من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
في المدح والثناء
(الباب السابع عشر في المدح والثناء) - ويتّصل به فصلان: الشكر، والاعتذار والاستعطاف.
وألحقت هذين الفصلين بالباب لأنهما في معناه، فالشاكر مثن، والمعتذر والمستعطف راغب، وكلاهما في المعنى راج ومادح. وحقيقة المدح وصف الموصوف بأخلاق يحمد صاحبها عليها ويكون نعتا حميدا له. وهذا يصحّ من المولى في حقّ عبده، ويخرّج عليه قوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
(ص:
) وقوله ﷾: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
(القلم:) وقوله ﷿: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ، إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
(المؤمنون:) وقوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
(التوبة:
) ومثل ذلك في الكتاب العزيز كثير.
ويناسبه وصف النبيّ ﷺ لأصحابه، وإن لم يكن على جهة المدح، فإنه تنبيه
على منازلهم، وبيان لأحوالهم، بأحسن الذّكر.
والمدح ذكر مخلّد وعمر مجدّد. وكانت العرب تراه عنوان فضلها، وسمة عقلها، قال شاعرهم:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكمبأحسابنا إنّ الثناء هو الخلد
- وقال عمر بن الخطاب ﵁ لابنة هرم: ما كنتم أعطيتم زهيرا حين قال فيكم ما قال؟ فقالت: أعطيناه قلائص تنضى وحللا تبلى، قال: لكنّ الذي أعطاكم لا يبليه الدهر.
- وأحسن المدح وقعا في الأسماع، وأعلقه بالأفواه، ما كان قصدا لا شطط ولا وكس، فإن صدّقه الممدوح بالفعال فهناك يسير مسير الشمس. وقد قال عليّ كرّم الله وجهه: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد. وما أقبح من استدعى مشهور الثناء وتصدّى لكشف الشعراء أن يتعرّض لقول القائل:
وكنت متى تسمع مديحا ظلمتهيكن لك أهجى كلّما كان أمدحا
وقد قال شاعر محدث:
والشعر أهجاه للإنسان أمدحهإذا امرؤ قيل فيه غير ما فعلا
وحسبه أنّ الله تعالى ذمّه حيث أحبّ أن يحمد بما لم يفعل. وللشعراء عادة في التجوّز وتجاوز قدر الممدوح يغضى عنها إذا اقترنت بالإحسان، وتشغل عن
المحاققة عليها بدائع البيان. وسأذكر من ذلك نظما ونثرا ما أختصره، وأجهد أن يسلم من العيّ مخبره، والله الموفق.
- أنشد عمر بن الخطاب ﵁ قول زهير بن أبي سلمى المزني في هرم بن سنان بن أبي حارثة:
دع ذا وعدّ القول في هرمخير الكهول وسيّد الحضر
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
ولأنت أوصل من سمعت بهلشوابك الأرحام والصهر
ولنعم حشو الدرع أنت إذادعيت نزال ولجّ في الذعر
وأراك تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
أثني عليك بما علمت وماأسلفت في النّجدات من ذكر
فقال عمر: ذاك رسول الله ﷺ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع