من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (٢٢)
- قالت قينة يوما لأبي العيناء: وأنت أيضا يا أعمى!؟ فقال لها: ما أستعين على وجهك بشيء أصلح من العمى.
- وقال له مغنّ يوما: هل تذكر سالف معاشرتنا؟ فقال: إذ تغنّينا ونحن نستعفيك؟
- قال بعض أهل الحجاز: التقى قنديل الجصاص وأبو الجديد بشعب الصفراء، فقال قنديل، لأبي الجديد: من أين؟ وإلى أين؟ قال: مررت برقطاء الحبطيّة رائحة تترنّم برمل ابن سريج في شعر ابن عمارة السّلميّ:
سقى مأزمي نجد إلى بئر خالدفوادي نصاع فالقرون إلى عمد
فزففت خلفها زفيف النعامة، فما انجلت غشاوتي إلا وأنا بالمشاش حسير، فأودعتها خافقي وخلّفته لديها، وأقبلت أهوي كالرّخمة بغير قلب. فقال له قنديل: ما دفع أحد من المزدلفة أسعد منك؛ سمعت شعر ابن عمارة، في غناء ابن سريج، من رقطاء الحبطيّة، لقد أوتيت جزءا من النبوّة! وكانت رقطاء هذه من أضرب الناس. فدخل رجل من أهل المدينة منزلها، فغنّته صوتا، فقال له بعض من حضر: هل رأيت وترا أطرب من وتر هذه؟! فطرب المدينيّ وقال عليه العهد إن لم يكن [وترها] من معى بشكست النحويّ، فكيف لا يكون فصيحا؟ وكان بشكست هذا نحويّا بالمدينة، وقيل من الشّراة الخارجين مع أبي حمزة الخارجيّ.
- قال ابن عائشة، قال أشعب: قد قلت لكم، ولكنه لا يغني حذر من قدر: زوّجوا ابن عائشة من ربيحة الشّمّاسية يخرج لكم بينهما مزامير داود، فلم تفعلوا. وجعل يبكي والناس يضحكون منه.
قال بعضهم: شهدت مجلسا فيه قينة تغنّي، فذهبت تتكلّف صيحة شديدة فانقطعت فصاحت من الخجل: اللصوص! فقال لها مخنّث كان في المجلس: والله يا زانية ما سرق من البيت شيء غير حلقك.
قيل لعبادة المخنّث: من يصرف على ابن أبي العلاء؟ قال: ضرسه.
- قال ابن الجصّاص يوما لمغنّية:
خليليّ قوما نصطبح بسماد
فقالت له: إذا عزمت على هذا فاصطبح وحدك.
قال الجمّاز قلت لمغنّ: غنّ، فقال: هذا أمر، قلت: فأحبّ أن تفعل، قال: هذه حاجة، قلت له: لا تفعل، قال: هذه عربدة.
وروي أنّ مدنيّا كان يصلّي منذ طلعت الشّمس إلى أن قارب النهار ينتصف، ومن ورائه رجل يتغنّى، وهما في مسجد رسول الله ﷺ، فإذا رجل من الشّرط قد قبض على الرجل فقال: أترفع عقيرتك بالغناء في مسجد رسول الله ﷺ! فأخذه، فانفتل المدينيّ من صلاته فلم يزل يطلبه حتى استنقذه، ثم أقبل عليه فقال: أتدري لم شفعت فيك؟ فقال: لا، ولكني إخالك رحمتني.
قال: إذن فلا رحمني الله، قال: فأحسبك عرفت قرابة بيننا. قال: إذن قطعها
الله. قال: فليد تقدّمت منّي إليك، قال: لا والله ولا عرفتك قبلها. قال:
فخبّرني، قال: لأني سمعتك غنّيت آنفا فأقمت واوات معبد، أما والله لو أسأت التأدية لكنت أحد الأعوان عليك.
- رأى ابن أبي عتيق حلق ابن عائشة مخدّشا فقال: من فعل هذا بك؟
قال: فلان. فمضى فنزع ثيابه وجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلبيبه وجعل يضربه ضربا شديدا والرجل يقول: ما لك تضربني! أيّ شيء صنعت! وهو لا يجيبه حتى بلغ منه ثم خلاه، وأقبل على من حضر فقال: هذا أراد أن يكسر مزامير آل داود؛ شدّ على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه.
- قيل: خرج ابن عائشة من عند الوليد بن يزيد وقد غنّاه في شعر النابغة:
أبعدك معقلا أبغي وحصناقد اعيتني المعاقل والحصون
فأطربه فأمر له بثلاثين ألف درهم [وبمثل] كارة القصّار ثيابا. فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء ويشرب النّبيذ، فدنا من غلامه وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغنّي، فدنا منه فقال: جعلت فداءك، أنت ابن عائشة أمّ المؤمنين؟ قال: لا أنا مولى لقريش وعائشة أمّي، وحسبك هذا ولا عليك أن تكثر. قال: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة؟ قال: غنّيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وبهذه الكسوة. فقال: جعلت فداك! فهل تمنّ عليّ بأن تسمعني ما أسمعته إيّاه؟ فقال: ويلك! أمثلي يكلّم بهذا في الطريق! قال:
فما أصنع؟ قال: الحقني بالباب. وحرّك ابن عائشة ببغلة سفواء كانت تحته
لينقطع عنه، فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان، ودخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى أعياه، فقال لغلامه:
أدخله، فقال له: ويحك! من أين صبّك الله عليّ! قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء. فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال:
وما ذلك؟ قال: مائتا دينار، وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك. فقال له:
جعلت فداك! والله إن لي لبنيّة ما في أذنيها- علم الله- حلقة من الورق فضلا عن الذهب، وإنّ لي زوجة ما عليها- شهد الله- قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلّة والفقر اللّذين عرّفتكهما وأضعفت لي ذلك لكان الصوت أحبّ إليّ. وكان ابن عائشة من تيهه لا يغنّي إلا لخليفة أو ذي قدر جليل، فتعجّب ابن عائشة منه ورحمه، ودعا بالدواة وجعل يغنّي مرتجلا، فغنّاه الصوت فطرب له طربا شديدا وجعل يحرّك رأسه حتى ظنّ أنّ عنقه سينقصف، ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا. وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل ابن عائشة عنه فجعل يغيب عن الحديث، ثم جدّ به الوليد فصدقه عنه.
فأمر بطلب الرجل، فطلب حتى أحضر ووصله صلة سنيّة وجعله في ندمائه وو كّله بالسّقي فلم يزل معه حتى قتل.
- غنّى علّويه يوما بحضرة إبراهيم الموصليّ:
عمّيت أمري على أهلي فنمّ به
فقال: هذا الصوت معرق في العمى؛ الشعر لبشّار الأعمى، والغناء لأبي زكار الأعمى، وأوّل الصوت: عمّيت أمري.
- قال معبد: أرسل إليّ الوليد فأشخصت إليه، فبينا أنا ذات يوم في بعض حمّامات الشام إذ دخل عليّ رجل له هيبة ومعه غلمان، فاطّلى [واشتغل]
به صاحب الحمّام عن سائر الناس، فقلت: والله لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكوننّ بمزجر الكلب. فاستدبرته بحيث يراني ويسمع مني ثم ترنّمت، فالتفت إليّ وقال للغلمان: قدّموا إليه جميع ما ههنا. فصار جميع ما كان بين يديه عندي، ثم سألني أن أصير معه إلى منزله، فلم يدع شيئا من البرّ والإكرام إلا فعله. ثم وضع النبيذ، فجعلت لا آتي بحسن إلا خرجت إلى أحسن منه ولا يرتاح ولا يحفل لما يرى. فلما طال عليه أمري قال: يا غلام، شيخنا شيخنا، فأتي بشيخ فلما رآه هشّ إليه، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغنّي:
سلّور في القدر ويحي علوهجاء القطّ أكله ويحي علوه
السّلور: السمك الجري بلغة أهل الشام. قال: فجعل صاحب المنزل يصفّق ويضرب برجله طربا وسرورا، ثم غنّاه:
وترميني حبيبة بالدّراقنوتحسبني حبيبة لا أراها
الدّراقن: الخوخ بلغة أهل الشام. قال: فكاد أن يخرج من جلده طربا. قال:
وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي، فما رأيت مثل ذلك اليوم قطّ غناء أضيع ولا شيخا أجهل! - قال خالد بن كلثوم: كنت مع زبراء بالمدينة وهو وال عليها، وهو من بني هاشم أحد بني ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا وحبس منهم عطرّد وهو مولى بني عمرو بن عوف من الأنصار، وكان مع الغناء قارئا مقبول الشهادة. فحضر جماعة من أهل المدينة عنده فتشفّعوا لعطرّد وأنّه من أهل الهيئة والمروءة والدّين، فدعا به وخلّى سبيله، وخرج وإذا هو بالمغنّين قد أخرجوا ليعرضوا، فعاد إليه عطرّد فقال: أصلح الله الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء؟ قال: نعم، قال: فلا تظلمهم، فو الله ما أحسنوا منه شيئا
قطّ! فضحك وخلّى عنهم.
- قال أشعب: دعي بالمغنّين للوليد بن يزيد، وكنت نازلا معهم فقلت للرسول: خذني فيهم، قال: لم أومر بذلك، إنّما أمرت بإحضار المغنّين وأنت بطّال لا تدخل في جملتهم. فقلت له: أنا والله أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنّيت، فقال: لقد سمعت حسنا ولكني أخاف. قلت: لا خوف عليك، ولك مع هذا شرط، قال: وما هو؟ قلت: كلّ ما أصيبه فلك شطره. فقال للجماعة: اشهدوا لي عليه، فشهدوا ومضينا فدخلنا على الوليد وهو لقس النّفس، فغنّاه المغنّون في كلّ فنّ من ثقيل وخفيف، فلم يتحرّك ولا نشط، فقام الأبجر المغنّي إلى الخلاء وكان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره ولأي شيء هو خاثر، فقال له: بينه وبين امرأته شر لأنّه عشق أختها، فغضبت عليه وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف أن لا يذكرها أبدا بمراسلة ولا مخاطبة وخرج على هذه الحال من عندها. وعاد الأبجر وجلس فما استقرّ به المجلس حتى اندفع يغنّي:
فبيني فإني لا أبالي وأيقنيأصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا
ألم تعلمي أني عزوف عن الهوىإذا صاحبي من غير شيء تغضّبا
فطرب الوليد وارتاح وقال: أصبت والله يا عبيد ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر. قال أشعب: فلما أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة سوط بحضرتك الساعة! فضحك ثم قال: قبّحك الله! وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصّتي مع الرسول وقلت له: إنّه بدأني من المكروه أول يومه ما اتّصل إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدي مثلها.
فقال: لطفت، بل أعطوه مائة دينار وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب. فقبضتها وقمنا، وما حظي بشيء غيري وغير الأبجر.
- قال يزيد بن عبد الملك لحبابة: هل رأيت قطّ أطرب منّي؟ قالت:
نعم، مولاي الذي باعني. فغاظه ذلك، فكتب في حمله مقيّدا، فلما عرف خبر وصوله أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيوده، فأمرها أن تغنّي، فغنّت:
تشطّ غدا دار جيرانناوللدّار بعد غد أبعد
فوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزّنا، فضحك يزيد وقال: لعمري إن هذا مما يطرب الناس، وأمر بحلّ قيوده، ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة، وردّه إلى المدينة.
- قال محمد بن إبراهيم: كنت عند مخارق أنا وهارون بن أحمد بن هشام، فلعب مع هارون [بالنّرد] فقمره مخارق مائتي رطل باقلا طريّا. فقال مخارق: وأنتم عندي أطعمكم من لحم جزور من الصناعة- من صناعة أبيه- يحيى بن فارس الجزّار. قال: ومرّ بهارون بن أحمد فصيل ينادى عليه، فاشتراه بأربعة دنانير ووجّه إلى مخارق وقال: يكون ما تطعمنا من هذا الفصيل.
فاجتمعنا وطبخ مخارق بيده جزوريّة، وعمل من سنامه وكبده ولحمه ضفائر شويت في التنور، وعمل من لحمه لونا يشبه الهريسة بشعير مقشّر في نهاية الطيب. فأكلنا وجلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح من الشّطّ: يا أبا المهنّا، الله الله فيّ! حلف زوجي بالطلاق أن يسمع غناءك ويشرب عليه. قال: فجيئي به، فجاء فجلس فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال له: يا سيّدي، كنت
سمعت صوتا من صنعتك، فطربت عليه حتى استخفّني الطرب، فحلفت أن أسمعه منك ثقة بإيجابك حقّ زوجتي، وكانت زوجته داية هارون بن مخارق، فقال: وما هو الصوت؟ فقال:
بكرت عليّ وهيّجت وجداهوج الرّياح فأذكرت نجدا
أتحنّ من شوق إذا ذكرتنجد وأنت تركتها عمدا
والشعر لحسين بن مطير. فغنّاه إيّاه وسقاه رطلا وأمره بالانصراف ونهاه أن يعاود، وخرج فما لبث أن عادت المرأة تصرخ: الله الله يا أبا المهنّا! قد أعاد زوجي المشؤوم اليمين أنك تغنّيه صوتا آخر. فقال لها: أحضريه، وقال:
ويلك! ما لي ولك؟ أيّ شيء قصّتك؟ فقال: يا سيّدي، أنا رجل طروب، وقد كنت سمعت صوتا لك آخر فاستفزّني الطرب إلى أن حلفت بالطلاق ثلاثا أنّي أسمعه منك. قال: وما هو؟ قال: لحنك في:
أبلغ سلامة أنّ البين قد أفداوأن صحبك عنها رائحون غدا
هذا الفراق يقينا إن صبرت لهأو لا فإنّك منها ميّت كمدا
لا شكّ أنّ الذي بي سوف يهلكنيإن كان لله حب بعدها أبدا
فغنّاه إيّاه مخارق وسقاه رطلا وقال له: احذر أن تعاود. وانصرف فلم يلبث أن عاودت [المرأة] الصّراخ تصرخ: يا سيّدي قد عاود اليمين ثالثة، الله الله فيّ وفي أولادي! قال: هاتيه، فأحضرته. فقال لها: انصرفي أنت، فإنّ هذا كلّما انصرف حلف وعاد، فدعيه يقيم يومه كلّه، فتركته وانصرفت، فقال له مخارق: ما قصّتك أيضا؟ قال: قد عرّفتك أني طروب، وكنت سمعت صوتا من صنعتك استخفّني الطرب له، فحلفت أني أسمعه منك، قال: وما هو؟ قال:
ألف الظّبي بعاديونفى الهمّ رقادي
وعدا الهجر على الوصل بأسياف حداد
قل لمن زيّف ودّيلست أهلا لودادي
قال: فغنّاه إيّاه وسقاه رطلا ثم قال: يا غلام، مقارع! فجيء بها فأمر به فبطح وأمر بضربه، فضرب خمسين مقرعة وهو يستغيث ولا يكلّمه، ثم قال له:
احلف بالطلاق ثلاثا أنّك لا تذكرني أبدا، وإلا كان هذا دأبك إلى الليل.
فحلف بالطلاق ثلاثا على ما أمره به، ثم أقيم فأخرج من الدار، وجعلنا نضحك بقيّة يومنا من حمقه.
- حجّ مخارق، فلما قضى الحجّ وعاد قال له رجل: بحقّي عليك غنّني صوتا، فغنّاه:
رحلنا فشرّقنا وراحوا فغرّبواففاضت لروعات الفراق عيون
فرفع الرجل يده إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجّتي له.
- قال إبراهيم بن المهدي: مطرنا ونحن بالرّقّة مع الرشيد فاتّصل المطر من الفجر إلى غد ذلك اليوم، وعرفنا خبر الرشيد وأنه مقيم عند أمّ ولده المسمّاة بسحر، فتشاغلنا في منازلنا. فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد فحضرنا جميعا، وأقبل يسأل كلّ واحد منا عن يومه الماضي وما صنع فيه فنخبره، إلى أن انتهى إلى جعفر بن يحيى، فسأله عن خبره، فقال له: كان عندي أبو زكار الأعمى وأبو صدقة، وكان أبو زكار كلّما غنّى صوتا لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة، فإذا انتهى الدّور إليه أعاده، وحكى أبا زكار فيه وفي شمائله وحركاته،
ويفطن أبو زكّار لذلك فيجنّ ويموت غيظا، ويشتم أبا صدقة كل شتم حتى ضجر وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به، وأنا أضحك من ذلك إلى أن توسطنا الشرب وسئمنا من عبثه به، فقلت له: دع هذا عنك، وغنّ غناءك، فغنّى رملا ذكر أنّه من صنعته، فطربت له والله يا أمير المؤمنين طربا ما أذكر أني طربت مثله منذ حين وزمان، وهو:
فتنتني بفاحم اللون جعدوبثغر كأنّه نظم درّ
وبوجه كأنه طلعة البدر وعين في طرفها نفث سحر
فقلت له: أحسنت والله يا أبا صدقة! [فلم أسكت] من هذه الكلمة حتى قال لي: يا سيّدي، إني قد بنيت دارا أنفقت عليها خزينتي، وما أعددت لها فرشا، فافرشها لي نجّد الله لك في الجنة ألف قصر. فتغافلت عنه، وعاود الغناء، فتعمّدت أن قلت: أحسنت ليعاود مسألتي، وأتغافل عنه؛ فسألني وتغافلت، فقال: يا سيّدي، هذا التغافل متى حدث لك؟ سألتك بالله وبحقّ أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم. فأقبلت عليه وقلت: أنت والله بغيض، اسكت يا بغيض واكفف عن هذه المسألة الملحفة. فوثب من بين يديّ، فقلت خرج لحاجة، فإذا هو قد نزع ثيابه وتجرّد منها خوفا من أن تبتلّ، ووقف تحت السماء ولا يواريه منها شيء والمطر يأخذه، ورفع رأسه وقال: يا ربّ، أنت تعلم أني مله ولست نائحا، وعبدك الذي قد رفعته وأحوجتني إلى خدمته يقول لي: أحسنت، ولا يقول لي: أسأت، وأنا منذ جلست أقول له بنيت ولا أقول هدمت، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض، فاحكم بيني وبينه يا سيّدي، فأنت خير الحاكمين. فأمرت به فنحّي بعد أن غلبني الضحك، واجتهدت أن يغنّي فامتنع، حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره وخدعته فلم أسمّ له ما أفرشها فقال له الرشيد: طيّب والله! الآن ثمّ لنا به [اللهو] وهو ذا، ادعوه، فإذا رآك فسوف يتنجّزك الفرش لأنّك حلفت له بحياتي، فهو يقتضيك ذاك
بحضرتي ليكون أوثق له، فقل له: أنا أفرشها بالبواري، وحاكمه إليّ. ثم دعي به فأحضر، فلما استقرّ في مجلسه قال لجعفر بن يحيى: الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين أنك تفرش به داري تقدّم به. فقال له جعفر: اختر، إن شئت فرشتها لك بالبواري، وإن شئت بالبرديّ من الحصر. فصيّح واضطرب، فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ فأخبره، فقال له: أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسمّ [النوع] ولم تحدّد القيمة، فإذا فرشها بالبواري أو بما دون ذلك فقد وفّى بيمينه، وإنّما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثّقت وضيّعت حقّك. فسكت وقال: نوفّر أيضا البرديّ والبواري عليه، أعزّه الله تعالى. وغنّى المغنّون حتى انتهى الدّور إليه فأخذ يغنّي غناء الملّاحين والبنّائين والسّقّائين وما جرى مجراه من الغناء، فقال له الرشيد: أيّ شيء هذا الغناء؟ ويلك! قال: من فرش داره بالبواري والبرديّ فهذا الغناء كثير منه، وكثير أيضا لمن هذه صلته. فضحك الرشيد وطرب وصفّق ثم أمر له بألف دينار من ماله وقال له: افرش دارك بهذه، فقال: [وحياتك] لا آخذها يا سيّدي أو تحكم لي على جعفر بما وعدني، وإلا متّ والله أسفا لفوت ما حصل في طمعي ووعدت به. فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار فقبلها جعفر وأمر له بها.
- كان خليلان أديبا يعلم الصبيان الخطّ والقرآن، وكان مغنّيا مجيدا. فحدّث من حضره قال: كنت يوما عنده وهو يردّ على صبيّ يقرأ بين يديه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
(لقمان:) ثم يلتفت إلى صبيّة فيردّ عليها:
عاد لهذا القلب بلبالهإذ قرّبت للبين أجماله
فضحكت ضحكا مفرطا لما فعله، فالتفت إليّ فقلت: ويلك ما لك! أتنكر
ضحكي مما تفعل؟ والله ما سبقك إلى هذا أحد. ثم قلت: انظر أي شيء أخذت على الصبيّ من القرآن، وأيّ شيء تلقي على الصبية، وإني لأظنّك ممّن يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله. فقال: أرجو أن لا أكون كذلك إن شاء الله.
شهد رجل من قريش عند محمد بن سعد قاضي المدينة، فأقبل على المشهود له فقال: زدني شاهدا، فقال الشاهد: وحقّ القبر والمنبر لا أقوم حتى يعلم الناس أظالم أنا أم مظلوم، علام تردّ شهادتي!؟ قال: أخبرك: أرأيت يوم كنّا عند فلان فغنّتنا [....] فقلت لها: أحسنت والله الذي لا إله إلا هو! والله يعلم أنّها لم تحسن ولم تجمل. فقال: أنشدك الله أيها القاضي، أقلت ذلك لها وهي تغنّي أم بعد ما سكتت؟ فقال: اللهمّ بعد ما سكتت، قال: فإنّما قلت ذلك لسكوتها حين سكتت لا لغنائها، قال: آلله، أجيزوا شهادته.
وقال إبراهيم الموصليّ: كان عندنا بالموصل مغنّ يغنّي بنصف درهم ويسكت بدرهم.
كتب علي بن نصر الكاتب إلى بعض إخوانه يصف دعوة رسالة فيها:
فكان أوّل ما خوّلنيه الدخول إلى حمّامه، فلقيت من ضرّه وزمهريره ما حبّب إليّ النار وزفيرها، والجحيم وسعيرها، وثنّى إحسانه بخيش يلفح الوجوه، وأتى الغداء المأدوم بشجر الزقّوم، والماء المحدوم بريح السّموم، فأكلنا وقد أكلنا بين سنّور يسلب وزنبور يلسب، وبقّ يلدغ، وحرّ يدمغ، وأنا في أثناء ذلك أستعيذ من شرّته، وأفرق من ثورته، وأنعت كلّ بليّة أقاسيها، بصفة من المحاسن ليست فيها. ومضينا إلى مجلس قد غبّ ريحانه، وأكبّ دخانه، وتراكب ضبابه، وانصبّ ذبابه، وكدر نبيذه، وكثر وقيذه، وضاق مجاله، وعدمت أبقاله، ولفحت هواجره، ودارت دوائره، والأنفاس فيه محبوسة، والأرواح معه معكوسة، واللذات منه بعيدة، والحسرات فيه شديدة. وإنّا لكذلك في عظم
البلاء، وتفاقم اللّأواء، حتى وافانا الداء العياء، والداهية الصمّاء، ذو ذقن أثطّ، ورأس أشمط، وفم أدرد، ولسان يرعد، وطنبور أتت عليه الدهور ولم يبق منه إلا الخيال، لو نقر لا نهال بريشة من نسر لقمان، أو عهد ثمود بن كنعان، فاندفع يغنّي لأبينا آدم ﵇:
تغيّرت البلاد ومن عليهافوجه الأرض مغبرّ قبيح
فرأيت أسمج منظر في أقبح مخبر، لا يشبهها نوبة الحمّى، ولا تشاكلها طلقة الحبلى، وقطّع وقد قطّع القلوب، وأمسك وقد أمسكت الأرزاق عن النّزول.
قلت: من هذا الشيخ الشادي المتفنّن؟ قال: وجه البضاعة، وشيخ الصناعة، المعروف بغلام البنج. فما كان غير بعيد حتى برز شيخ كوسج، همّ أعرج، أخنى عليه الذي أخنى على لبد، فأقبل متبخترا، وسلّم متذمّرا، وأظهر أنّ فيه بقيّة حسنة يرغب في مثلها، وأنّه غرض لما يسام من بذلها، وألفيت صاحب الدار والديوان- أصلحه الله- قد استبشر بحضوره، وكاد يمنّ علينا بوروده، واندفع يغنّي:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعشثمانين حولا لا أبا لك يسأم
فقلت: ما هذا العجب التالي؟ والتغريد الثاني؟ فقال: هل بالشمس من خفاء؟
ودون البدر من ستر؟ هذا زعيم الكوارين، ومتقدّم داسة الطين، المعروف بقسمون البغداديّ. قلت: ليت قسمي من الدنيا بعده، وحظّي من الأيام فقده، إلا أنّ النّوبة كانت أخفّ وقعا، وأقرب لذعا. ثم تلاهما أدبر منهما وأنحس وأشأم جدا وأتعس؛ سقيم يعرف بغلام نسيم، فجلس وقد فارق النفس، وأخذ في شيء من رنينه، وضعف الآلة وتأبينه، معتذرا من تقبيحه بعد الإحسان، باذلا من قبحه الغناء بغاية الإمكان. فحملنا أمره، وبسطنا عذره، فكان ممّا غنّاه ما وافق سقمه وضناه:
إنّ الجديدين إذا ما استولياعلى جديد أدنياه للبلى
وقام وقد ثاوره الحمام، لا أقال الله له عثرة، ولا رحم منه شعرة، فرأيت التساكر أبلغ حيلة أعملها، وحبالة أنصبها، فبدأت في ضرب منه، وصديقنا- أصلحه الله- يقول: كدّرت علينا بعد صفوته، ورنّقته بعد رقّته، وهل ههنا محتشم، وهذا وقت يغتنم، وحتى متى يمكن تجاوز هذه الأغاني، وتجاوب هذه المثالث والمثاني، وأنا أغطّ غطيط البكر شدّ خناقه، حتى [أخذه] اليأس من فلاحي، وأجمع الناس على رواحي، فحملت وأعضائي لا تستقلّ بي، حتى إذا صرت قيد شبر من الباب، شددت شدّ الحيّة المنساب، فلم يدرك أثري، ولم يعلم إلى الآن خبري.
قال رجل لآخر: غنّني صوت كذا، وبعده صوت كذا، فقال:
أراك لا تقترح صوتا إلا بوليّ عهد.
- ابن الراوندي: اختلف الناس في السماع، فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين فأقول: إنّه واجب.
- كان لبعض الظرفاء جاريتان مغنّيتان، حاذفة ومتخلّفة، وكان يخرق [ثوبه] إذا غنّت الحاذقة، فإذا غنّت الأخرى قعد يخيطه.
قيل لمخنّث: أيّ الأصوات أحبّ إليك؟ قال: نشنشة القليّة، وقرقرة القنّينة، وحفحفة الخوان، وفشفشة التكّة.
- قال حكم الوادي: كنت أنا وجماعة نتعلّم من معبد، فغنّى لنا صوتا أعجب به، وكنت أنا أوّل من أخذه عنه في ذلك اليوم، فاستحسنه مني، فأعجبتني نفسي، فلما انصرفت عملت فيه من عند نفسي لحنا آخر، وبكّرت
عليه فغنّيته ذلك اللّحن، فوجم ساعة ثم قال: كنت أمس أرجى مني لك اليوم، وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح.
- قال الرشيد لبرصوما الزامر: ما تقول في ابن جامع؟ فحرّك رأسه وقال: إن مات ذهب الغناء، فلا تفارقه فإنه كالخمر العتيق ينسف الرجلين نسفا. قال: فإبراهيم؟ قال: بستان فيه كمّثرى وخوخ وتفّاح وشوك، وخرنوب. قال: فسليم بن سلام؟ قال: ما أحسن خضابه! قال: فعمرو الغزّال؟ قال: ما أحسن شبابه! قال: تزوّج مغنّ بنائحة فسمعها تقول: اللهمّ وسّع علينا في الرّزق، فقال: يا هذه، إنما الدنيا فرح وحزن، وقد أخذنا بطرفي ذلك؛ إن كان فرح دعوني، وإن كان حزن دعوك.
يتلوه باب المؤاكلة والتطفّل وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع