أمر الدنيا كله، قيل: ولم أيها الأمير؟ قال: أكره عادة العجز.

- ومن الهمّة البعيدة ما فعله بنو العبّاس: خرجوا في أربعة عشر راكبا يطلبون الخلافة، وأعداؤهم في أيديهم الأموال والبلاد، والجيوش منقادة لهم حتى قال بعضهم وهو داود بن عليّ، وقد لقيهم ولم يعلم أين يريدون: ما قصتكم وأين تريدون؟ فقصّ عليه أبو العبّاس القصة، وأنهم يريدون الكوفة ليظهر أمرهم بها، فقال له داود: يا أبا العبّاس تأتي الكوفة وشيخ بني مروان بحرّان، وهو مطلّ على العراق في أهل الشام، يعني مروان بن محمد، وشيخ العرب في العراق في حلبة العرب، يعني يزيد بن عمر بن هبيرة؟! فقال أبو العبّاس: من أحبّ الحياة ذلّ، ثم تمثل قول الأعشى:

فما ميتة إن متّها غير عاجزبعار إذا ما غالت النفس غولها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «لميثاء دار قد تعفت طلولها»

فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، ارجع بنا معه نعش أعزاء أو نموت كراما، فرجعوا معه.

والركب الأربعة عشر هم: أبو العبّاس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس وهو [أبو] العبّاس السفاح، وأخوه أبو جعفر عبد الله المنصور، وعمومتهما عبد الله وصالح وعبد الصمد وإسماعيل وداود وعيسى بنو علي بن عبد الله بن عبّاس، ويحيى بن محمد بن علي، وعبد الوهّاب ومحمد ابنا إبراهيم بن محمد بن علي، وعيسى بن موسى بن علي، وموسى بن داود بن علي ويحيى بن جعفر بن تمام بن العبّاس.

وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن ركبا أربعة عشر خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، كبيرة نفوسهم، شديدة قلوبهم.

- وممن علت به همّته ورفعته من أوضع منزلة إلى أعلى درجة أبو مسلم صاحب الدولة، وهو عبد اشتراه إبراهيم الامام وأعتقه، وذلك بعد تعرضه للدعوة، وقد ذكرنا مبدأ أمره في موضعه من هذا الكتاب. قيل له في أيّام شبيبته وعصر حداثته: إنا نراك تأرق كثيرا ولا تنام كأنك موكّل برعي الكواكب أو متوقع للوحي من السماء. قال: والله ما هو ذاك، ولكن لي رأي جوال، وغريزة تامة، وذهن صاف، وهمّة بعيدة، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج والرعاع، وحال متناهية في الخساسة والاتضاع، وإني لأرى بعض هذا مصيبة لا تجبر بسهر ولا تتلافى برفق.

فقيل له: ما الذي يبرد غليلك، ويشفي أحاح صدرك، ويطفىء أوار نارك؟

قال: الظفر بالملك. قيل له: فاطلب، قال: إن الملك لا يطلب إلا بركوب

الأهوال، قيل: فاركب الأهوال، قال: هيهات، العقل مانع من ركوب الأهوال، قيل: فما تصنع وأنت تبلى حسرة وتذوب كمدا؟ قال: سأجعل من عقلي بعضه جهلا وأحاول به خطرا لأنال بالجهل ما لا ينال إلا به، وأدبّر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوّته، وأعيش عيشا يبين مكان حياتي فيه من مكان موتي عليه فإن الخمول أخو العدم، والشهرة أبو الكون.

- وكان للفاذوسبان، وهو من كبار أهل نيسابور، يد عند أبي مسلم في اجتيازه إلى خراسان، فكان يرعى له ذلك، فقال له يوما الفاذوسبان: أيها السلار، وبذاك كان يخاطب قبل قتل [ابن] الكرماني، مال قلبك إلى أحد بخراسان؟ فقال: كنت في ضيافة رجل يقال له فلان السمرقندي، فقامت بين يديّ جارية له توضيني فاستحليتها، قال فأنفذ الفاذوسبان إلى سمرقند واحتال في تحصيل الجارية، ثم أضاف أبا مسلم وأمرها أن توضيه، فلما نظر إليها عرفها، فوهبها له الفاذوسبان، وكان لا يحجب عن أبي مسلم في أي وقت جاءه، فدخل إليه يوما فوجده نائما في فراشه فانصرف، وأمر أبو مسلم برده فجاء حتى وقف عليه فرآه مضاجعا تلك الجارية، وهما في ثيابهما، وبينهما سيف مسلول، فقال: يا فاذوسبان، إنما أحببت أن تقف على صورتي في منامي لتعلم أنّ من قام بمثل ما قمت به لا يتفرغ إلى مباشرة النساء، وأنشد:

قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهمدون النساء ولو باتت بأطهار
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «إني لمن معشر للمرد قد ركضوا»

- وكتب عبد الحميد كتابا إلى أبي مسلم وقال لمروان: إني قد كتبت كتابا إن نجع فذاك وإلا فالهلاك، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل، وكان عبد الحميد قال: أنا ضامن أنه متى قرأ الرسول على المستكفين حول أبي مسلم ذلك بمشهد منه أنهم يختلفون، وإذا اختلفوا كلّ حدّهم وذلّ جهدهم، فلما ورد الكتاب على أبي مسلم دعا بنار فطرحه فيها إلا قدر ذراع فإنه كتب عليه:

محا السيف أسطار البلاغة وانتحىعليك ليوث الغاب من كلّ جانب
فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذةيهون عليها العتب من كل عاتب

وردّه، فحينئذ وقع اليأس من معالجته.

- وتزعم الفرس انّ كابي كان حدادا بخراسان وقيل بأصفهان في ملك بيوراسب، وأن بيوراسب قتل ابنين له، فسمت همّته إلى أن أخذ النطع الذي يتوقى به من النار فجعله علما، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب، فأجابه خلق كثير لما كان عليه بيوراسب من الجور، وهزم بيوراسب وقتل، وسألوا كابي أن يلي عليهم الملك فأبى حتى ملكوا غيره،

وعظموا ذلك النطع ورصعوه بالجوهر وصار علم ملوكهم الأكبر الذي يتبركون به في حروبهم ويسمونه درفش كابيان.

- ويقال لا ينبغي للرجل ذي المروءة الفاضلة أن يرى إلا في موضعين ولا يليق به غيرهما: إما مع الملوك مكرما، وإما مع النساك متبتلا.

- وممن حركته همته حتى نال أمنيته على بعد منالها المختار بن أبي عبيد الثقفي، قال بن العرق: رأيت المختار مشتور العين، قلت: من فعل بك هذا، قطع الله يده؟ فقال: ابن الفاعلة عبيد الله بن زياد، والله لأقطعنّ أنامله وأباجله، ولأقتلن بالحسين عدد من قتل بيحيى بن زكريا ﵉. وحبس في فتنة يزيد فلما هلك اجتمعت الشيعة لإخراجه، فاستأناهم حتى أخرجه عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وهما على الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير وكفلاه وحلّفاه ألا يخرج ما دام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة، ومماليكه ذكرهم وأنثاهم أحرار، فلما عزلا عن الكوفة وبعث ابن الزبير عليها عبد الله بن مطيع أظهر أمره حينئذ، وبلغ من الثأر ما هو مشهور. وكان يقول: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم باليمين، أما يميني بالله فانه ينبغي لي إذا حلفت على يمين ثم رأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير وأكفّر عن يميني، وأما

هدي البدن فأهون عليّ من بصقة، وما ثمن ألف بدنة مما يهولني! وأما عتق مواليّ فو الله لوددت أنه قد استتب لي أمري ولم أملك مملوكا أبدا.

- ولما حارب المختار مصعبا فلّ جيش مصعب، وقتل محمد بن الأشعث، وأوغل أصحاب المختار في أصحاب مصعب فظن أنهم انهزموا، فانصرف منهزما إلى القصر بالكوفة، وعاد أصحاب المختار من حملتهم فلم يجدوه، فتبعوه إلى القصر بعد أن تفرّق شطرهم وظنّوا أنه قد قتل، واجتمعوا في القصر ثمانية آلاف، وحصرهم مصعب فقال لهم: اخرجوا إلى القوم فما بكم من قلّة، فجبنوا عن ذلك وضعفوا، فخرج المختار إليهم في تسعة عشر رجلا فقاتلهم حتى قتل ولم يسلم نفسه لهم.

- خرج معاوية متنزها فمرّ بحواء ضخم فقصد لبيت منه، فإذا بفنائه امرأة برزة، فقال لها: هل من غداء؟ قالت: نعم حاضر، قال: وما غداؤك؟ قالت خبز خمير، وماء نمير، وحيس فطير، ولبن هجير، فثنى وركه ونزل، فلما تغدّى قال: هل لك من حاجة؟ فذكرت حاجة أهل الحواء، قال: هاتي حاجتك في خاصّة نفسك، قالت: يا أمير المؤمنين إني أكره أن تنزل واديا فيرفّ أوله ويقفّ آخره.

- قال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية: إن ولدت

غلاما فلك حكمك، فلما ولدت قالت: حكمي أن تطعم سبعة أيّام، كلّ يوم ألف خوان من فالوذج، وأن تعقّ بألف شاة، ففعل.

- قال بعضهم: رحت عشية من طريق مكة مع عبد الله بن الحسن بن الحسن، فضمّنا المسير وداود وعبد الله وعيسى بني علي بن عبد الله ابن العبّاس، فسار عيسى وعبد الله أمام القوم، فقال داود لعبد الله بن الحسن: لم لا يظهر محمد، يعني ابنه؟ فقال عبد الله: لم يأت الوقت الذي يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنّهم الذي يظهر عليهم قتلا ذريعا، قال: فسمع عبد الله بن علي الحديث فالتفت إلى عبد الله بن الحسن وقال: يا أبا محمد

سيكفيك الجعالة مستميتخفيف الحاذ من فتيان جرم

أنا والله أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، فكان كما قال.

- قال أبو هريرة رأيت هندا يعني بنت عتبة بمكة جالسة وكأنّ وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبيّ يلعب، فمرّ رجل فنظر إليه وقال: إني لأرى غلاما إن عاش ليسودنّ قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فلا جبره الله.

- وقال عتبة بن ربيعة لابنته هند: قد خطبك إليّ رجلان «السم ناقعا» يعني سهيل بن عمرو، و «الأسد عاديا» يعني أبا سفيان، فأيهما أحبّ إليك أن أزوّجك؟ قالت: الذي يأكل أحبّ إلي من الذي يؤكل؛ فزوّجها أبا سفيان.

لما قتل حاجب بن زرارة قراد بن حنيفة قالت قبائل بني دارم لحاجب: إمّا أن تقيد من نفسك، وإما أن تدفع إلينا رجلا من رهطك، فأمر فتى من بني زرارة بن عدس أن يذهب إليهم حتى يقاد، فمرّوا بالفتى على أمه فحسبوها تجزع فيدفع إليهم حاجب غيره، فقالت: إنّ حيضة وقت حاجبا الموت لعظيمة البركة.

- قيل إن الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي قال لخارجة بن سنان المريّ: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال: نعم، قال: ومن ذاك؟

قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، فركبا حتى انتهيا إلى أوس بن حارثة في بلاده، فوجداه في ثني منزله، فلما رآه قال: مرحبا بك يا حار، ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطبا، قال: لست هناك، فانصرف ولم يكلّمه؛ ودخل أوس على امرأته مغضبا، وكانت من بني عبس فقالت: من رجل وقف عليك فلم يطل ولم تكلّمه؟ قال: ذاك سيد

العرب الحارث بن عوف، قالت: فما لك لم تستنزله ؟ قال: إنه استحمق، جاءني خاطبا، قالت: أفتريد أن تزوّج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فإذا لم تزوّج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك، قالت: فتدارك ما كان منك، قال: بماذا؟ قالت: أن تلحقه فتردّه. قال: وكيف وقد فرط إليه مني ما فرط؟ قالت: تقول: إنك لقيتني وأنا مغضب بأمر لم تقدّم فيه قولا، فلم يكن عندي من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كلّ ما أحببت، فركب في أثرهما؛ قال خارجة بن سنان: فو الله إنا نسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يكلمني غمّا، فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا، قال: وما نصنع به؟ امض، فلما رآنا لا نقف عليه صاح:

يا حار اربع عليّ، فوقفنا له وكلّمه بذلك الكلام، فرجع مسرورا، فبلغني أن أوسا لما دخل منزله دعا ابنته الكبرى وأعلمها خطبة الحارث بن عوف فقالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأنّ في وجهي ردّة وفي خلقي بعض العربدة، ولست بابنة عمه فيرعى حقي، وليس بجارك فيستحي منك، ولا آمن أن يرى منّي ما يكره فيطلقني، فيكون عليّ في ذلك ما تعلم؛ قال:

قومي بارك الله عليك، ثم دعا بابنته الوسطى وقال لها كمقالته للكبرى، فقالت له: أنا خرقاء، وأجابته بنحو جواب أختها. فقال: ادعوا لي بهيسة، يعني الصغرى، فقال لها كمقالته لأختيها، فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إنّي عرضت ذلك على أختيك فأبتاه، فقالت: لكني والله الجميلة وجها، الصّناع

يدا، الرقيقة خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلّقني فلا أخلف الله عليه بخير.

قال، فخرج إلينا وقال: قد زوجتك يا حار بهيسة بنت أوس، قال:

قد قبلت؛ فأمر أمّها أن تهيّئها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له وأنزله إيّاه، ثم خرج إليّ فقلت: أفرغت من شأنك؟ فقال:

لا، قلت: وكيف؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه أعند أهلي وإخوتي؟! هذا والله ما لا يكون، قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدّم فتقدّمت، وعدل بها عن الطريق، فما لبث أن لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت:

ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة والسبيّة الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر وتذبح وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي، قال: قلت والله إني لأرى همّة وأرى عقلا وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. فرحلنا حتى جئنا بلادنا فأحضر الإبل والغنم ودخل عليها ثم خرج فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله، قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها: قد أحضرنا من المال ما تريدين. فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك، قلت: وكيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يأكل بعضها بعضا؟! وذلك في أيام حرب عبس وذبيان. قلت: فتقولين ماذا؟ فقالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتوك، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلا ولقد قالت قولا. قال: فاخرج بنا، فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحسبوا القتلى ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الديات فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين،

فانصرفنا بأجمل الذكر.

- لما احتضر ذو الاصبع العدوانيّ دعا ابنه أسيدا فقال: يا بنيّ إن أباك قد فني وهو حيّ، وعاش حتى سئم العيش، وإني موصيك ما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عني: ألن جانبك لقومك يحبّوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عنهم حتى يسوّدوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكبر على مودّتك صغارهم، واسمح بمالك واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ فان لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا يتمّ سؤددك.

- لما أمعن داود بن علي في قتل بني أمية بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا ابن عمّ، إذ أفرطت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ أو ما يكفيك منهم أن يروك رائحا وغاديا فيما يسرّك ويسوءهم؟

- كان عثمان بن حيان المرّي على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك، فأساء بعبد الله والحسن ابني الحسن إساءة عظيمة وقصدهما، فلما عزل أتياه فقالا: لا تنظر إلى ما كان بيننا فان العزل قد محاه، وكلّفنا أمرك كله. فلجأ إليهما فبلّغاه كلّ ما أراد، فجعل عثمان يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.

- كان محمد بن سليمان بن علي من رجال بني هاشم وذوي هممهم، وكان له خمسون ألف مولى أعتق منهم عشرين ألفا، وخرج يوما إلى باب داره بالمربد في عشية من عشايا الصيف فرأى الحرّ شديدا فقال: رشّوا هذا الموضع، فخرج من داره خمسمائة عبد بخمسائة قربة ماء، فرشوا الشارع حتى أقاموا الماء فيه، وكانت غلّته كلّ يوم مائة ألف درهم، وسمع دعاؤه في السحر: اللهمّ أوسع عليّ فإنه لا يسعني إلا الكثير.

- ولما أراد أن يدخل بالعبّاسة بنت المهدي شاور كاتبه حمادا في اللباس الذي يلبسه، فأشار عليه بأن لا يتصنّع، ويقتصر على ما كان يلبسه في كلّ يوم، فلم يقبل منه، وعمد إلى ثياب دبيقية كأنها غرقيء البيض فلبسها، فرأتها عليه، فلما كان الغد دخل عليها، وإذا هي في دار قد فرشت بالدبيقي الذي يشابه ما لبس أو يزيد عليه، فعلم أنّ كاتبه قد نصحه، وتمثّل يقول:

أمرتهم أمري بمنعرج اللّوىفلم يستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

- وكان يتصدّق في كل سنة بخمسمائة ألف درهم، ويوم الفطر بمائة ألف درهم وفي كل يوم بكرّين من الدقيق.

- وقدم المهديّ البصرة فنزل دار محمد بن سليمان، وترك محمد

المحدثة، فقام محمد بنزل المهديّ وأصحابه، فقال المهديّ ذات يوم لأصحابه: لنفضحنّ محمدا اليوم، فصلّى الفجر وركب هو وأصحابه ومحمد معه، فمضى نحو الجعفريّة والنحيت، ثم قال لمحمد: يا أبا عبد الله، امض بنا نتغدّى في المحدثة، فساعة جلس المهديّ قال لمحمد: إنه خطر ببالي لبأ الظباء مع أزاذ فأحضره له من ساعته؛ وكان عند محمد ألف ظبية بالنحيت يتوالدن، ثم جاءوه بالطعام فأكل فقال: يا أبا عبد الله قد خطر ببالي مخ السوق معقود بسكر طبرزذ، فأحضره، فقال يا أبا عبد الله أردنا أن نفضحك فغمرتنا، فأكثر الله في عمومتنا وبني عمنا مثلك.

ومن ذوي الهمم سعيد بن العاص، وكان أيضا من أجواد قريش، وأخباره في الجود ترد في موطنها. خطب سعيد أمّ كلثوم بنت عليّ ﵇، وبعث إليها مائة ألف درهم وشاور الحسن بن علي في ذلك، فقال: أنا أزوّجك، واتعدوا ولم يحضر الحسين معهم، فقال سعيد: أين أبو عبد الله؟ فقال الحسن: لم يحضر وأنا أكفيك، فقال: لعلّه كره شيئا مما نحن فيه، قالوا: نعم، فقال سعيد: لم أكن لأدخل في شيء كرهه أبو عبد الله، فتفرقوا عن غير تزويج، وردّت المال فلم يقبله سعيد.

- دخل المسور على معاوية فقال له: كيف تركت سعيدا؟

فقال عليلا، قال: لليدين والفم:

به لا بظبي بالصريمة أعفرا

قال: وعمرو بن سعيد صبيّ يسمع قوله من ورائه، فقال: إذن والله لا يسدّ حفرتك، ولا يزيد في رزقك، ولا يدفع حتفا عليك، بل يفتّ في عضدك، ويهيض ظهرك، وينشر أمرك، فتدعو فلا تجاب، وتتوعّد فلا تهاب؛ فقال معاوية: أبا أمية أراك هاهنا، إنّ أباك جارانا إلى غاية الشرف فلم نعلق بآثاره، ولم نقم لمحضاره، ولم نلحق بمضماره، ولم ندن من غباره، هذا مع قوة إمكان، وعزة سلطان، وإنّ أثقل قومنا علينا من سبقنا إلى غاية شرف.

- وكان معاوية يعاقب بين سعيد وبين مروان في ولاية المدينة، وكان يغري بينهما، فكتب إلى سعيد وهو وال عليها أن أهدم دار مروان فلم يهدمها، وأعاد عليه الكتاب بهدمها فلم يفعل، فعزله وولّى مروان، وكتب إليه أن أهدم دار سعيد، فأرسل الفعلة وركب ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إليّ أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت، فقال: ما كنت لأفعل، قال: بلى والله ولو كتب إليك لهدمتها، قال: كلا يا أبا عبد الملك، وقال لغلامه: انطلق فجئني

بكتب معاوية فجاءه بها، فقال مروان: كتب إليك يا أبا عثمان في هدم داري فلم تهدمها ولم تعلمني؟ قال: ما كنت لأهدم دارك ولا أمنّ عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرّض بيننا، فقال مروان: فداك أبي وأمي، أنت والله أكرمنا ريشا وعقبا، ورجع فلم يهدم دار سعيد.

- وقدم سعيد على معاوية فقال له: يا أبا عثمان كيف تركت أبا عبد الملك؟ قال: تركته ضابطا لعملك، منفذا لأمرك، قال: إنه كصاحب الخبزة كفي نضجها فأكلها، قال: كلا والله يا أمير المؤمنين، إنه لمع قوم ما يجمل بهم السوط ولا يحلّ لهم السيف، يتهادون [فيما بينهم كلاما] كوقع النبل:

سهم لك وسهم عليك، قال: ما باعد بينك وبينه؟ قال: خافني على شرفه وخفته على شرفي، قال: فما له عندك؟ قال: أسرّه غائبا وأسوءه شاهدا، قال: تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات، قال: نعم يا أمير المؤمنين فتحملت الثقل، وكفيت الغرم وكنت قريبا: لو دعوت أجبت، ولو وهنت وقعت.

- وكان ابن ظبيان نذر أن يقتل من قريش مائة بأخيه النابي، فقتل منهم ثمانين ثم قتل مصعبا وقال:

يرى مصعب أني تناسيت نابياوليس لعمر الله ما ظنّ مصعب
فو الله ما أنساه ما ذرّ شارقوما لاح في داج من الليل كوكب
وثبت عليه ظالما فقتلتهفقصرك منه يوم شرّ عصبصب
قتلت به من حيّ فهر بن مالكثمانين منهم ناشئون وأشيب
وكفّي لهم رهن بعشرين أو يرىعليّ مع الإصباح نوح مسلّب
أأرفع رأسي وسط بكر بن وائلولم أرو سيفي من دم يتصبّب

- دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على أبيه وهو يكيد بنفسه فقال: ألا أوصي بك الأمير زيادا؟ قال: لا، قال: ولم ذلك؟ قال: إذا لم يكن للحيّ إلا وصية الميت فالحيّ هو الميت.

- وعبيد الله هذا هو قاتل مصعب بن الزبير، ولما أتي عبد الملك برأسه خرّ عبد الملك ساجدا، قال عبيد الله: فهممت أن أقتله فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين في يوم واحد. وأمر له عبد الملك بألف دينار فأبى أن يأخذها وقال: إنما قتلته على وتر لي عنده، وكان مصعب قتل أخاه النابي بن ظبيان.

- لما أخذ عبد الحميد بن ربعيّ وأتي به المنصور ومثل بين يديه قال: لا عذر فأعتذر، وقد أحاط بي الذنب، وأنت أولى بما ترى، قال المنصور: إني لست أقتل أحدا من آل قحطبة، أهب مسيئهم لمحسنهم، قال: يا أمير المؤمنين إن لم يكن فيّ مصطنع فلا حاجة بي إلى الحياة، لست

أرضى أن أكون طليق شفيع وعتيق ابن عمّ.

ويناسب هذه القصة ما فعله بابويه، أحد الشطّار، وكان محبوسا بعدة دماء، فلما نقب حمير بن مالك السجن وقام على باب النقب يسرّب الناس ويحميهم ليستتم المكرمة جاء رسوله إلى بابويه فقال: أبو نعمانة ينتظرك، وليس له همّ سواك، وما بردت مسمارا ولا فككت حلقة وأنت قاعد غير مكترث ولا محتفل، وقد خرج الناس حتى الضعفاء، فقال بابويه:

ليس مثلي يخرج في الغمار ويدفع عنه الرجال، لم أشاور ولم أؤامر، ثم يقال لي الآن: كن كالظعينة والأمة والشيخ الفاني؟! والله لا أكون في شيء تابعا ذليلا، فلم يبرح وخرج سائر الناس، وأجرامه وحده كأجرام الجميع، فلما جاء الأمير ودخل السجن فلم ير فيه غيره قال للحرس: ما بال هذا؟ فقصّوا عليه القصّة فضحك وقال: خذ أيّ طريق شئت، فقال بابويه: هذا عاقبة الصبر.

- لما عزل الحجاج أمية بن عبيد الله عن خراسان أمر رجلا من بني تميم فعابه بخراسان وشنّع عليه، فلما قفل لقيه التميميّ فقال: أصلح الله الأمير، أقلني فإني كنت مأمورا، فقال: يا أخا بني تميم، وحدّثتك نفسك أني وجدت عليك؟ قال: قد ظننت ذاك، قال: إنّ لنفسك عندك قدرا.

- دخل عمارة بن حمزة على المنصور فقعد في مجلسه، وقام رجل

فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: ومن ظلمك؟ قال: عمارة غضبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم فاقعد مع خصمك، فقال: ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له فلست أنازعه، وإن كانت لي فهي له، ولا أقوم من مجلس قد شرّفني أمير المؤمنين بالرفعة إليه لأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة.

- وجرى بين الرشيد وزبيدة (وقيل: بل كان بين أبي العبّاس السفّاح وأمّ سلمة، وهو الأشبه) نزاهة نفس عمارة وكبره، فقالت له: ادع به وهب له سبحتي هذه، فإنّ شراءها خمسون ألف دينار، فإن ردّها علمنا نزاهته، فوجّه إليه فحضر، فحادثه ساعة ورمى إليه بالسبحة وقال: هي طرفة وهي لك، فجعلها عمارة بين يديه، فلما قام تركها، فقالت: أنسيها، فأتبعوه خادما بالسبحة، فقال للخادم: هي لك، فرجع وقال: وهبها لي عمارة، فأعطت المرأة بها الخادم ألف دينار وأخذتها منه.

- دخل الطرماح بن حكيم الطائيّ على خالد بن عبد الله القسري فقال له: أنشدني بعض شعرك فأنشده:

وشيّبني ألّا أزال مناهضابغير غنى أسموا به وأبوع
وإنّ رجال المال أضحوا، ومالهملهم عند أبواب الملوك شفيع

فقال له خالد: لو كان لك مال ما كنت به صانعا؟ قال: أسود به قومي، وأصون به عرضي، فأمر له بعشرين ألفا.

- كان المعتصم ينفق أمواله في جمع الرجال وابتياع الغلمان، وكان العبّاس بن المأمون مشغولا باتخاذ الضّياع، فكان المأمون كلّما نظر إلى المعتصم تمثل ببيتي أبي عبد الرحمن الأعمى الذي كان مع الحسن بن الحسين بن مصعب:

يبني الرجال وغيره يبني القرىشتان بين مزارع ورجال
قلق بكثرة ماله وسلاحهحتى يفرّقه على الأبطال

- قيل: ما رئيت بنت عبد الله بن جعفر ضاحكة بعد أن تزوجها الحجاج، فقيل لها: لو تسليت فإنه أمر قد وقع، فقالت: كيف وبم ؟

فوالله لقد ألبست قومي عارا لا يغسل درنه بغسل. ولما مات أبوها لم تبك عليه، فقيل لها: ألا تبكين على أبيك؟ قالت: والله إنّ الحزن ليبعثني وإنّ الغيظ ليصمتني. ولما أهديت إلى الحجاج نظر إليها في تلك الليلة وعبرتها تجول في خدّها فقال: ممّ تبكين؟ بأبي أنت؟ قالت: من شرف أتضع، ومن ضعة شرفت. ولما كتب عبد الملك إلى الحجاج بطلاقها قال لها: إن أمير المؤمنين أمرني بطلاقك، قالت: هو أبرّ بي ممّن زوّجك.

- قيل ليزيد بن المهلب: ألا تبني دارا؟ فقال: منزلي دار الامارة.

- وقيل للحسين بن حمدان في منزل بناه أخوه إبراهيم وأكثر من الإنفاق عليه، فقال: إنّا لا ننزل إلا دار الإمارة والقبر، فأخذ المعنى أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان فقال، وهو في الأسر:

من كان مثلي لم يبتإلا أميرا أو أسيرا
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «إن زرت خرشنة أسيرا»
ليست تحلّ سراتناإلا القبور أو القصورا

قام رجل إلى الرشيد ويحيى بن خالد يسايره فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من المرابطة، وقد عطبت دابتي، فقال: يعطى ثمن دابة خمسمائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزل قال: يا أبة أومأت إليّ بشي لم أفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين مثلك لا يجري هذا المقدار على لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف إلى مائة ألف قال: فإذا سئلت مثل هذا كيف أقول؟ قال: تقول يشترى له دابة، يفعل به ما يفعل بأمثاله.

- أهدى عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولي مصر مائة وصيف مع كلّ وصيف ألف دينار، ووجّه بذلك ليلا، فردّه وكتب إليه: لو

قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ

(النمل:). وكان المأمون قال لطاهر: أشر عليّ بإنسان يكفيني أمر مصر والشام، فقال له طاهر: قد أصبته، فقال: من هو؟ قال: ابني عبد الله خادمك وعبدك، قال: كيف شجاعته؟ قال: معه ما هو خير من ذلك، قال المأمون: وما هو؟ قال: الحزم، قال: فكيف سخاؤه؟ قال:

معه ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: التنزه وظلف النفس، فولّاه فعفّ عن إصابة خمسة آلاف ألف دينار.

- وكان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد من أصحاب الهمم والنبل والرياسة، قال: أنفذ إليّ أبو العبّاس تاش الحاجب رقعة في السرّ بخطّ صاحبه نوح بن منصور صاحب خراسان، يريدني فيها على الانحياز إلى حضرته ليلقي إليّ مقاليد ملكه، ويعتمدني لوزارته، ويحكّمني في ثمرات بلاده، فكان فيما اعتذرت به من تركي امتثال أمره والصّدر عن رأيه ذكر طول ذيلي، وكثرة حاشيتي، وحاجتي لنقل كتبي خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظنّ بما يليق بها من تجمّل؟

وكان يفطر عنده في شهر رمضان كل ليلة ألف نفس، قال عون بن الحسين الهمذاني التميمي: كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت حسبانات كاتبه مبلغ عمائم الخز التي صارت تلك الشتوة في خلع العلويّة والفقهاء والشعراء، سوى ما صار منها في خلع الخدم والحاشية، ثمانمائة وعشرين.

- قيل: أوّل يوم عرف فيه الحجاج أنه كان في الشرط مع عبد الملك بن مروان، فبعث إلى زفر بن الحارث عشرة هو أحدهم، فكلّموه وأبلغوه رسالة عبد الملك، فقال: لا سبيل إلى ما تريدون، فقال له أحدهم: أراه والله سيأتيك ما لا قبل لك به، ثم لا يغني عنك فسّاقك هؤلاء شيئا، فأطعني واخرج، قال: وحضرت الصلاة فقال: نصلّي ثم نتكلم، فأقام الصلاة وهم في بيته، فتقدّم زفر وصلّى بهم، وتأخر الحجاج فلم يصلّ، فقيل له: ما منعك من الصلاة؟ قال: أنا لا أصلّي خلف مخالف للجماعة مشاقّ للخلافة، لا والله لا يكون ذلك أبدا، فبلغت عبد الملك فقال: إنّ شرطيّكم هذا لجلد، فكان هذا مبدأ ظهور همته. ثم إن عبد الملك خطب بالكوفة بعد قتل مصعب، وندب الناس إلى قتال عبد الله بن الزبير فلم يقم أحد، فقام الحجاج فأقعده، ثم قام فقال: يا أمير المؤمنين إني رأيت في المنام كأني قتلته وسلخته، فلم يكن ليفعل به ذلك غيري فقال: أنت له، وولّاه حربه.

- قال الجاحظ حدثني إبراهيم بن السنديّ قال: سمعت عبد الملك ابن صالح يقول، بعد إخراج المخلوع له من حبس الرشيد، وذكر ظلم الرشيد له وإقدامه عليه، وكان يأنس به ويثق بمودته وعقله: والله إن الملك لشيء ما نويته ولا تمنيته، ولا تصدّيت إليه ولا تبغيته، ولو أردته لكان أسرع إليّ من السيل إلى الحدور، ومن النار في يابس العرفج، وإني لمأخوذ بما لم أجن،

ومسؤول عمّا لا أعرف، ولكنه حين رآني للملك أهلا، ورأى للخلافة خطرا وثمنا، ورأى أنّ لي يدا تنالها إذا مدّت، وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لها بخصالها، وتستحقها بخلالها، وإن كنت لم أختر تلك الخصال، ولا اصطنعت تلك الخلال، ولم أترشح لها في سرّ، ولا أشرت إليها في جهر، ورآها تحنّ إليّ حنين الواله، وتميل نحوي ميل الهلوك، وخاف أن ترغب إلى خير مرغب وتنزع إلى أخصّ منزع، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها، ونصب في التماسها، وتعذّر لها بجهده، وتهيأ لها بكلّ حيلة. فإن كان إنما حبسني على أني أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه. وإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من إعطابه، إلّا بأن أخرج له من الحلم والعلم، ومن الحزم والعزم، فكما لا يستطيع المضياع أن يكون حافظا، كذلك العاقل لا يستطيع أن يكون جاهلا، وسواء عاقبني على عقلي وعلمي أم على نسبي وسببي، وسواء عاقبني على خلالي أو على طاعة الناس لي، ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، ولشغلته عن التدبير، ولما كان فيه من الخطار إلا اليسير، ومن بذل الجهد إلا القليل.

- كان سبب فتح المتعصم لعمورية أنّ امرأة من الثغر سبيت فصاحت: وا محمداه وامعتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش، فلما فتحها قال: لبيك.

- ولما أسر المعتضد وصيفا عاد إلى إنطاكية وعليه قباء أصفر،

فعجب الناس من تركه السواد، فقيل: إنه لما جاءه خبر وصيف وعصيانه كان ذلك القباء عليه، فركب وسار إلى طرسوس فأوقع به وأسره ولم ينزع قباءه.

- قال عبد العزيز بن زرارة:

لا يملأ الأمر صدري قبل موقعهولا يضيق به صدري إذا وقعا
كلّا لبست فلا النعماء تبطرنيولا تخشعت من لأوائها جزعا
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة

- وقال الآخر:

راع المهيرة في الظلام تأوّهيواستنبأت نبأي فقلت لها صه
غضّي وأرعي مقلتيك حمى الكرىللخفض نمت وللعلاء تنبّهي
أذر الزّلال إذا أردت ورودهوأبلّ ريقي بالصّرى المتسنّه
إن قلّ مالي لم تشنّي فاقةوإذا سعيت إلى الغنى لم أشره

- وقال الشنفرى:

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذىوفيها لمن خاف القلى متحوّل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»
وإني كفاني فقد من ليس جازيابخير ولا في قربه متعلّل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيّعوأبيض إصليت وصفراء عيطل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»
أديم مطال الجوع حتى أميتهوأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»
وأستفّ ترب الأرض كيلا يرى لهعليّ من الحق امرؤ متطوّل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»
ولولا اجتناب الذمّ لم يلف مشربيعاش به إلا لديّ ومأكل
ولكنّ نفسا حرّة لا تقيم بيعلى الضيم إلا ريثما أتحوّل
فاما تريني كابنة الرمل ضاحياعلى قنّة أحفى ولا أتسر بل
فإني لمولى الصبر أجتاب بزّهعلى مثل قلب الليث والحزم أفعل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

- لما بلغ يزيد ومروان ابنا عبد الملك من عاتكة بنت يزيد بن معاوية قال لها عبد الملك: قد صار ابناك رجلين، فلو جعلت لهما من مالك ما يكون لهما فضيلة على إخوتهما، قالت: اجمع لي أهل معدلة من مواليّ ومواليك، فجمعهم وبعث معهم روح بن زنباع الجذامي، وكان [يدخل] على نسائهم، مدخل كهولتهم وجلّتهم، وقال له: أخبرها برضاي عنها، وحسّن لها ما صنعت، فلما دخلوا عليها اجتهد روح في ذلك، فقالت: يا روح، أتراني أخشى على ابنيّ العيلة وهما ابنا أمير المؤمنين؟ أشهدكم أني قد تصدقت بمالي وضياعي على فقراء آل أبي سفيان، فقام روح ومن معه، فلما نظر إليه عبد الملك مقبلا قال: أشهد بالله لقد أقبلت بغير الوجه الذي أدبرت به، قال أجل، تركت معاوية في الإيوان آنفا، وخبّره بما كان، فغضب،

فقال [روح]: مه يا أمير المؤمنين، هذا العقل منها في ابنيك خير لهما ممّا أردت.

ابن المعتز فيما يدل على الهمّة:

وبكر قلت موتي قبل بعلوإن أثرى وعدّ من الصميم
للشاعر ابن المعتز، اقرأ القصيدة
أأمزج باللئام دمي ولحميفما عذري إلى النّسب الكريم
للشاعر ابن المعتز، اقرأ القصيدة

- آخر:

ومن يخش أطراف المنايا فاننالبسنا لهنّ السّابغات من الصبر
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة
وإنّ كريه الموت مرّ مذاقهإذا ما مزجناه بطيب من الذكر
وما رزق الإنسان مثل منيّةأراحت من الدنيا ولم يجز في القبر
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة

- كان إبراهيم الموصلي المغني ذا همة ونبل، فحدث مخارق أنه أتى محمد بن يحيى بن خالد في يوم مهرجان، فسأله محمد أن يقيم عنده، فقال:

ليس يمكنني لأنّ رسول أمير المؤمنين قد أتاني، قال: فتمرّ بنا إذا انصرفت ولك عندي كلّ ما يهدى إليّ اليوم، قال: نعم، وترك في المجلس صديقا له يحصي ما يبعث به إليه، قال: فجاءت هدايا عجيبة من كلّ صنف، قال: وأهدي إليه تمثال فيل من ذهب عيناه ياقوتتان، فقال محمد للرجل: لا تخبره بهذا حتى نبعث به إلى فلانة، ففعل، وانصرف إبراهيم إليه

فقال: أحضرني ما أهدي لك، فأحضره ذلك كله إلا التمثال، وقال له: لا بدّ من صدقك، كان الأمر كذا وكذا، قال: لا إلّا على الشريطة وكما ضمنت لي، فجيء بالتمثال، فقال إبراهيم: أليس الهديّة لي وأعمل بها ما أريد؟ قال: بلى، قال: فردّ التمثال على الجارية، وجعل يفرّق الهدايا على جلساء محمد شيئا شيئا وعلى جميع من حضر من إخوانه وغلمانه وعلى من في دور الحرم من جواريه حتى لم يبق منها شيئا، ثم أخذ من المجلس تفاحتين لما أراد الانصراف، قال: هذا لي، وانصرف، فجعل محمد يعجب من كبر نفسه ونبله.

- قطع عبد الملك بن مروان عن آل أبي سفيان أشياء كان يجريها عليهم لمباعدة بينه وبين خالد بن يزيد بن معاوية، فدخل عليه عمرو بن عتبة ابن أبي سفيان فقال: يا أمير المؤمنين أدنى حقّك متعب وتقصّيه فادح، ولنا مع حقّك علينا حق عليك، لقرابتنا منك وإكرام سلفنا لك، فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليك، وضعنا بحيث وضعتنا الرحم منك، وزدنا بحسب ما زادك الله، فقال عبد الملك: أفعل، وإنما يستحقّ عطيّتي من استعطاها، أمّا من ظنّ أنه يستغني بنفسه فسنكله إلى ذلك- يعرّض بخالد بن يزيد- ثم أقطع عمرا هزاردر، فبلغ ذلك خالدا فقال: أبا لحرمان يتهدّدني؟

يد الله فوق يده مانعة، وعطاؤه دونه مبذول، فأما عمرو فقد أعطى من نفسه أكثر مما أخذ.

- وتشبه همة خالد في هذه القصة وضراعة عمرو، قول الكثيريّ:

الموت أجمل بالفتى من خطةفي الناس خوف شنارها يتقنّع
شتّان من أعطى الرجال ظلامةحذر البلاء وآخر لا يخضع
ليس الجزوع بمفلت من يومهوالحرّ يصبر والأنوف تجدّع
لعن الإله عداوة لا تتّقىوقرابة يدلى بها لا تنفع

- وكان سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ذا نخوة وهمة، قيل له عند الموت إن المريض ليستريح إلى الأنين، وإلى أن يصف ما به للطبيب، فقال: أما الأنين فو الله إنه لجزع وعار، ووالله لا سمع الله منّي أنينا فأكون عنده جزوعا، وأما صفة ما بي للطبيب فو الله لا يحكم غير الله في نفسي، فإن شاء قبضها وإن شاء وهبها ومنّ بها وقال:

أجاليد من ريب المنون فلا ترىعلى هالك عينا لنا الدهر تدمع

- قال عليّ ﵇: كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب.

- ومن كلامه ﵇: أكرم نفسك عن كلّ دنيّة، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن

عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا.

- قال رجل لسعيد بن العاص وهو أمير الكوفة: يدي عندك بيضاء، قال: وما هي؟ قال: كبت بك فرسك، فتقدّمت إليك غلمانك، فرفعت بضبعك، وهززتك ثم سقيتك ماء، ثم أخذت ركابك حتى ركبت، قال: فأين كنت؟ قال: حجبت عنك، قال: أمرنا لك بمائتي ألف درهم وبما يملكه الحاجب تأديبا له أن يحجب مثلك، وهذه وسيلتك.

- المتنبي:

أهمّ بشيء والليالي كأنهاتطاردني عن فعله وأطارد
وحيدا من الخلّان في كلّ منزلإذا عظم المطلوب قلّ المساعد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وله:

وإذا كانت النفوس كباراتعبت في مرادها الأجسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

وقال:

وإنّا لنلقى الحادثات بأنفسكثير الرزايا عندهنّ قليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
يهون علينا أن تصاب جسومناوتسلم أعراض لنا وعقول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

.- وقال:

تريدين لقيان المعالي رخيصةولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

- قال رجل لقتيبة بن مسلم: أتيناك لا نرزأك ولا نبكأك، وإنما نسألك جاهك، فقال: سألتم أثقل الأمور عليّ، والله إنا لنعطي أموالنا وقاية لوجوهنا.

- قيل لأبي مسلم: بم أصبت ما أصبت؟ قال: ارتديت بالصبر، وائتزرت بالكتمان، وحالفت الحزم، ولم أجعل العدوّ صديقا ولا الصديق عدوا.

ومن كبر النفس ما روي عن قيس بن زهير العبسي أنه لما تنقّل في العرب احتاج، فكان يأكل الحنظل حتى قتله ولم يخبر أحدا بحاجته.

- قال المفضل بن المهلب:

هل الجود إلا أن تجود بأنفسعلى كلّ ماضي الشفرتين قضيب
ومن هزّ أطراف القنا خشية الردىفليس لحمد صالح بكسوب
وما هي إلا رقدة تورث العلىلرهطك ما حنّت روائم نيب

- دخل النخّار العذريّ على معاوية في عباءة، فاحتقره معاوية، فرأى ذلك النخار في وجهه فقال: يا أمير المؤمنين ليست العباءة تكلّمك، إنما يكلمك من فيها، ثم تكلم فملأ سمعه ولم يسأله، فقال معاوية: ما رأيت رجلا أحقر أوّلا ولا أجلّ آخرا منه.

- قال شاعر:

كفى حزنا أنّ الغنى متعذّرعليّ وأني بالمكارم مغرم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «كفى حزنا أن الغنى متعذر»
فو الله ما قصّرت في طلب العلىولكنني أسعى إليها فأحرم

- ومن المستحسن في ظلف النفس وبعد شأوها ما روي عن أمّ سليمان بن علي، وهي أمة من الصغد، قال جعفر بن عيسى الهاشمي: حضر علي بن عبد الله بن العبّاس عند عبد الملك بن مروان وقد أهدي له من خراسان جارية وفص وسيف فقال: يا أبا محمد إن حاضر الهديّة شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا، فاختار الجارية، وكانت تسمّى سعدى، وهي من سبي الصغد من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان بن علي، فلما أولدها اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدريّ خرج عليه، فانصرف عليّ

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.