من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الوفاء في النساء
- تزوج عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو أمّ هشام بنت عبد الله بن عمر ابن الخطاب، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان يجد بها وجدا شديدا.
فمرض مرضته التي هلك فيها، فجعل يديم النظر إليها وهي عند رأسه، فقالت له: إنك تنظر إليّ نظر رجل له حاجة، قال: اي والله، إنّ لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان عليّ ما أنا فيه، قالت: وما هي؟ قال: أخاف أن تتزوجي بعدي، قالت: فما يرضيك من ذلك؟ قال: أن توثّقي لي بالأيمان المغلّظة، فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه، ثم هلك. فلما انقضت عدّتها خطبها عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فأرسلت إليه: ما أراك إلّا وقد بلغتك يميني، فأرسل إليها: لك مكان كلّ عبد وأمة عبدان وأمتان، ومكان كلّ علق علقان، ومكان كلّ شيء ضعفه، فتزوّجته فدخل عليها بطّال بالمدينة، وقيل بل كان رجلا من مشيخة قريش مغفّلا، فلما رآها مع عمر جالسة قال:
تبدّلت بعد الخيزران جريدةوبعد ثياب الخزّ أحلام نائم
فقال عمر: ويحك، جعلتني جريدة وأحلام نائم؟! فقالت أمّ هشام: ليس كما قلت، ولكن كما قال أرطأة بن سهيّة:
وكائن ترى من ذات شجو وعولةبكت شجوها بعد الحنين المرجّع
وكانت كذات البوّ لما تعطّفتعلى قطع من شلوه المتمزّع
متى لا تجده تنصرف لطياتهامن الأرض أو تعمد لإلف فتربع
[عن الدهر فاصفح إنه غير معتبوفي غير من قد وارت الأرض فاطمع]
- لما قدّم هدبة بن الخشرم للقتل قودا قالت زوجته: إنّ لهدبة عندي وديعة، وذلك بحضرة مروان بن الحكم، فأمهله حتى آتيك بها فقال: أسرعي فإنّ الناس قد كثروا، وكان جلس لهم بارزا عن داره، فمضت إلى السوق فانتهت إلى قصّاب فقالت: أعطني شفرتك، وخذ هذين الدرهمين، وأنا أردّها عليك، فقرّبت من حائط وأرسلت ملحفتها على وجهها ثم جدعت أنفها من أصله وقطعت شفتيها وردّت الشفرة، ثم أقبلت حتى دخلت بين الناس فقالت:
أتراني يا هدبة متزوّجة بعد ما ترى؟ فقال: لا، الآن طابت نفسي بالموت، وخرج يرسف في قيوده، فإذا هو بأبويه يتوقّعان الثّكل، فهما بسوء حال، فأقبل عليهما وقال:
أبلياني اليوم صبرا منكماإنّ حزنا إن بدا بادىء شرّ
لا أرى ذا اليوم إلّا هيّناإنّ بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإني صابركلّ حيّ لقضاء وقدر
وقد روي أنها تزوجت بعده على تشويه خلقتها ولم تدم على وفائها.
- كان للنمر بن تولب العكلي أخ يقال له الحارث بن تولب، وكان سيّدا معظما. فأغار الحارث على بني أسد فسبى امرأة منهم يقال لها جمرة بنت نوفل، فوهبها لأخيه النمر، ففركته فحبسها حتى استقرّت، وولدت له أولادا.
ثم قالت له في بعض أيامها: أزرني أهلي فإني قد اشتقت إليهم، فقال لها: إني أخاف إن صرت إلى أهلك أن تغلبيني على نفسك، فواثقته لترجعنّ إليه. فخرج بها في الشهر الحرام حتى أقدمها بلاد بني أسد، فلما أطلّ على الحيّ تركته واقفا وانصرفت إلى منزل بعلها الأول، فمكث طويلا فلم ترجع إليه، فعرف ما صنعت وأنها اختدعته، فانصرف وقال:
جزى الله عنّا جمرة ابنة نوفلجزاء مغلّ بالأمانة كاذب
لهان عليها أمس موقف راكبإلى جانب السّرحان أخيب خائب
وقد سألت عنّي الوشاة ليكذبواعليّ وقد أبليتها في النّوائب
وصدّت كأنّ الشمس تحت قناعهابدا حاجب منها وضنّت بحاجب
- ومن أخبار العرب ما رواه أبو عبيدة أنّ رجلا خرج إلى جبّانة بلده مع
أخيه وجار له ينتظرون الرفاق، وتبعه كلب له فضربه ورماه بحجر فلم ينته، فلما قعد ربض بين يديه، وجاء عدوّ له يطلبه بطائلة، فجرح جراحات وطرح في بئر قريبة القعر وحثي عليه التراب، وقد فرّ أخوه وجاره، والكلب ينبح حوله، ثم أتاه عند انصراف العدوّ فكشف التراب عن رأسه حتى تنفّس، ومرّ ناس فاستشالوه وأدّوه إلى أهله، وسمي الموضع بئر الكلب، وقيل فيه:
يعرّد عنه جاره وشقيقهوينبش عنه كلبه وهو ضاربه
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع