تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

بداية الباب الخامس والأربعون

(الباب الخامس والأربعون ما جاء في الغناء وأخبار المغنّين والقيان) نذكر فيه ما جاء في حظره وإباحته، وأخبار من سامح نفسه في استماعه، وأهواء الناس فيه، وملحا من أخبار المغنّين والقيان. ونسأل من الله حسن التجاوز والغفران، وأن يسبل على ما أفضنا فيه من اللّغو أستار الصّفح والعفو، إنّه جواد كريم.

قال الله ﷿: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً

(لقمان:) قال ابن مسعود ﵁: لهو الحديث: الغناء.

- وروى ابن مسعود عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل». وروى أبو أمامة الباهليّ أنّه ﷺ نهى عن بيع المغنّيات وشرائهنّ والتجارة فيهن وأكل أثمانهن، وثمنهنّ حرام.

- قال الشافعي. ﵁: الغناء بغير آلة مكروه. وحكي عن سعيد ابن ابراهيم الزّهري وعبد الله بن الحسن العنبريّ أنّهما قالا: ليس بمكروه.

- وروي أن ابن مليكة بينا هو يؤذّن إذ سمع الأخضر الجدّيّ يغنّي من دار العاص بن وائل:

تعلّقت ليلى وهي ذات ذؤابةولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّناإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلقت ليلى وهي غر صغيرة»

فأراد أن يقول: حيّ على الصلاة، فقال: حيّ على البهم، حتى سمعه أهل مكة، فغدا يعتذر إليهم.

- قيل إلتقى ابن سلمة الزّهريّ والأخضر الجدّيّ ببئر النضيخ، فقال ابن سلمة: هل لك في الاجتماع لنستمتع بك؟ فقال الأخضر: لقد كنت إلى ذلك مشتاقا، قال، فقعدا يتحدّثان، فمرّ بهما أبو السائب فقال: يا مطربي الحجاز، ألشيء كان اجتماعكما؟ فقالا: لغير موعد كان ذلك، أفتؤنسنا؟ قال: نعم.

فقعدوا يتحدّثون، فلما مضى بعض الليل قال الأخضر لابن سلمة: يا أبا الزهري، قد ابهارّ الليل وساعدك القمر، فرجّع بقهقهة ابن سريج وانصب مغناك، فاندفع يغنّي:

تجنّت بلا جرم وصدّت تغضبّاوقالت لتربيها مقالة عاتب
سيعلم هذا أنني بنت حرّةسأمنع نفسي من ظنون الكواذب
فقولي له عنّا تنحّ فإنّناأبيّات فحش طاهرات المناسب

فجعل أبو السائب يزفن ويقول: أبشر حبيبي فلأنت أفضل من شهداء قزوين! ثم قال ابن سلمة للأخضر: نعم المساعد على همّ الليل أنت، فوقّع بنوح ابن سريج ولا تعد مغناك، فاندفع يغنّي:

فلمّا التقينا بالحجون تنفّستتنفّس محزون الفؤاد سقيم
وقالت وما يرقا من الخوف دمعهاأقاطنها أم أنت غير مقيم
فإنّا غدا تحدى بنا العيس بالضّحىوأنت بما نلقاه غير عليم
فقطّع قلبي قولها ثمّ أسبلتمحاجر عيني دمعها بسجوم

فجعل أبو السائب يتأفف: أعتق ما يملك إن لم تكن فردوسية الطينة، وأنّها بعملها أفضل من آسية امرأة فرعون.

- ويروى أنّ أبا دهبل الجمحيّ قال: كنت وأبو السائب المخزومي عند مغنّية بالمدينة يقال لها الذّلفاء، فغنّتنا بشعر جميل بن معمر:

لهنّ الوجا لم كنّ عونا على النّوىولا زال منها ظالع وحسير
كأني سقيت السّمّ يوم تحمّلواوجدّ بهم حاد وحان مسير

فقال أبو السائب: يا أبا دهبل، نحن والله على خطر من هذا الغناء، فنسأل الله السلامة، وأن يكفينا كلّ محذور فما آمن أن يهجم بي على أمر يهتكني، قال:

وجعل يبكي.

- قال إسحاق بن يحيى بن طلحة: قدم جرير بن الخطفى المدينة ونحن يومئذ شبّان، فطلب الشعراء فاحتشدنا له ومعنا أشعب، فبينا نحن عنده إذ قام لحاجة وأقمنا لم نبرح، ويجيء الأحوص بن محمد الشاعر من قباء على حمار، فقال: أين هذا؟ قلنا: قد قام لحاجة فما حاجتك إليه؟ قال: أريد والله أن

أعلمه أنّ الفرزدق أشرف منه وأشعر، قلنا له: ويحك، لا تعرض له فانصرف.

وخرج جرير، فلم يك بأسرع من أن أقبل الأحوص، فوقف عليه فقال: السلام عليك، فقال جرير: وعليك السلام، فقال: يا ابن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر، قال جرير: من هذا أخزاه الله! قلنا: الأحوص بن محمد بن عبد الله ابن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فقال: نعم، هذا الخبيث ابن الطيّب، أنت القائل:

يقرّ بعيني ما يقرّ بعينهاوأحسن شيء ما به العين قرّت
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يقر بعيني ما يقر بعينها»

فقال: نعم، قال: فإنّه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقرّ ذاك بعينك؟ وكان الأحوص يرمى بالحلاق، فانصرف فبعث إليه بتمر وفاكهة.

وأقبلنا على جرير نسأله وأشعب عند الباب وجرير في مؤخّر البيت، فألحّ عليه أشعب يسأله، فقال: والله إني لأراك أقبحهم وجها، وأراك ألأمهم حسبا، قد أبرمتني منذ اليوم، فقال: إني والله أنفعهم وخيرهم لك، فاتبه جرير وقال:

ويحك، وكيف ذاك؟ قال: إني أملّح شعرك وأجيد مقاطعه ومبادئه، قال: قل، ويحك! فاندفع أشعب فتغنّى بلحن لابن سريج في شعره:

يا أخت ناجية السلام عليكمقبل الرحيل وقبل لوم العذّل
للشاعر كشاجم، من قصيدة «حي الربيع تحية المستقبل»
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكميوم الرحيل فعلت ما لم يفعل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

فطرب جرير وجعل يزحف حتى مسّت ركبته ركبته، وقال: لعمري لقد صدقت، إنّك لأنفعهم لي، وقد حسّنته [وأجدته] وزيّنته، أحسنت والله! ووصله وكساه. فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت قال له بعض أهل المجلس: فكيف لو سمعت واضع هذا الغناء؟ قال: وإنّ له لواضعا غير هذا؟ قلنا:

نعم، قال: وأين هو؟ قلنا: بمكّة، قال: فلست بمفارق حجازكم حتى أبلغه.

فمضى ومضى معه جماعة ممّن يرغب في طلب الشّعر في صحابته وكنت فيهم.

فقدمنا مكّة فأتيناه بأجمعنا فإذا هو في فتية من قريش كأنّهم المها مع ظرف كثير،

فرحّبوا وأذنوا وسألوا عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر، فرحّبوا بجرير وأدنوه وسرّوا بمكانه، وأعظم عبيد بن سريج موضع جرير وقال: سل ما تريد جعلت فداك، قال: أريد أن تغنّيني لحنا سمعته بالمدينة أزعجني إليك، قال: وما هو؟ قال:

يا أخت ناجية السلام عليكم

فغنّاه ابن سريج وبيده قضيب يوقّع به وينكت، فوالله ما سمعنا شيئا قطّ أحسن من ذلك، فقال جرير: لله درّكم يا أهل مكّة، ماذا أعطيتم! والله لو أنّ نازعا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم يسمع هذا صباح مساء لكان أعظم الناس حظّا ونصيبا، ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقّة ألسنتكم، وحسن شارتكم، وكثرة فوائدكم.

- روي أنّ ابن عائشة كان واقفا بالموسم متحيّرا، فمرّ به بعض أصحابه، فقال له: ما يقيمك ههنا؟ قال: إني أعرف رجلالو تكلّم لحبس الناس ههنا؛ فلم يذهب أحد ولم يجىء، فقال له الرجل: ومن ذاك؟ قال: أنا، ثم اندفع يغنّي:

جرت سنحا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللقاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
بنفسي من تذكّره سقامأعانيه ومطلبه عناء

البيت الأول لزهير، والثاني ألحقه به المغنّون. فحبس الناس فاضطربت المحامل، ومدّت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام بن عبد الملك فقال له: يا عدوّ الله، أردت أن تفتن الناس؟ قال: فأمسك عنه وكان تيّاها، فقال له هشام: ارفق بتيهك، فقال: حقّ لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تيّاها. فضحك منه وخلّى سبيله.

والموصوفون بحسن الصوت من المغنّين: ابن سريج وقد مرّ بعض أخباره الدالة على ذلك، وابن عائشة وهذا الخبر كاف في ما ذكر عنه، وعمرو بن أبي الكنّات، وابن تيزن، وإسماعيل بن جامع، ومخارق، وابراهيم بن المهديّ.

- فأما عمرو بن أبي الكنّات، فإن عليّ بن الجهم حدّث عمّن يثق به قال: واقفت ابن أبي الكنّات على جسر بغداد أيام الرشيد، فحدّثته بحديث اتّصل بي عن ابن عائشة أنّه فعله أيام هشام، وأنّه حبس الناس بغنائه، واضطربت المحامل ومدّت الإبل أعناقها حتى كادت الفتنة أن تقع. قال: فبرق ابن أبي الكنّات وقال: فأنا أفعل كما فعل، وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت، ثم اندفع يغنّي:

عفت الدار بالهضاب اللواتيبين ثور فملتقى عرفات

ونحن على جسر بغداد. وكان إذ ذاك على دجلة ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الطرق، وامتلأت الجسور بالناس، وازدحموا عليها، واضطربت حتى خيف عليها أن تنقطع لثقل ما عليها من الناس. فقبض عليه وحمل إلى الرشيد فقال له:

ويلك! أردت أن تفتن الناس؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنه بلغني أنّ ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأحببت أن يكون في أيامك مثله. فأعجبه ذلك من قوله وأمر له بمال، وأمره أن يغنّي، فسمع شيئا لم يسمع مثله، فاحتبسه عنده شهرا.

قال هذا المخبر: وكان ابن أبي الكنّات كثير الغشيان لي، فلما أبطأ توهّمته قد قتل، فصار إليّ بعد شهر بأموال جسيمة، وحدّثني ما جرى بينه وبين الرشيد.

- وأما ابن جامع فغنّى ذات يوم صوتا يرثي به أمّه، وكان أحسن الناس صوتا إذا حزن، فلم يملك الحاضرون أنفسهم، وضرب الغلمان برؤوسهم الحيطان والأساطين. وأخباره دالّة بأنّه كان إذا عارض المغنّين بذّهم بصوته في مجلس الرشيد، وكان في وقته فحولهم وذوو النباهة منهم مثل إبراهيم، وحكم الوادي وأمثالهما.

- وأما ابراهيم بن المهديّ فكان إذا غنّى أنصت له الوحش وجاء حتى يقف قريبا من المجلس الذي يكون فيه حتى ينقضي غناؤه، فإذا سكت عاد الوحش إلى أماكنه من البستان أو الحائر الذي يكون فيه.

ويقال: إنّه كان إذا تنحنح أطرب، وكان يخاطب وكيله من روشنة على دجلة فيسمعه من الجانب الآخر من غير أن يجهد نفسه.

»

- وأما مخارق فروي أنّه خرج إلى بعض المتنزّهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع أحد من خرج معه، فسأله إيّاها فضنّ بها، وسنحت ظباء بالقرب منه، فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنّيت صوتا يعطف عليك خدود هذه الظباء أتدفع إليّ هذه القوس؟ قال: نعم، فاندفع يغنّي:

ماذا تقول الظّباءأفرقة أم لقاء
أم عهدها بسليمىوفي البيان شفاء
مرّت بنا سانحاتوقد دنا الإمساء
فما أحارت جواباوطال فيها العناء

فعطفت الظّباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه مصغية إلى صوته، فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها، وناوله الرجل القوس.

- غضب المعتصم على مخارق، فأمر أن يجعل في المؤذّنين، فأمهل حتى علم أنّ المعتصم يشرب وأذّنت العصر، فدخل إلى السّتر حيث [يقف] المؤذّن للسلام، ثم رفع صوته وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فبكى حتى جرت دموعه وبكى كلّ من حضر، ثم قال: أدخلوه إليّ، وأقبل على الحاضرين وقال: سمعتم هكذا قطّ؟ هذا الشيطان لا يترك أحدا يغضب عليه! ورضي عنه وغنّاه، وأعاده إلى مرتبته.

- يروى أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال في بعض أسفاره لرباح ابن المعترف: غنّ، فغنّاه:

أتعرف رسما كاطّراد المذاهبلعمرة قفرا غير موقف راكب

فأصغى إليه عمر فقال: أجدت بارك الله عليك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلت: «زه» كان أعجب إليّ؛ قال: وما «زه» ؟ قال: كلمة كان كسرى إذا قالها أعطى من قالها أربعة آلاف درهم. قال: إن شئت أن أقولها لك فعلت، فأمّا إعطاء أربعة آلاف درهم فلا يجوز لي من مال المسلمين، قال: فبعضها من مالك، فأعطاه أربعمائة درهم، فقال يرفأ: أتصل المغنّي؟ قال:

خدعني.

- قيل لإسحاق الموصلي: كيف كانت حال بني مروان في اللهو؟

قال: أما معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان فكانت بينهم وبين النّدماء والمغنين ستارة لئلّا يظهر منهم طلب الخلفاء اللذّة والغناء، وأما أعقابهم فكانوا لا يتحاشون، ولم يكن منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك في السّخف.

قيل: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: ما أظنّ [أنه] سمع حرفا قطّ من الأغاني بعد ما أفضت إليه الخلافة، وقبلها كان يسمع جواريه خاصّة. قيل: فيزيد الناقص؟

قال: ما بلغني أنّه سمع الغناء قطّ؛ كان يظهر التألّه، وهو يقول بالقدر.

عن حذيفة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم: «يجيء قوم من بعدي يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنّوح لا يجاوز حناجرهم. مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم».

وسئل الفضيل ﵀ عن قراءة القرآن بألحان، فقال: إنّما أخذ هذا من الغناء قوم اشتهوا الغناء فاستحبّوا فحوّلوا نصب الغناء على القرآن، وعسى أن يقرأ رجل [ليس] له صوت فلا يعجبهم وهو خير من صاحب الصوت؛ ويقرأ الآخر فيعجبهم صوته فيقولون: ما أحسن قرآنه! ولعله لا يجاوز قرآنه حنجرته.

- وقال رجل للحسن: ما تقول في الغناء؟ فقال: نعم الشيء الغنى! توصل به الرّحم، وينفّس به عن المكروب، ويفعل فيه المعروف، قال: إنّما أعني الشّدو، قال: وما الشّدو؟ أتعرف منه شيئا؟ قال: نعم، قال: فما هو؟

فاندفع الرجل يغنّي ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه، فقال: ما كنت أرى أنّ عاقلا يبلغ من نفسه ما أرى.

- وقال نافع: سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ فقال: لا، فرفع أصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبيّ ﷺ وعلى آله وصحبه فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا.

قال الأصمعيّ: قلت لأعرابيّ: ألك شعر؟ قال: قلت أبياتا، فتغنّى بها حكم الوادي فما حرّك بها قصّابة إلا خفت النار، فأبغضت قول الشّعر.

أ-[قال عبد الرحمن بن عوف]: أتيت باب عمر ﵁ فسمعته يغنّي بالرّكبانيّة:

فكيف ثوائي بالمدينة بعدماقضى وطرا منها جميل بن معمر

هو جميل الجمحيّ وكان مختصّا به. فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم، قال: إنّا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.

وعن عبد الله بن عوف: قال أفلاطن: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة؛ فإن النّفس إذا حزنت خمد نورها، وإذا سمعت ما يطربها ويسرّها اشتعل منها ما خمد.

وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلّل به المريض، وتشغله عن التفكّر.

قال سلام الخالدي ﵀ للمنصور- وكان يضرب بحدائه المثل: مر يا أمير المؤمنين أن يظمئوا الإبل ثم يوردوها الماء، فإنّي آخذ في الحداء فترفع رؤوسها وتترك الشّرب حتى أسكت.

وأذّن البعلبكيّ مؤذّن المنصور فرجّع وجارية تصبّ الماء على يديه، فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها، فقال للمؤذّن: خذ هذه الجارية فهي لك، ولا ترجّع هذا الترجيع.

- روي أنّ بعض المحدّثين سمع غناء بخراسان، فلم يدر ما هو، غير أنّه شوّقه وأشجاه بحسنه فقال في ذلك:

حمدتك ليلة شرفت وطابتأقام سهادها ومضى كراها
سمعت بها غناء كان أولىبأن يعتاد نفسي من عناها
ومسمعة يحار السمع فيهاولم تصممه، لا يصمم صداها
ولم أفهم معانيها ولكنورت كبدي فلم أجهل شجاها
فكنت كأنّني أعمى معنّىبحبّ الغانيات ولا يراها

قال أبو عثمان الناجم: بحوحة الحلق الطيّب تشبه مرض الأجفان الفاترة.

- وقال مالك بن أبي السّمح: سألت ابن سريج عن قول الناس: فلان يصيب وفلان يخطىء، وفلان يحسن وفلان يسيء، فقال: المصيب المحسن من المغنّين هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدّل الأوزان، ويفخّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النّغم الطّوال، ويحسّن مقاطع النّغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواضع النّبرات، ويستوفي ما يشاكلها من النّقرات. فعرضت ما قال على معبد فقال: لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا.

وقال إبراهيم الموصلي: الغناء على ثلاثة أضرب: فضرب مله مطرب يحرّك ويسخف وضرب ثان له شجى ورقّة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة. وقال: كان هذا كلّه مجموعا في غناء ابن سريج.

- قال عكاشة العميّ:

من كفّ جارية كأنّ بنانهامن فضّة قد طرّفت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا نطقت بهاتلقي على يدها اليسار حسابا

- وقال ابن الروميّ وذكر مغنّيات:

وقيان كأنّها أمّهاتعاطفات على بنيها حواني
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يمن الله طلعة المهرجان»
مطفلات وما حملن جنينامرضعات ولسن ذات لبان
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يمن الله طلعة المهرجان»
كلّ طفل يدعى بأسماء شتّىبين عود ومزهر وكران
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يمن الله طلعة المهرجان»
أمّه دهرها تترجم عنهوهو بادي الغنى عن التّرجمان
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يمن الله طلعة المهرجان»

- وقال أيضا:

كأنّما رقّة مسموعهارقّة شكوى سبقت دمعه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بدعة عندي كاسمها بدعه»

- وقال:

غنّيت فلم تحتج إلى زامرهل تحوج الشمس إلى شمعه
كأنّما غنّت لشمس الضّحىفألبستها حسنها خلعه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بدعة عندي كاسمها بدعه»

وقال ابن كشاجم:

تأتي أغاني عاتبأبدا بأفراح النّفوس
تشدو فنرقص بالرؤوس لها ونزمر بالكؤوس
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

لقد جاد من عاتب ضربهاوزاد كما زاد تغريدها
إذا نوت الصوت قبل الغناء أنشدنا شعرها عودها
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

ما صدحت عاتب ومزهرهاإلا وثقنا باللهو والفرح
لها غناء كالبرء في جسدأضناه طول السّقام والتّرح
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
تعيدها الراح فهي ما صدحتإبريقنا ساجد على القدح

وقال:

ما تغنّت إلا تكشّف همّعن فؤاد [مبرّح] أحزان
تفضل المسمعين طيبا وحسنامثلما يفضل السماع العيان

وقال:

شدو ألذّ من ابتداء العين في إغفائها
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة
أحلى وأشهى من منىنفس وصدق رجائها
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

- وقال ابن المعتزّ يصف مجلسا وذكر الغناء في الجملة:

ونداماي في شباب وعيشأتلفت وفرهم نفوس كرام
بين أقداحهم حديث قصيرهو سحر وما سواه كلام
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أخذت من شبابي الأيام»
وغناء يستعجل الراح بالراح كما ناح في الغصون الحمام
وكأنّ السّقاة بين الندامىألفات على سطور قيام
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أخذت من شبابي الأيام»

وكتب يحيى بن عليّ إلى ابن المعتزّ:

سيّدي إنّ عندنا زرياباملأتنا رواية وصوابا
للشاعر يحيى بن علي المنجم، اقرأ القصيدة
أخلقت سنّها، وإحسانها في السمع يزداد جدّة وشبابا

وقال أبو الجهم الكاتب في بنات جارية محمد بن حمّاد:

أقفر إلا من بنات منزلهودرست آياته وطلله
للشاعر أبو الجهم، اقرأ القصيدة
قد بان منها كلّ شيء حسنإلا الغناء نصبه ورمله
للشاعر أبو الجهم، اقرأ القصيدة

وقال آخر في مغنّ:

فوجهك نزهة الأبصار حسناوصوتك متعة الأسماع طيبا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
رنا ظبيا وغنّى عندليباولاح شقائقا ومشى قضيبا

- قال علي بن عبد الكريم: زار إسماعيل بن جامع إبراهيم الموصليّ، فأخرج إليه ثلاثين جارية فضربن جميعا طريقة واحدة وغنّين، فقال ابن جامع:

في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة، شدّي مثنّاك، فشدّته فاستوى. فعجبت أوّلا من فطنة ابن جامع لوتر في مائة وعشرين وترا غير مستو، ثم ازداد عجبي من فطنة إبراهيم له بعينه.

- وحكي مثل ذلك عن إسحاق بن إبراهيم: قال إسحاق: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهديّ، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن يساره، ومعهنّ العيدان يضربن بها: فلمّا دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ فقال لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ قال: لا، فأعاد عليّ السّؤال فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنّه لفي الجانب الأيسر، فأعار إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللواتي عن اليمين يمسكن [فأمرهن فأمسكن؛ فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمّع ثم قال: ما ههنا خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن] وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ههنا خطأ. فقال عند

ذلك: يا إبراهيم، لا تمار إسحاق بعدها؛ فإنّ رجلا فهم الخطأ من ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير أن لا تماريه. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، وقال المأمون: لله درّك يا أبا محمد. وكنّاني في ذلك اليوم دفعتين.

أ- وكانت لإسحاق نظائر لهذا تنبىء عن حذقه وعلمه بهذا الشّأن وتبريزه على غيره. حدّث إسحاق بن إبراهيم الظاهريّ قال: حدّثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولاي الذي علّمني الغناء فرّاش روميّ، وكان يغنّي بالرومية صوتا مليح اللّحن، فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الروميّ فانقليه إلى شعر صوت من أصواتك العربيّة حتى أمتحن به الموصليّ إسحاق فأعلم أين تقع معرفته، ففعلت ذاك.

وصار إليه إسحاق فاحتسبه مولاي فأقام، وبعث إليّ أن أدخلي اللّحن الروميّ في وسط غنائك؛ فغنّيته إيّاه في درج أصوات مرّت قبله، فأصغى إليه إسحاق وجعل يتفهّمه ويقسّمه ويتفقّد أوزانه ومقاطعه ويوقّع بيده، ثم أقبل على مولاي وقال: هذا الصوت روميّ اللحن، فمن أين وقع لك؟ وكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أعجب من استخراجه لحنا روميّا لا يعرفه ولا العلّة فيه وقد نقل إلى غناء عربيّ وامتزجت نغمته حتى عرفه ولم يخف عليه.

- وروي أنّ المغنّين تناظروا يوما عند الواثق فذكروا الضّرّاب وحذقهم، فقدّم إسحاق زلزلا على ملاحظ، ولملاحظ في ذلك الرئاسة على جميعهم. فقال له الواثق: هذا حيف وتعد منك. فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإنّ الأمر سينكشف لك فيهما. فأمر

بهما فأحضرا، فقال إسحاق: إنّ للضّرّاب أصواتا معروفة فأمتحنهما بشيء منها؟ قال: أجل افعل، فسمّى ثلاثة أصوات كان أوّلها، والشعر والغناء لإبراهيم:

علّق قلبي ظبية السّيبجهلا فقد أغري بتعذيبي
نمّت عليها حين مرّت بنامجاسد ينفحن بالطّيب
تصدّها عنّا عجوز لهامنكرة ذات أعاجيب
فكلّما همّت بإتيانناقالت توقّي عدوة الذيب

فضربا عليه [فتقدّم] زلزل وقصّر ملاحظ. فعجب الواثق من كشفه عمّا ادّعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ: فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه لم يكن في زماني أحد أضرب مني، إلا أنّكم أعفيتموني، فتفلّت مني، وعلى أنّ معي بقيّة لا يتعلّق بها أحد من هذه الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ، شوّش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ.

فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، هذا يخلط الأوتار خلط متعنّت، فهو لا يألو ما أفسدها. ثمّ أخذ العود فجسّه ساعة حتى عرف مواقعه، وقال لملاحظ: غنّ أيّ صوت شئت. فغنّى ملاحظ صوتا وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التّسوية، فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين. فقال له الواثق: لا والله، ما رأيت مثلك ولا سمعت به قطّ! اطرح هذا على الجواري، فقال: هيهات يا أمير المؤمنين! هذا شيء لا يفي به الجواري ولا يصلح لهنّ، إنّما بلغني أنّ الفلهيذ ضرب يوما بين يدي كسرى أبرويز، فأحسن فحسده رجل من حذّاق أهل صناعته، فترقّبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوّش بعض أوتاره، فرجع

وضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح العيدان في مجالسها، فلم يزل يضرب بذلك العود إلى أن فرغ، ثم قام على رجليه فأخبر الملك بالقصّة فامتحن العود فعرف ما فيه، فقال له: «زه وزهان زه» ووصله بالصلة التي كان يصل بها من يخاطبه بهذه المخاطبة، فلما تواطأت الروايات بذلك، أخذت به نفسي ورضتها عليه وقلت: لا ينبغي أن يكون الفلهيذ أقوى على هذا منّي، فما زلت أستنبطه بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطباق إلا وأنا أعرف نغمته كيف هي والمواضع التي تخرج النغمة كلّها من أعاليها إلى أسافلها، وكل شيء منها يجانس شيئا غيره، كما أعرف ذلك في مواضع الدّساتين، وهذا شيء لا يفي به الجواري. فقال له الواثق: لعمري لقد صدقت، ولئن متّ لتموتنّ هذه الصناعة معك. وأمر له بثلاثين ألف درهم.

- قال أحمد بن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غنّاني إسحاق قط إلا ظننت أنّه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغنّي غناء ابن سريج قط [إلا ظننت أنّه] قد نشر؛ وإنّه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدّمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت من تقدّم ينقص، وإنّ إسحاق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو أنّ العمر والشباب والنّشاط ممّا يشترى لا شتريتهنّ له بشطر ملكي.

- قال دحمان الأشقر: كتب عامل لعبد الملك بن مروان بمكّة إليه أنّ رجلا أسود يقال له سعيد بن مسجح قد أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم، فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيّره إليّ. فتوجّه ابن مسجح إلى الشام، فصحبه رجل له جوار مغنّيات في طريقه، فقال له: أين تريد؟ فأخبره خبره وقال له: أريد الشام، قال له: فتكون معي؟ قال: نعم. فصحبه ثم بلغا دمشق

فدخلا مسجدها فسألا: من أخصّ الناس بأمير المؤمنين؟ فقالوا: هؤلاء النفر من قريش وبنو عمّه. فوقف ابن مسجح عليهم، فسلّم ثمّ قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها: «برق الأفق». فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمّم فقال له: أنا أضيفك؛ فقال لأصحابه: انطلقوا أنتم، وأنا أذهب مع ضيفي. فقالوا: لا، بل تجيء معنا أنت وضيفك. فذهبوا جميعا إلى بيت القينة. فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد: إني رجل أسود، ولعلّ فيكم من يقذرني، فأنا أجلس وآكل ناحية، وقام، فاستحيوا منه، وبعثوا إليه بما أكل.

فلما صاروا إلى الشّراب قال لهم مثل ذلك، ففعلوا به، وأخرجوا جاريتين فجلستا على سرير قد وضع لهما تغنّيان، فغنّتا إلى العشاء، ثم دخلتا، وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها، فجلستا أسفل السرير وجلست هي على السرير، قال ابن مسجح: فتمثّلت بهذا البيت:

فقلت أشمس أم مصابيح بيعةبدت لك خلف السّجف أم أنت حالم

فغضبت الجارية وقالت: أيضرب مثل هذا الأسود بي الأمثال! فنظروا إليّ نظرا منكرا، ولم يزالوا يسكّنونها، ثم غنّت صوتا. قال ابن مسجح: فقلت أحسنت والله! فغضب مولاها وقال: أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتي! فقال لي الرجل الذي أنزلني عنده: قم فانصرف إلى منزلي، فقد ثقلت على القوم، فذهبت أقوم، فتذمّم القوم وقالوا لي: أقم وأحسن أدبك. فأقمت، وغنّت فقلت: أخطأت والله يا جارية يا زانية وأسأت، واندفعت فغنّيت الصوت، فوثبت الجارية وقالت لمولاها: هذا أبو عثمان سعيد بن مسجح؛ فقلت: أي والله أنا هو، والله لا أقيم عندكم! ووثبت، فوثب القرشيّون، فكلّ قال: هذا يكون عندي، فقلت: والله لا أقيم إلا عند سيّدكم- يعني الرجل الذي أنزله منهم- وسألوه عمّا أقدمه، فأخبرهم الخبر. فقال له صاحبه: إني أسمر الليلة مع

أمير المؤمنين، فهل تحسن أن تحدو؟ فقال: لا، ولكني أستعمل حداء. قال:

فإنّ منزلي بحذاء منزل أمير المؤمنين، فإذا وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك.

ومضى إلى عبد الملك، فلما رآه طيّب النّفس أرسل إلى ابن مسجح، فأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا:

إنك يا عبد المليك المفضلإن زلزل الأقدام لم تزلزل
عن دين موسى والكتاب المنزلتقيم أصداغ القرون الميّل

للحقّ حتى ينتحوا للأعدل

قال عبد الملك للقرشيّ: من هذا؟ قال: رجل حجازيّ قدم عليّ، قال:

أحضره، فأحضره ثم قال له: أحد مجدّا، ثم قال له: هل تغنّي غناء الركبان؟ قال: نعم؛ قال: غنّه، فتغنّى، قال له: فهل تغنّي الغناء المتقن؟ قال:

نعم، قال: غنّه، فغنّى، فاهتزّ عبد الملك طربا، ثم قال له: أقسم أنّ لك في القوم أسماء كثيرة، من أنت، ويلك!؟ قال: أنا المظلوم المقبوض ماله المسيّر عن وطنه سعيد بن مسحج، قبض عامل الحجاز مالي ونفاني. فتبسّم عبد الملك ثم قال: قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم، وأمّنه ووصله، فكتب إلى عامله يردد ماله وأن لا يعرض له بسوء.

روي أنّ سليمان بن عبد الملك كان في بادية له يسمر ليلة على ظهر سطح، ثم تفرّق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءته جارية له به، فبينا هي تصبّ على يده إذ أومى بيده وأشار بها مرّتين أو ثلاثا فلم تصبّ عليه، فأنكر ذلك فرفع رأسه فإذا هي مصغية بسمعها إلى ناحية العسكر، وإذا صوت رجل يغنّي، فأنصت حتى تسمّع جميع ما يغنّى به، فلما أصبح أذن للناس ثم أجرى ذكر الغناء حتى ظنّ القوم أنّه يشتهيه ويريده، فأفاضوا فيه بالتسهيل وذكر من كان يسمعه. فقال رجل من القوم: عندي يا أمير المؤمنين رجلان من أهل أيلة مجيدان

محكمان، قال: وأين منزلك؟ فأومأ إلى الناحية التي كان منها الغناء قال: فابعث إليهما فجئني بهما، ففعل. فوجد الرسول أحدهما فأدخله على سليمان، فقال له:

ما اسمك؟ قال: شمير، فسأله عن الغناء، فاعترف به. فقال له: متى عهدك به؟

قال: الليلة الماضية، قال: وأين كنت؟ فأشار إلى الناحية التي سمع سليمان منها الغناء. قال: فما غنّيت به؟ فأخبره بالشعر الذي سمعه منه سليمان. فأقبل على القوم فقال: هدر الجمل فضبعت الناقة، ونبّ التّيس فشكرت الشاة، وهدر الطائر فزافت الحمامة، وغنّى الرجل فطربت المرأة، ثم أمر به فخصي.

وسأل عن الغناء، وأين أصله؟ فقيل: بالمدينة في المخنّثين، وهم أئمّته والحذّاق به، فكتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم، وكان عامله عليها: أن اخص من قبلك من المغنّين المخنثين، فخصى تسعة، منهم: الدلال، وطريفة، وحبيب، ونومة الضّحى.

- وقد روي في خبر سليمان غير هذا، وأنّه شكّ في الجارية لمّا ألهاها الغناء، وكانت إلى جنبه، وظنّ أنّ بينها وبين المغنّي شيئا، وكان سليمان شديد الغيرة، فكشف عن أمرهما فلم يكن بينهما سبب ولا معرفة، فلم تطب نفسه أن يتركه سويّا فخصاه.

والشعر الذي غنّى فيه:

محجوبة سمعت صوتي فأرّقهامن آخر الليل لمّا طلّها السّحر
تثني على جيدها ثنني معصفرةوالحلي منها على لبّاتها خصر
في ليلة النصف ما يدري مضاجعهاأوجهها عنده أبهى أم القمر؟
لو خلّيت لمشت نحوي على قدميكاد من رقّة للمشي ينفطر

- قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: لم يكن الناس يعلّمون الجارية

الحسناء الغناء، وإنّما كانوا يعلّمونه الصّفر والسود، وأوّل من علّم الجواري المثمّنات الغناء أبي؛ فإنه بلغ بالقيان كلّ مبلغ ورفع من أقدارهنّ.

وفيه يقول أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبيّ، وكان يهوى جارية يقال لها أمان، فأغلى بها مولاها السّوم وجعل يردّدها إلى إبراهيم وإسحاق ابنه، فتأخذ عنهما، وكلّما زادت في الغناء زاد سومه؛ فقال أبو عيينة:

قلت لمّا رأيت مولى أمانقد طغى سومه بها طغيانا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
لا جزى الله الموصليّ أبا إسحاق عنّا خيرا ولا إحسانا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
جاءنا مرسلا بوحي من الشىطان أغلى به علينا القيانا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
من غناء كأنّه سكرات الحبّ يصبي القلوب والآذانا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

- قال إبراهيم بن المهديّ: انصرفت ليلة من الشمّاسيّة، فمررت بدار إبراهيم الموصليّ، وإذا هو في روشن له، وقد صنع لحنه في قوله:

ألا ربّ ندمان عليّ دموعهتفيض على الخدّين سحّا سجومها

فهو يعيده ويلعب به بنغمته ويكررّه ليستوي له، وجواريه يضربن عليه؛ فوقفت تحت الرّوشن حتى أخذته وانصرفت إلى منزلي، فما زلت أعيده حتى بلغت فيه الغاية، وأصبحت فغدوت إلى الشّماسيّة واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغنّاه أوّل شيء غنّى، فلما سمعه الرشيد طرب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال:

لمن هذا يا إبراهيم؟ فقال: لي يا سيّدي صنعته البارحة؛ فقلت: كذب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديم وأنا أغنّيه، فقال لي: غنّه يا حبيبي، فغنّيته كما غنّاه، فبهت إبراهيم وغضب الرشيد وقال له: يا ابن الفاجرة، أتكذبني وتدّعي ما ليس لك!؟ قال: فظلّ إبراهيم بأسوإ حال؛ فلما صلّيت العصر قلت للرشيد:

الصوت- وحياتك- له، وما كذب؛ ولكني مررت به البارحة، وسمعته يكرره

ويردّده على جارية له، ووقفت حتى دار لي واستوى فأخذته منه، فدعا به الرشيد ورضي عنه وأمر له بخمسة آلاف دينار.

- وروي أن الرشيد قال يوما لجعفر بن يحيى: قد طال سماعنا لهذه العصابة على اختلاط الأمر فيها، فهلّمّ أقاسمك إيّاها وأخايرك، فاقتسما المغنّين على أن جعلا بإزاء كلّ رجل نظيره، وكان إسماعيل بن جامع في حيّز الرشيد، وإبراهيم الموصليّ في حيّز جعفر، وحضر الندماء لمحنة المغنّين. وأمر الرشيد ابن جامع بالغناء، فغنّى صوتا أحسن فيه كلّ الإحسان، وأطرب الرشيد كلّ الإطراب. فلما قطعه قال الرشيد لإبراهيم: هات يا إبراهيم هذا الصوت فغنّه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرفه! وظهر الانكسار فيه. فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد. ثم قال لابن جامع: غنّ يا إسماعيل، فغنّى صوتا ثانيا أحسن من الأول وأرضى في كلّ حال. فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم قال: ولا أعرف هذا. قال: هذان اثنان، غنّ يا إسماعيل، فغنّى ثالثا يتقدّم الصوتين الأوّلين ويفضلهما، فلما أتى على آخره قال: هاته يا إبراهيم، قال: لا، ولا أعرف هذا أيضا. فقال له جعفر: أخزيتنا أخزاك الله! قال: وأتمّ ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه الجوائز الكثيرة وخلع عليه خلعا فاخرة. ولم يزل إبراهيم منخزلا منكسرا حتى انصرف، فمضى إلى منزله، فلم يستقرّ فيه حتى بعث إلى محمد المعروف بالزّفّ، وكان محمد من المغّنين المحسنين، وكان أسرع من عرف في أيّامه بأخذ الصوت يريد أخذه، وكان الرشيد وجد عليه في بعض ما يجده الملوك على أمثاله، فألزمه بيته وتناساه. فقال إبراهيم للزّفّ: إني اخترتك عمّن هو أحبّ إليّ منك لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون. قال: أبلغ في ذلك محبّتك إن شاء الله. فأدّى إليه الخبر وقال: أريد أن تمضي من ساعتك إلى ابن جامع فتعلمه أنّك صرت إليه مهنّئا

بما تهيأ له عليّ، وتتنقّصني وتثلبني وتشمتمني وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها ولك كل ما تحبّه من جهتي من عرض من الأعراض مع رضاء الخليفة إن شاء الله.

قال: فمضى من عنده فاستأذن على ابن جامع فأذن له، فدخل عليه وقال:

جئتك مهنّئا بما بلغني من خبرك، والحمد الله الذي أخزى ابن مفاضة على يدك، وكشف الفضل في محلّك من صناعتك. قال: وهل بلغك خبرنا؟ قال: هو أشهر من أن يخفى على مثلي، قال: ويحك! إنّه يقصر عن العيان، قال: أيّها الأستاذ، سرّني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك وأسقط بيني وبينك الأسانيد. قال: أقم عندي حتى أفعل، فقال: السمع والطاعة. فدعا ابن جامع بالطعام فأكلا، ثم دعا بالشراب، ثم ابتدأ وحدّثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الزّفّ: وما هو أيّها الأستاذ؟ فغنّاه ابن جامع إيّاه، فجعل محمد يصفّق وينعر ويشرب وابن جامع مجتهد في شأنه حتى أخذه. ثم سأله عن الصوت الثاني فغنّاه إيّاه، وفعل مثل فعله في الصوت الأول، وكذلك في الصوت الثالث. فلما أخذ الأصوات وأحكمها قال له: يا أستاذ، قد بلغت ما أحبّ، فأذن لي في الانصراف، قال: إذا شئت. فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم، فلما طلع من باب داره قال له: ما وراءك؟ قال: كلّ ما تحبّ، ادع لي بعود. فدعا له به فضرب وغنّاه الأصوات، فقال إبراهيم: هي وأبيك! هي بصورها وأعيانها، ردّدها عليّ، فلم يزل يردّدها حتى صحّت لإبراهيم.

وغدا إبراهيم على كبر سنّه، فلما دعي بالمغنّين دخل فيهم. فلما بصر به قال له: أو قد حضرت! أو ما كان ينبغي لك أن تجلس في منزلك شهرا بسبب ما لقيت من ابن جامع؟ قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداءك؟ والله إن أذنت لي أن أقول لأقولنّ. فقال: وما عساك أن تقول؟ فقال له: ليس لي ولا

لغيري أن يراك نشيطا لشيء فيعارضك فيه، ولا أن تكون متعصّبا لحيّز وجنبة فيغالبك، وإلا فما في الأرض صوت لا أعرفه. قال: دع ذا عنك، قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبها فإن كنت أمسكت بالأمس عنه على معرفة كما تقول، فهاته فليس ههنا عصبيّة ولا تمييز. فاندفع فأمرّ الأصوات كلّها، وابن جامع مصغ يستمع منه حتى أتى على آخرها. فاندفع ابن جامع فحلف بالأيمان المحرجة أنّه ما عرفها قطّ ولا سمعها، وما هي إلا من صنعته، لم تخرج إلى أحد غيره. فقال له: ويحك، فما أحدثت بعدي؟ فقال: ما أحدثت حدثا، فقال: يا إبراهيم، بحياتي اصدقني، قال: وحياتك لأصدقنّك؛ رميته بحجره، وبعثت إليه بمحمّد الزّفّ وضمنت له ضمانات أحدها رضاك عنه، فمضى فاحتال لي عليه حتى أخذها عنه ونقلها إليّ، وقد سقط عني الآن اللوم بإقراره لأنّه ليس عليّ أن أعرف ما صنعه هو ولم يخرجه إلى الناس، وهذا باب من الغيب ولو لزمني أن أروي صنعته للزمه أن يروي صنعتي، ولزم كلّ واحد منّا لسائر طبقته ونظرائه مثل ذلك، فمن قصّر عنه كان مذموما ساقطا. فقال الرشيد له: صدقت يا إبراهيم ونصحت عن نفسك وقمت بحجّتك. ثم أقبل على ابن جامع فقال له: يا إسماعيل، أتيت أتيت! دهيت دهيت! أبطل عليك الموصليّ ما فعلته بالأمس وانتصف منك، ثم دعا بالزّفّ ورضي عنه.

- روي أنّ الرشيد هبّ ليلة من نومه، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض، فركبه وخرج في درّاعة وشي متلثّما بعمامة وشي ملتحفا بإزار وشي، وبين يديه أربعمائة خادم أبيض سوى الفرّاشين. وكان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانه عنده، فلما خرج من باب القصر قال: أين تريد يا أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ قال: منزل الموصليّ. قال مسرور: فمضى ونحن معه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم، فخرج فتلقّاه وقبّل حافر حماره وقال له: يا أمير

المؤمنين، في مثل هذه الساعة تظهر! قال: نعم، شوق [طرق لك] بي، ثم نزل فجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا سيّدي، أتنشط لشيء تأكله؟ قال: نعم، [خاميز ظبي]، فأتي به كأنّما كان معدّا، فأصاب منه شيئا يسيرا، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال له الموصليّ: يا سيّدي، أغنّيك أم تغنّيك إماؤك؟ قال: بل الجواري. فخرج جواري إبراهيم فأخذن صدر المجلس وجانبيه، فقال: أيضربن كلّهنّ أم واحدة واحدة؟ قال: بل تضرب اثنتان اثنتان وتغنّي واحدة. ففعل ذلك حتى مرّ صدر الإيوان وأحد جانبيه، والرشيد لا ينشط لشيء من غنائهنّ إلى أن غنّت صبيّة من حاشية الصفّة:

يا موري الزّند قد أعيت مقادحهاقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قالوا نزعت ولما يعلموا وطري»
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهمإذا نظرت فلم أبصرك في الناس

قال: فطرب لغنائها واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالا، ثم سأل الجارية عن صاحبه فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فأقيمت حتى وقفت بين يديه، فأخبرته بشيء وأسرّته إليه، فدعا بحماره فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم فقال: ما ضرّك ألا تكون خليفة! وكادت نفسه تخرج حتى دعا به وأدناه بعد ذلك. قال: وكان الذي أخبرته به أنّ الصنعة في الصوت لأخته عليّة بنت المهديّ، وكانت الجارية لها وجّهت بها إلى إبراهيم يطارحها.

أ- وكان إبراهيم ممّن حظّ في الغناء ونال به درجة من الغنى علياء، وكسب به ما لم يدركه من تقدّمه ولا من تأخّر عنه. وكان المهديّ قد حبسه وعذّبه في الدخول على ابنيه: موسى وهارون، وحلّفه لمّا أطلقه بالطلاق والعتاق أن لا يدخل عليهما أبدا ولا يغنّيهما. فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر

إبراهيم منه، ولم يظهر له بسبب الأيمان التي أحلقه بها المهدي، فكان منزله يكبس وأهله يروّعون بطلبه حتى أصابوه، فمضوا به إلى موسى، فلما رآه قال:

يا سيّدي، [فارقت] أمّ ولدي أعزّ الخلق عليّ، ثم غنّاه:

يا ابن خير الملوك لا تتركنّيغرضا للعدوّ يرمي حيالي
فلقد في هواك فارقت أهليثمّ عرّضت مهجتي للزّوال
ولقد عفت في هواك حياتيوتغرّبت بين أهلي ومالي

فقال إسحاق ابنه: فموّله والله الهادي وخوّله؛ وبحسبك أنّه أخذ منه في يوم واحد مائة وخمسين ألف دينار، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضّة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.