من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر، ﵀ (٣)
وما أحسن ما كتب به الفتح إلى بعض الملوك يصف نزهة ببعض منتزهات الأندلس المونقة، ويذكر استضاءته فيها بشموس المسرّة المشرقة، وهو:
أطال الله سبحانه بقاء ناصر الدولة، ومحيي الملّة، الذي حسن بلقياه العيش، وتزين بمحياه الجيش، وراق باسمه الملك، وجرت بعجه الفلك وأنا ربه الليل الدامس؛ ولاح له الأثر الطامس؛ وجرى الدهر لسطوته خائفاً، وغدا السعد بعقوته طائفاً، والزمان ببرود علياه ملتحف، ولثغور نداه
مرتشف، ولا زال للمجد يتملّكه، والسعد يحمله فلكه، وأما وقد وافقتني أيّامه أيده الله سبحانه وفاقاً، ورأيت للبيان عنده نفاقاً، فلا بد أن أرسل كتائبه أفواجاً، وأفيض من بحره أمواجاً، وأصف ما شاهدته من اقتداره، وعاينته من حسن إيراده وإصداره، بمقال أفصح من شكوى المحزون، وأملح من رياض الحزون، وقد كنت، أيّده الله تعالى، كلفاً بالدول وبهائها، لهجاً بالبلوغ إلى انتهائها، لأجد دولة أرتضيها، وحظوة علياء أقتضيها، فكلّ ملك فاوضته سرّاً وجهراً، وكلّ ملك قلبته بطناَ وظهراً، والنفس تصدّ عنه صدود الجبان عن الحرب، والملائكة الكرام عن الشرب، إلى أن حصلت لديه، ووصلت بين يديه، فقلت: الآن أمكن من راح البغية الانتشاء، وتمثّلت " الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء " ومازلت أسايره حيث سار، وآخذ اليمين تارة وتارة اليسار، وكل ناحية تسفر لي عن خدّ روض أزهر، وعذار نبتٍ أخضر، وتبسم عن ثغر حباب، في نهر كالحباب، وترفل من الربيع في ملابس سندسيّات، وتهدي إلينا نوافح مسكيّات، وتزهى من بهجتها بأحسن منظر، وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب الأنضر، فجلنا فيها يميناً وشمالاً، واستخبرنا عن أسرارها صباً وشمالاً، ثم مال بنا، أيّده الله تعالى، عن هذه المسارح السنيّة، والمنازل البهيّة، إلى إحدى ضياعه الحالية، وبقاعه العالية، فحللناها والأيم قد عري من جلبابه، واليوم قد اكتهل بعد شبابه، فنزلنا في قصور يقصر عنها جعفريّ جعفر، وقصور بني الأصفر، تهدي من لبّاتها برداً محبّراً، وتبدي من شذاها مسكاً وعنبراً، قد لاحت من جوانبها نجوم أكواس لو رآها أبو نواس لجعلها شعاره، ووقف على نعتها أشعاره، ولم يتخذ سواها نجعة، ولا نبّه خمّاره بعد هجعة، فتعاطيناها والسعد لنا خادم، وما غير السرور
علينا قادم، وخدود سقاتها قد اكتست من سناها، وقدودهم تتهيّل علينا بجناها، ونحن بين سكر وصحو، وإثبات لها ومحو، وإصاخة إلى بمّ وزير، والتفاتة إلى ملك ووزير، إلى أن ولّى النهار فحيّانا، وأقبل الليل المميت فأحيانا، فوصلنا بلهو وقصف، وعيش يتجاوز كلّ وصف، فكأن يومنا مقيم، أو كأن ليلنا من الظلام عقيم؛ ولما سلّ الفجر حسامه، وأبدى لعبوس الليل ابتسامه، وجاء يختال اختيالاً، ويمحو من بقايا الليل نيالاً، قمنا نتنادب للمسير، وكلّنا في يد النشوة أسير، فسرنا والملك الأجلّ يقدمنا، والأيام تخدمنا فلا زالت الأيام به زاهية، وعن سواه لاهية، ما عمر وكراً عقاب، وكان للشهور غرر وأعقاب، انتهى.
[من ترجمة الراضي]
وقال الفتح في ترجمة الراضي بالله أبي خالد يزيد بن المعتمد بن عباد بعد كلام ما صورته: وأخبرني المعتز بالله أن أباه المعتمد وجّهه - يعني أخاه الراضي - إلى شلب والياً، وكانت ملعب شبابه، ومألف أحبابه، التي عمر نجودها غلاماً، وتذكر عهودها أحلاماً، وفيها يقول يخاطب ابن عمار وقد توجّه إليها:
ألا حيّ أوطاني بشلب أبا بكروسلهنّ هل عهد الوصال كما أدري
وسلّم على قصر الشراجيب من فتىً ... له أبداً شوقٌ إلى ذلك القصر وقصر الشراجيب هذا متناهٍ في البهاء والإشراق، مباهٍ لزوراء العراق، ركضت في جياد راحاته، وأمضت بروق أمانيه في ساحاته، وجرى الدهر مطيعاً بين بكره وروحاته، أيام لم تحلّ عنه تمائمه، ولا خلت من أزاهير
الشباب كمائمه، وكان يعتدّها مشتهى آماله، ومنتهى أعماله، إلى بهجة جنباتها، وطيب نفحاتها وهبّاتها، والتفاف خمائلها، وتقلدها بنهرها مكان حمائلها، وفيها يقول ابن اللّبّانة:
أما علم المعتزّ بالله أنّنيبحضرته في جنّةٍ شقّها نهر
وما هو نهر أعشب النبت حوله ... ولكنّه سيفٌ حمائله خضر فلمّا صدر عنها وقد حسنت آثاره في تدبيرها، وانسدلت رعايته على صغيرها وكبيرها، نزل المعتمد عليه مشرفاً لأوبته، ومعرفاً بسموّ قدره لديه ورتبته، وأقام يومه عنده مستريحاً، وجرى في ميدان الأنس بطلاً مشيحاً، وكان واجداً على الراضي فجلت الحميّا أفقه، ومحت غيظه عليه وحنقه، وصوّرته له عين حنوّه، وذكرته بعده فجنح إلى دنوّه، وبين ما استدعى وأوفى، مالت بالمعتمد نشوته وأغفى، فألفاه صريعاً في منتداه، طريحاً في منتهى مداه، فأقام تجاهه، يرتقب انتباهه، وفي أثناء ذلك صنع شعراً أتقنه وجوّده، فلمّا استيقظ أنشده:
ألان تعود حياة الأملويدنو شفاء فؤادٍ معلّ
ويورق للعزّ غصنٌ ذوىويطلع للسّعد نجمٌ أفل
فقد وعدتني سحاب الرضابوابلها حين جادت بطلّ
أيا ملكاً أمره نافذٌفمن شا أعزّ ومن شا أذلّ
دعوت فطار بقلبي السرورإليك، وإن كان منك الوجل
كما يستطيرك حبّ الوغىإليها وفيها الظّبا والأسل
فلا غرو إن كان منك اغتفارٌوإن كان منّا جميعاً زلل
فمثلك - وهو الذي لم نجدهعاد بحلم على من جهل [من ترجمة المتوكل]
وقال في ترجمة المتوكل على الله ابن الأفطس، ما صورته: وأخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون، أن الجدب توالى بحضرته حتى جفّت مذانبها، واغبرّت جوانبها، وغرد المكّاء في غير روضه، وخاض الياس بالناس أعظم خوضه، وأبدت الخمائل عبوسها، وشكت الأرض للسماء بوسها، فأقلع المتوكل عن الشرب واللهو، ونزع ملابس الخيلاء والزّهو، وأظهر الخشوع، وأكثر السجود والركوع، إلى أن غيّم الجوّ، وانسجم النوّ، وصاب الغمام، وترنّمت الحمام، وسفرت الأنوار، وزهت النجود والأغوار، واتفق أن وصل أبو يوسف المغنّي والأرض قد لبست زخارفها، ورقم الغمام مطارفها، وتدبجت الغيطان والرّبى، وأرجت نفحات الصّبا، والمتوكل ما فضّ لتوبته ختاماً، ولا نفض عن قلبه منها قتاماً، فكتب إليه:
ألمّ أبو يوسفٍ والمطرفيا ليت شعري ما ينتظر
ولست بآبٍ وأنت الشهيدحضور نديّك فيمن حضر
ولا مطلعي وسط تلك السماءبين النجوم وبين القمر
وركضي فيها جياد المداممحثوثةً بسياط الوتر فتعث إليه مركوباً، وكتب معه:
بعثت إليك جناحاً فطرعلى خفيةٍ من عيون البشر
على ذللٍ من نتاج البروقوفي ظللٍ من نسيج الشّجر
فحسبي ممّن نأى من دنا ... ومن غاب كان فدا من حضر فوصل القصبة المطلّة على البطحاء، المزرية بمنازل الرّوحاء، فأقام منها حيث قال عديّ بن زيد يصف مصنعاً:
في قبابٍ حول دسكرةٍ ... حولها الزيتون قد ينعا ومرّ لهم من السرور يومٌ ما مر لذي رعين، ولا تصوّر قبل عيونهم لعين. وأخبرني أنّه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذرا والأعلام، التي لا يروعها صرف، ولا يفرعها طرف، لأنّها متوعّرة المراقي، معفّرة للراقي، متمكّنة الرّواسي والقواعد، من ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد، قد أطلّت على خمائلها، إطلال العروس من منصّتها، واقتطعت من الجوّ أكثر من حصّتها، فمروا بألبش قطرٍ سالت به جداوله، واختالت فيه خمائله، فما يجول الطّرف منه إلاّ في حديقة،
أو بقعة أنيقة، فتلقّاهم ابن مقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده، وأورى لهم بالمبرّة زنده، وقدّم لهم طعاماً، واعتقد قبوله منّاً وإنعاماً، وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيباً لا يبرح، وعين المتوكل حياءٍ منه لا تجول ولا تمرح، فخرج أبو محمد وقد أرمه بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله، فلقي ابن خيرون منتظراً له، وقد أعد لحلوله منزله، فسار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نوّاره، وخجلت خدود ورده من زوّاره، وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمّت عليه المحاسن أزرارها، ولما حضر له وقت الأنس وحينه، وأرجت له رياحينه، وجّه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه، ويزول موحشه لا أنيسه، فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، قد لازمه كأنّه غريمه، فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل، فلمّا علم أبو محمد بانفصاله بعث إلى المتوكل قطيع راح وطبق ورد، وكتب معهما:
إليكها فاجتلها منيرةًوقد خبا حتى الشهاب الثاقب
واقفةً بالباب لم يؤذن لهاإلاّ وقد كاد ينام الحاجب
فبعضها من المخاف جامدٌ ... وبعضها من الحياء ذائب فقبلها منه، رحمه الله تعالى وعفا عنه، وكتب إليه:
قد وصلت تلك التي زففتهابكراً وقد شابت لها ذوائب
فهبّ حتى نستردّ ذاهباً ... من أنسنا إن استردّ ذاهب فركب إليه، ونقل معه ما كان بالمجلس بين يديه، وباتا ليلتهما لا يريمان السهر، ولا يشيمان برقاً إلا الكاس والزّهر.
ثم قال بعد كلام: وأخبرني الوزير الفقيه أبو أيوب بن أبي أمية أنّه مرّ
في بعض أيّامه بروض مفترّ المباسم، معطّر الرياح النواسم، قد صقل الربيع حوذانه، وأنطق بلبله وورشانه، وألحف غصونه بروداً مخضرّة، وجعل إشراقة للشمس ضرّة، وأزاهره تتيه على الكواكب، وتختال في خلع الغمائم السواكب، فارتاح إلى الكون به بقيّة نهاره، والتنعم ببنفسجه وبهاره، فلمّا حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنبٍ قد بللها النّدى، وكتب فيها بطرف غصن، يستدعي الوزير أبا طالب ابن غانم، أحد ندمائه، ونجوم سمائه:
أقبل أبا طالبٍ إليناوقع وقوع الندّى علينا
فنحن عقدٌ بغير وسطىما لم تكن حاضراً لدينا [من ترجمة المعتصم بن صمادح]
وقال في ترجمة المعتصم بن صمادح، ما صورته: وأخبرني الوزير أبو خالد بن بشتغير أنّه حضر مجلسه بالصمادحية في يوم غيم وفيه أعيان الوزراء، ونبهاء الشعراء، فقعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويلتوي في نواحيه، والمعتصم منشرح النفس، مجتمع الأنس، فقال:
أنظر إلى حسن هذا الماء في صببه ... كأنّه أرقمٌ قد جدّ في هربه فاستبدعوه، وتيّموه به وأولعوه، فاسكب عليه شآبيب نداه، وأغرب بما ظهر من بشره وأبداه.
ثم قال بعد كلام: وخرج إلى برجة ودلاية وهما نظران لم يجل في مثلهماناظر، ولم تدّع حسنهما الخدود النواضر، غصونٌ تثنّيها الرياح، ومياه لها انسياح، وحدائق تهدي الأرج والعرف، ومنازل تبهج النفس وتمتع الطرف، فأقام فيها أيّاماً يتدرج في مسارحها، ويتصرف في منازهها، وكانت نزهة أربت على نزهة هشام بدير الرّصافة، وأنافت عليها أيّ إنافة.
[من ترجمة ابن رزين]
وقال في ترجمة ابن رزين، ما ملخّصه: أخبرني الوزير أبو عامر [ابن سنون] أنّه اصطبح يوماً والجوّ سماكي العوارف، لازورديّ المطارف، والروض أنيقة لبّاته، رقيقة هبّاته، والنور مبتلّ، والنسيم معتلّ، ومعه قومه، وقد راقهم يومه، وصلاته تصافح معتفيهم، ومبرّاته تشافه موافيهم، والراح تشعشع، وماء الأماني ينشع، فكتب إلى ابن عمّار وهو ضيفه:
ضمانٌ على الأيّام أن أبلغ المنىإذا كنت في ودّي مسرّاً ومعلنا
فلو تسأل الأيّام: من هو مفردبودّ ابن عمّارٍ؟ لقلت لها: أنا
فإن حالت الأيّام بيني وبينه ... فكيف يطيب العيش أو يحسن الغنا فلمّا وصلت الرقعة إليه تأخّر عن الوصول، واعتذر بعذر مختلّ المعاني
والفصول، فقال أحد الحاضرين: إنّي لأعجب من قعود ابن عمار، عن هذا المضمار، مع ميله إلى السّماع، وكلفه بمثل هذا الاجتماع، فقال ذو الرياستين: إن الجواب تعذر، فلذا اعتذر، لنّه يعاني قوله ويعلّله، ويروّيه ولا يرتجله، ويقوله في المدة الممتدّة، فرأى أن الوصول بلا جواب إخجال لأدبه، وإخلال لمنازله في الشعر ورتبه، فلمّا كان من الغد ورد ابن عمار ومعه الجواب، وهو:
هصرت لي الآمال طيّبة الجنىوسوّغتني الأحوال مقبلة الدّنى
وألبستني النّعما أغضّ من النّدىوأجمل من وشي الرّبيع وأحسنا
وكم ليلةٍ أحظيتني بحضورهافبتّ سميراً للسّناء وللسّنا
أعلّل نفسي بالمكارم والعلاوأذني وكفّي بالغناء وبالغنى
سأقرن بالتمويل ذكرك كلّماتعاورت الأسماء غيرك والكنى
لأوسعتني قولاً وطولاً كلاهمايطوّق أعناقاً ويخرس ألسنا
وشرّفتني من قطعة الروض بالتيتناثر فيها الطّبع ورداً وسوسنا
تروق بجيد الملك عقداً مرصّعاًوتزهو على عطفيه برداً مزيّنا
فدم هكذا يا فارس الدّست والوغى ... لتطعن طوراً بالكلام وبالقنا وأخبرني الوزير [الكاتب أبو جعفر] ابن سعدون أنّه اصطبح يوماً بحضرته وللرذاذ رشّ، وللربيع على وجه الأرض فرش، وقد صقل الغمام الأزهار حتى أذهب نمشها، وسقاها فأروى عطشها، فكتب إليه:
فديناك لا يسطيعك النظم والنثرفأنت مليك الأرض، واتصل الأمر
مرينا نداك الغمر فانهلّ صيّباًكما سكبت وطفاء أو سكب البحر
وجاء الربيع الطّلق يبدي غضارة ... فحيّتك منه الشمس والروض والنهر إلى أن قال: ثم وجّه إلى روضة قد أرجت نفحاتها، وتدبجت ساحاتها، وتفتّحت كمائمها، وأفصحت حمائمها، وجردت جداولها كالبواتر، ورمقت أزهارها كالعيون الفواتر، وأقاموا يعملون أكواسهم، ويشتملون إيناسهم، فقال ذو الرياستين:
وروضٍ كساه الطّلّ وشياً مجدّدافأضحى مقيماً للنفوس ومقعدا
إذا صافحته الريح خلت غصونهرواقص في خضر من القضب ميّدا
إذا ما انسكاب الماء عايننت خلتهوقد كسرته راحة الريح مبردا
وإن سكنت عنه حسبت صفاءهحساماً صقيلاً صافي المتن جرّدا
وغنّت به ورق الحمائم بينناغناءً ينسّيك الغريض ومعبدا
فلا تجفونّ الدّهر ما دام مسعداًومدّ إلى ما قد حباك به يدا
وخذها مداماً من غزال كأنّه ... إذا ما سقى بدرٌ تحمّل فرقدا إلى أن قال: وأخبرني الوزير [أبو عامر] ابن سنون، أنّه كان معه في منية العيون، في يوم مطرّز الأديم، ومجلس معزز النديم، والأنس يغازلهم
من كلّ ثنية، ويواصلهم بكل أمنية، فسكر أحد الحاضرين سكراً مثّل له ميدان الحرب، وسهّل عليه مستوعر الطعن والضرب، فقلب مجلس الأنس حرباً وقتالاً، وطلب الطعن وحده والنزالا، فقال ذو الرياستين:
نفس الذليل تعزّ بالجريالفيقاتل الأقران دون قتال
كم من جبان ذي افتخار باطلٍبالراح تحسبه من الأبطال
[كبش النديّ تخمّطاً وعرامةًوإذا تشبّ الحرب شاة نزال] [ترجمة ابن طاهر]
وقال في ترجمة ابن طاهر، ما صورته: وجئته يوماً وقد وقفت بباب الحنش، فقال لي: من أين؟ فأعلمته، ووصفت له ما عاينته من حسنه وتأمّلته، فقال لي: كنت أخرج إليه في أكثر الليالي مع الوزير الأجلّ أبي بكر؟ يعين ابن عبد العزيز؟ إلى روضته التي ودّت الشمس أني يكون منها طلوعها، وتمنى المسك أن تنضم عليه ضوعها، والزمان غلام، والعيش أحلامن والدنيا تحية وسلام، والناس قد انتشروا في جوانبه، وقعدوا على مذانبه، وفي ساقيته الكبرى دولاب يئنّ كناقة إثر حوار، أو كثكلى من حرّ الأوار، وكل مغرم يجعل فيه ارتياحه، بكرته ورواحه، ويغازل عليه حبيبه، ويصرف إليه تشبيبه، فخرجت عليه ليلة والمتنبي الجزيري واقف وأمامه ظبي آنس، تهيم
به المكانس، وفي أذنيه قرطان، كأنّهما كوكبان، وهو يتأوّد تأوّد غصن البان، والمتنبي يقول:
معشر النّاس بباب الحنشبدر تمّ طالع في غبش
علّق القرط على مسمعهمن عليه آفة العين خشي فلمّا رآني أمسك، وسبّح كأنّه قد تنسك
[من ترجمة ابن عمّار]
وقال في ترجمة ابن عمار، ما صورته: وتنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيّده بنو أميّة بالصّفّاح والعمد، وجروا في إتقانه إلى غير أمد، وأبدع بناؤه، ونمقت ساحته وفناؤه، واتخذوه ميدان مراحهم، ومضماراً لانشراحهم، وحكوا به قصرهم بالمشرق، وأطلعوه كالكوكب الثاقب المشرق، فحلّه أبو بكر ابن عمّار على أثر بوسه، وابتسم له دهره بعد عبوسه، والدنيا قد أعطت عفوها، وسقته صفوها، وبات فيه مع لمّةٍ من أتباعه، ومتفيئ رباعه، وكلهم يحييه بكاس، ويفديه بنفسه من كل باس، فطابت له ليلته في مشيده، وأطربه الأنس ببسيطه ونشيده، فقال:
كلّ قصرٍ بعد الدمشق يذمّفيه طاب الجنى وفاح المشمّ
منظرٌ رائقٌ، وماءٌ نميرٌوثرىً عاطرٌ، وقصرٌ أشمّ
بتّ فيه الليل والفجر عندي ... عنبرٌ أشهبٌ ومسكٌ أحمّ وعبّر صاحب البدائع عن هذه القصة بقوله: تنزه ابن عمار بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيّده خلفاء بني أميّة وزخرفوه، ودفعوا صرف الدهر
عنه وصرفوه، وأجروه على إرادتهم وصرّفوه، وذهّبوا سقفه وفضّضوها، ورخّموا أرضه وروّضوها، فبات به السعد يلحظه بطرفه، والروض يحييه بعرفه، فلمّا استنفد كافور الصباح به مسك الغسق، ورصع آبنوس الظلام نضار الشفق، قال مرتجلاً: كل قصر بعد الدمشق يذمّ ... إلخ، انتهى.
[من ترجمة ابن لبون]
وقال في ترجمة ذي الوزارتين أبي عيسى ابن لبّون: أخبرني الوزير أبو عامر ابن الطويل أنّه كان بقصر مربيطر بالمجلس المشرف منها، والبطحاء قد لبست زخرفها، ودبج الغمام مطرفها، وفيها حدائق ترنو عن مقل نرجسها، وتبثّ طيب تنفّسها، والجلّنار قد لبس أردية الدماء، وراع أفئدة الندماء، فقال:
قم يا نديم عليّ القرقفاأوما ترى زهر الرياض مفوّفا
فتخال محبوباً مدلاًّ وردهاوتظن نرجسها محبّاً مدنفا
والجلّنار دماء قتلى معرك ... والياسمين حباب ماء قد طفا إلى أن قال: وشرب مع الوزراء ببطحاء لورقة [عند أخيه، وابن اليسع غائب عنها] في عشية تجود بدمائها، ويصوب عليها دمع سمائها، والبطحاء قد خلع عليها سندسها، ودنّرها نرجسها، والشمس تنفض على الرّبى زعفرانها، والأنوار تغمض أجفانها، فكتب إلى ابن اليسع:
لو كنت تشهد يا هذا عشيّتناوالمزن تسكب أحياناً وتنحدر
والأرض مصفرة كالشمس كاسيةأبصرت تبراً عليه الدّرّ ينتثر [من ترجمة ابن رحيم]
وقال في ترجمة ذي الوزارتين أبي بكر ابن رحيم، ما صورته: ووصل هو وابن وضاح صهر المرتضى، وابن جمال الخلافة صاحب صقلية، إلى إحدى جنّات مرسية، فحلوا منها في قبة فوق جدول مطّرد، وتحت أدواحٍ طيرها غرد، فأقاموا يتعاطون رحيقهم، ويعمرون في المؤانسة طريقهم، إذا بالجنّان قد وقف عليهم وقال: كان بموضعكم بالأمس صاحب الموضع ومعه شعور منشورة، وخدود غير مستورة، قد رفعت عنها البراقع، وما منها نظرة إلاّ ومعها سهم واقع، فاستدعى فحماً وكتب في إحدى زوايا القبّة:
قادنا ودّنا إليك فجئنابنفوس تفديك من كل بوس
فنزلنا منازلاً لبدوروحللنا مطالعاً لشموس [من ترجمة ابن عبدون]
وقال في ترجمة الوزير الكاتب أبي محمد ابن عبدون، ما صورته: حللت بيابرة فأنزلني واليها بقصرها، ومكّنني من جني الأماني وهصرها، فأقمت
ليلي، أجرّ على المجرّة ذيلي، وتتطارد في ميدان السرور خيلي، فلمّا كان من الغد باكرني الوزير أبو محمد مسلّماً، ومن تنكّبي عنه متألّماً، ثم عطف على القائد عاتباً عليه، في كوني لديه، ثم انصرف وقد أخذني من يديه، فحللت عنده في رحب، وهمت عليّ من البرّ أمطار سحب، في مجلس كأن الدراري فيه مصفوفة، أو كأن الشمس إليه مزفوفة، فلمّا حان انصرافي، وكثر تطلّعي إلى مآبي واستشرافي، ركب معي إلى حديقة نضرة، مجاورة للحضرة، فأنخنا عليها أيدي عيسنا، ونلنا منها ما شئنا من تأنيسنا، فلمّا امتطيت عزمي، وسدّدت إلى غرض الرحلة سهمي، أنشدني:
سلامٌ يناجي منه زهر الرّبى عرففلا سمع إلاّ ودّ لو أنّه أنف
حنيني إلى تلك السّجايا فإنّها ... لآثار أعيان المساعي التي أقفو ثم سرد القصيدة إلى أن قال: وله رحمه الله تعالى:
سقاها الحيا من مغانٍ فساحفكم لي بها من معانٍ فصاح
وحلّى أكاليل تلك الرّبىووشّى معاطف تلك البطاح
فما أنس لا أنس عهدي بهاوجرّي فيها ذيول المراح
ونومي على حبرات الرّياضيجاذب برديّ مرّ الرّياح
ولم أعط أمر النّهى طاعةولم أصغ سمعاً إلى لحي لاح
وليلٍ كرجعة طرف المريبلم أدر له شفقاً من صباح [من ترجمة ابن مالك]
وقال في ترجمة الوزير أبي محمد ابن مالك بعد كلام له فيه وإنشاده بيتيه
البديعين اللذين هما:
لا تلمني بأن طربت لشجوٍيبعث الأنس فالكريم طروب
ليس شقّ الجيوب حقّاً علينا ... إنّما الشأن أن تشقّ القلوب ما صورته: وخرجت من إشبيلية مشيّعاً لأحد زعماء المرابطين، فألفيته معه مسايراً له في جملة من شيّعه، فلمّا انصرفنا مال بنا إلى معرّس أمير المسلمين أدام الله تعالى تأييده الذي ينزله عند حلوله إشبيلية، وهو موضع مستبدع، كأن الحسن فيه مودع، ما شئت من نهر ينساب انسياب الأراقم، وروض كما وشّت البرد يد راقم، وزهر يحسد المسك ريّاه، ويتمنّى الصبح أن يسم به محيّاه، فقطف غلام وسيم من غلمانه نورة ومن يده إليّ وهي في كفّه، فعزم عليّ أن أقول بيتاً في وصفه، فقلت:
وبدرٍ بدا والطّرف مطلع حسنهوفي كفّه من رائق النّور كوكب فقال أبو محمد:
يروح لتعذيب النّفوس ويغتديويطلع في أفق الجمال ويغرب
ويحسد منه الغصن أيّ مهفهفٍيجيء على مثل الكئيب ويذهب [من ترجمة ابن السقاط]
وقال في ترجمة الوزير أبي القاسم ابن السّقّاط بعد كلام كثير، ما صورته: وحملنا الوزير القاضي أبو الحسن ابن أضحى إلى إحدى ضياعه بخارج غرناطة،
ومعنا الوزير أبو محمد ابن مالك، وجماعة من أعيان تلك الممالك، فحللنا بضيعة لم ينحت المحل أثلها، ولم ترمق العيون مثلها، وجلنا بها في أكناف، جنّاتٍ ألفاف، فما شئت من دوحة لفّاء، وغصن يميس كعطفي هيفاء، وماء ينساب في جداوله، وزهرٍ يضمّخ بالمسك راحة متناوله؛ ولما قضينا من تلك الحدائق أرباً، وافتضضنا منها أتراباً عرباً، ملنا إلى موضع المقيل، وزلنا عن منازه تزري بمنازه جذيمة مع مالك وعقيل، وعند وصولنا بدا لي من أحد الأصحاب تقصيرّ في المبرّة، عرض لي منه تكدير لتلك العين الثّرة، فأظهرت التثاقل أكثر ذلك اليوم، ثم عدلت عنهم إلى الاضطجاع والنوم، فما استيقظت إلا والسماء قد نسخ صحوها، وغيّم جوّها، والغمام منهمل، والثرى من سقياه ثمل، فبسطني بتحفّيه، وأبهجني ببرٍّ له لم يزل يتممه ويوفيه، وأنشدني:
يومٌ تجهّم فيه الأفق وانتثرتمدامع الغيث في خدّ الثرى هملا
رأى وجومك فاربدّت طلاقتهمضاهياً لك في الأخلاق ممتثلا [من ترجمة ابن أضحى]
وقال في ترجمة الوزير القاضي أبي الحسن ابن أضحى، ما نصّه: وكان لصاحب البلد الذي كان يتولّى القضاء به ابنٌ من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأفعال والأقوال عليه مقصورة، مع ما شئت من لسن، وصت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء والتفاف، فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب
من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفّة نهر، أحسن من شاذمهر، تشقّها جداول كالصّلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها، فأحضرنا من أنواع الطعام، وأرانا من فرط الإكرام والإنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام أحقده، وملام اعتقده، فلمّا كان من الغد لقيت منه اجتنابه، ولم أر منه ما عهدته من الإنابه، فكتبت إليه مداعباً، فراجعني بهذه القطعة:
أتتني أبا نصرٍ نتيجة خاطرٍسريعٍ كرجع الطّرف في الخطرات
فأعربت عن وجدٍ كمينٍ طويتهبأهيف طاوٍ فاتر اللحظات
غزالٍ أحمّ المقلتين عرفتهبخيف منىً للحسن أو عرفات
رماك فأصمى والقلوب رميّةٌلكلّ كحيل الطّرف ذي فتكات
وظنّ بأن القلب منك محصّبٌفلبّاك من عينيه بالجمرات
تقرّب بالنّسّاك في كل منسكٍوضحّى غداة النّحر بالمهجات
وكانت له جيّان مثوىً فأصبحتضلوعك مثواه بكل فلاة
يعزّ علينا أن تهيم فتنطويكئيباً على الأشجان والزفرات
فلو قبلت للنّاس في الحبّ فديةٌفديناك بالأموال والبشرات [من ترجمة ابن خفاجة]
وقال في ترجمة أديب الأندلس وشاعرها أبي إسحاق ابن خفاجة بعد كلام، ما صورته: وقال يندب معاهد الشباب، ويتفجّع لوفاة الإخوان والأحباب،
بعقب سيل أعاد الديار آثاراً، وقضى عليها وهياً وانتثاراً:
ألا عرّس الإخوان في ساحة البلىوما رفعوا غير القبور قبابا
فدمعٌ كما سحّ الغمام ولوعةٌكما أضرمت ريح الشمال شهابا
إذا استوقفتني في الدّيار عشيّةٌتلدّدت فيها جيئةً وذهابا
أكرّ بطرفي في معاهد فتيةٍثكلتهم بيض الوجوه شبابا
فطال وقوفي بين وجدٍ وفرقةٍأنادي رسوماً لا تحير جوابا
وأمحو جميل الصّبر طوراً بعبرةأخطّ بها في صفحتيّ كتابا
وقد درست أجسامهم وديارهمفلم أر إلاّ أعظماً ويبابا
وحسبي شجواً أن أرى الدار بلقعاً ... خلاء وأشلاء الصّديق ترابا ولقد أحلّني بهذه الديار المندوبة وهي كعهدها في جودة مبناها، وعودة سناها، في ليلة اكتحلنا ظلامها إثمداً، ومحونا بها من نفوسنا كمداً، ولم يزل ذلك الأنس يبسطه، والسرور ينشطه، حتى نشر لي ما طواه، وبثّ مكتوم لوعته وجواه، وأعلمني بلياليه فيها مع أترابه، وما قضى بها من أطرابه.
انتهى ما وقع عليه اختياري من كلام أبي نصر الفتح بن عبيد الله رحمه الله تعالى في وصف بعض منتزهات الأندلس البديعة، ورياضها المونقة المريعة.
[من رسالة للفتح]
وما أحسن رسالة له مختصرة كتبها مهنئاً بعض ملوك الأندلس بما منحه الله تعالى من التمكين الذي أيده الله به ونصره، وقد جوّد أوصافه، واستطرد منها إلى ذكر الناصر وولده الحكم اللذين عمرا الزهراء والرّصافة، ونصّها:
أدام الله تعالى أيّام الأمير للأرض يتملّكها، ويستدير بسعده فلكها، وقد استبشر الملك أيدك الله وحقّ له الاستبشار، فقد أومأ إليه السعد وأشار، بما اتفق له من توليتك، وخفق عليه من ألويتك، فلقد حبي منك بملك أمضى من السهم المسدّد، طويل نجاد السيف رحب المقلّد، يتقدّم حيث يتأخّر الذابل، ويتكّرم إذا بخل الوابل، ويحمي الحمى كربيعة بن مكدّم، ويسقي الظّبا نجيعاً كلون العندم، فهنيئاً للأندلس فقد استردت عهد خلفائها، واستجدّت رسوم تلك الإمامة بعد عفائها، فكأن لم تمت أعاصرها، ولم يمت حكمها ولا ناصرها، اللذان عمرا الرصافة والزهرا، ونكحا عفائل الروم وما بذلا غير المشرفية مهرا، والله سبحانه أسأله إظهار أيامك، وبه أرجو انتشار أعلامك، حتى يكون عصرك أجمل من عصرهم، ونصرك أغرب من نصرهم، بمنّه وكرمه ويمنه.
[من ترجمة ابن عطية]
وقال رحمه الله تعالى في ترجمة الفقيه القاضي الحافظ أبي محمد عبد الحق ابن عطية صاحب التفسير الشهير، بعد كلام كثير، ما صورته: ومررنا في إحدى نزهنا بمكان مقفر، وعن المحاسن مسفر، وفيه بكير نرجس كأنّه عيون مراض، يسيل وسطه ماء رضراض، بحيث لا حس إلا للهام، ولا أنس إلا ما يتعرض للأوهام، فقال:
نرجسٌ باكرت منه روضةًلذّ قطع الدّهر فيها وعذب
حثّت الريح بها خمر حياًرقص النبت لها ثمّ شرب
فغدا يسفر عن وجنتهنوره الغضّ ويهتزّ طرب
خلت لمع الشمس في مشرقهلهباً يجمد منه في لهب
وبياض الطّلّ في صفرتهنقط الفضّة في خطّ الذهب انتهى
وسيأتي إن شاء الله تعالى كثير من وصف بلاد الأندلس ومنتزهاتها، وما اشتملت عليه من المحاسن، في كلام غير واحد ممن يجري ذكره في هذا الكتاب، وخصوصاً أديب زمانه غير مدافع، من اعترف له أهل الشرق، بالسبق، وأهل المغرب، بالإبداع المغرب، النور أبو الحسن عليّ بن سعيد العنسي، فإنّه لما دخل مصر اشتاق إلى تلك المواطن الأندلسيّة الرائقة، ووصفها بالقصائد والمقطوعات الفائقة، وقد أسلفنا أيضاً فيما مرّ من هذا الكتاب بعض ما يتعلّق بمحاسن الأندلس، فليراجع في محلّه من هذا الكتاب.
قلت: وماذا عسى أن نذكر من محاسن قرطبة والزاهرة والزهرا، أو نصف من محاسن الأندلس التي تبصر بكل موضع منها ظلاًّ ضافياً ونهراً وزهرا، ويرحم الله تعالى أديبها المشهور، الذي اعترف له بالسبق الخاصة والجمهور، أبا إسحاق ابن خفاجة، إذ قال:
يا أهل أندلسٍ لله درّكمماءٌ وظلٌ وأنهارٌ وأشجار
ما جنّة الخلد إلى في دياركمولو تخيّرت هذا كنت أختار
لا تحسبوا في غدٍ أن تدخلوا سقراًفليس تدخل بعد الجنّة الناري ويروى مكان قوله:
ولو تخيرت هذا كنت أختار ...
ما مثاله:
وهذه كنت لو خيّرت أختار ... وكذا رأيت بخط الحافظ التّنسي، والأول رايته بخط العلاّمة الوانشريشي رحمهما الله تعالى.
وحكي أن الخليليّ لما قدم من الندلس رسولاً إلى سلطان المغرب أبي عنان فارس ابن السلطان أبي الحسن المريني أنشد بحضرة السلطان المذكور أبيات ابن خفاجة هذه كالمفتخر ببلاد الأندلس، فقال السلطان أبو عنان: كذب هذا الشاعر - يشير إلى كونه جعلها جنّة الخلد، وأنّه لو خير لاختارها على ما في الآخرة - وهذا خروج من ربقة الدين، ولا أقلّ من الكذب والإغراق، وإن جرت عادة الشعراء بذلك الإطلاق، فقال الخليليّ: يا مولانا، بل صدق الشاعر، لأنّها موطن جهاد، ومقارعة للعدوّ وجلاد، والنبي ﷺ الرؤوف الودود الرحيم العطوف، يقول: الجنّة تحت ظلال السيوف، فاستحسن منه هذا الكلام، ورفع عن قائل الأبيات الملام، وأجزل صلته، ورفع منزلته. ولعمري إن هذا الجواب، لجدير بالصواب، وهكذا ينبغي أن تكون رسل الملوك في الافتنان، روّح الله تعالى أرواح الجميع في الجنان.
[قصائد لابن خفاجة]
وأبو إسحاق ابن خفاجة كان أوحد الناس في وصف الأنهار والأزهار والرياض والحياض والرياحين والبساتين، وقد سبق بعض كلامه، ويأتي أيضاً منه بعضٌ أثناء الكتاب، ومن ذلك قوله:
وكمامةٍ حدر الصباح قناعهاعن صفحة تندى من الأزهار
في أبطحٍ رضعت ثغور أقاحهأخلاف كلّ غمامةٍ مدرار
نثرت بحجر الأرض فيه يد الصّبادرر النّدى ودراهم النّوّار
وقد ارتدى غصن النّقا، وتقلّدتحلي الحباب سوالف الأنهار
فحللت حيث الماء صفحة ضاحكجذلٍ وحيث الشّطّ بدء عذار
والريح تنفض بكرةً لمم الرّبىوالطّلّ ينضح أوجه الأشجار
متقسّم الألحاظ بين محسنٍمن ردف رابيةٍ وخضر قرار
وأراكة سجع الهديل بفرعهاوالصبح يسفر عن جبين نهار
هزّت له أعطافها ولربّماخلعت عليه ملاءة الأنوار وقوله:
سقياً ليوم قد أنخت بسرحةٍريّا تلاعبها الرياح فتلعب
سكرى يغنّيها الحمام فتنثنيطرباً ويسقيها الغمام فتشرب
يلهو فترفع للشبيبة رايةٌفيه، ويطلع للبهارة كوكب
والروض وجهٌ أزهرٌ، والظلّ فرعٌ أسودٌ، والماء ثغرٌ أشنب
في حيث أطربنا الحمام عشيّةًفشدا يغنّينا الحمام المطرب
واهتزّ عطف الغصن من طرب بناوافترّ عن ثغر الهلال المغرب
فكأنّه والحسن مقترنٌ بهطوقٌ على برد الغمامة مذهب
في فتيةٍ تسري فينصدع الدّجىعنها، وتنزل بالجديب فيخصب
كرموا فلا غيث السّماحة مخلفٌيوماً، ولا برق اللطافة خلّب
من كل أزهر للنعيم بوجههماء يرقرقه الشّباب فيسكب وقال يمدح الأمير أبا يحيى بن ابراهيم:
سمح الخيال على النوى بمزاروالصبح يمسح عن جبين نهار
فرفعت من ناري لضيف طارقيعشو إليها من خيال طاري
ركب الدّجى أحسن به من مركبٍوطوى السّرى أحسن به من ساري
وأناخ حيث دموع عيني منهليروي، وحيث حشاي موقد نار
وسقى فأروى غلّة من ناهلأورى بجانحتيه زند أوار
يلوي الضلوع من الولوع لخطرةمن شيم برق أو شميم عرار
مترقّبٌ رسل الرياح عشيّةًبمساقط الأنواء والأنوار
ومجرّ ذيل غمامة لبست بهوشي الحباب معاطف الأنهار
خفقت ظلال الأيك فيه ذوائباًوارتجّ ردفاً مائج التّيّار
ولوى القضيب هناك جيداً أتلعاًقد قبّلته مباسم النّوّار
باكرته والغيم قطعة عنبرمشبوبةٌ والبرق لفحة نار
والريح تلطم فيه أرداف الرّبىلعباً وتلثم أوجه الأزهار
ومنابر الأشجار قد قامت بهاخطباء مفصحةٌ من الأطيار
في فتية جنبوا العجاجة ليلةًولربّما سفروا عن الأقمار
ثار القتام بهم دخاناً وارتمىزند الحفيظة منهم بشرار
شاهدت من هيئاتهم وهباتهمإشراف أطوادٍ وفيض بحار
من كلّ منتقبٍ بوردة خجلةكرماً ومشتمل بثوب وقار
في عمّةٍ خلعت عليه للمّةٍوذؤابة قرنت بها لعذار
ضافي رداء المجد طمّاح العلاطامي عباب الجود رحب الدار
جرّار أذيال المعالي والقناحامي الحقيقة والحمى والجار
طرد القنيص بكلّ قيد طريدةٍزجل الجناح مورّد الأظفار
ملتفّة أعطافه بجبيرةٍمكحولة أجفانه بنضار
يرمى به الأمل القصيّ فينثنيمخضوب راء الظّفر والمنقار
وبكلّ نائي الشّوط أشدق أخزرطاوي الحشا حالي المقلّد ضاري
يفترّ عن مثل النّصال، وإنّمايمشي على مثل القنا الخطّار
مستقرياً أثر القنيص على الصّفاوالليل مشتمل بشملة قار
من كلّ مسودّ تلهّب طرفهترميك فحمته بشعلة نار
ومورّس السّربال يخلع قدّهعن نجم رجمٍ في سماء غبار
يستنّ في سطر الطريق وقد عفاقدماً فتقرأ أحرف الآثار
عطف الضمور سراته فكأنّهوالنّقع يحجبه هلال سرار
ولربّ روّاغٍ هنالك أنبطٍذلق المسامع أطلس الأطمار
يجري على حذر فيجمع بسطهيهوي فينعطف انعطاف سوار
ممتدّ حبل الشأو يعسل رائغاًفيكاد يفلت أيدي الأقدار
وعنا الزمان لأمره فكأنماأصغى الزمان به أمار
متردّد يرمي به خوف الرّدىكرة تهادتها أكفّ قفار
ولربّ طيّارٍ خفيفٍ قد جرىفشلاً بجارٍ خلفه طيّار
من كلّ قاصرة الخطا مختالةمشي الفتاة تجرّ فضل إزار
مخضوبة المنقار تحسب أنّهاكرعت على ظمإ بكأس عقار
ولو استجارت منهما بحمى أبييحيى لآمنها أعزّ جوار
خدم القضاء مراده فكأنّماملكت يداه أعنّة الأقدار
وجلا الإمارة في رفيف نضارةٍجلت الدّجى في حلّة الأنوار
في حيث وشّح لبّةً بقلادةٍمنها وحلّى معصماً بسوار
جذلان يملأ منحةً وبشاشةًأيدي العفاة وأعين الزّوّار
أرج النّديّ بذكره فكأنّهمتنفّسٌ عن روضةٍ معطار
بطل حوى الفلك المحيط بسرجهواستلّ صارمه يد المقدار
بيمينه يوم الوغى وشمالهما شاء من نارٍ ومن إعصار
والسّمر حمرٌ، والجياد عوابسٌوالجوّ كاسٍ، والسيوف عواري
والخيل تعثر في شبا شوك القناقصداً وتسبح في الدم الموّار
والبيض تحنى في الطلى فكأنّماتلوى عرىً منها على أزرار
والنقع يكسر من سنا شمس الضحىفكأنّه صدأ على دينار
صحب الحسام النّصر صحبة غبطةٍفي كفّ صوّالٍ به سوّار
ومضى وقد ملكه هزّة عزّةٍتحت العجاج وضحكة استبشار وقال رحمه الله تعالى:
وأراكةٍ ضربت سماء فوقناتندى وأفلاك الكؤوس تدار
حفّت بدوحتها مجرّة جدولٍنثرت عليه نجومها الأزهار
وكأنّها وكأنّ جدول مائهاحسناء شدّ بخصرها زنّار
زفّ الزجاج بها عروس مدامةٍتجلى ونوّار الغصون نثار
في روضة جنح الدّجى ظلٌّ بهاوتجسّمت نوراً بها الأنوار
غنّاء ينشر وشيه البزّاز ليفيها ويفتق مسكه العطّار
قام الغناء بها وقد نضح النّدىوجه الثرى واستيقظ النّوّار
والماء في حلي الحباب مقلّدزرّت عليه جيوبها الأشجار وقال ملتزماً ما لا يلزم:
خذها إليك وإنّها لنضيرةطرأت إليك قليلة النّظراء
حملت وحسبك بهجةً من نفحةٍعبق العروس وخجلة العذراء
من كل وارسة القميص كأنّمانشأت تعلّ بريقة الصّفراء
نجمت تروق بها نجوماً حسبهابالأيكة الخضراء من خضراء
وأتتك تسفرعن وجوهٍ طلقةٍوتنوب من لطفٍ عن الشعراء
يندى بها وجه النّدى ولربّمابسطت هناك أسرّة السرّاء
فاستضحكت وجه الدجى مقطوعةحملت جمال الغرّة الغرّاء وقال أيضاً:
وصدر نادٍ نظمناله القوافي عقدا
في منزل قد سحبنابظلّه العزّ بردا
تذكو به الشّهب جمراًويعبق الليل ندّا
وقد تأرّج نورٌغضٌّ يخالط وردا
كما تنفّس ثغرٌعذبٌ يقبّل خدّا وقال من قصيدة يصف منتزهاً:
يا ربّ وضّاح الجبين كأنّمارسم العذار بصفحتيه كتاب
تغرى بطلعته العيون مهابةًوتبيت تعشق عقله الألباب
خلعت عليه من الصباح غلالةتندى ومن شفق المساء نقاب
فكرعت من ماء الصّبا في منهلٍقد شفّ عنه من القميص سراب
في حيث للريح الرّخاء تنفّسٌأرجٌ، وللماء الفرات عباب
ولربّ غضّ الجسم مدّ بحوضهسبحاً كما شقّ السّماء شهاب
ولقد أنخت بشاطئيه يهزّنيطرباً شبابٌ راقني وشراب
وبكيت دجلته يضاحكني بهامرحاً حبيبٌ شاقني وحباب
تجلى من الدنيا عروسٌ بينناحسناء ترشف والمدام رضاب
ثم ارتحلت وللنهار ذؤابةٌشيباء تخضب والظلام خضاب
تلوي معاطفي الصبابة والصّباوالليل دون الكاشحين حجاب وقال:
مرّ بنا وهو بدر تمّيسحب من ذيله سحابا
بقامةٍ تنثني قضيباًوغرّةٍ تلتظي شهابا
يقرأ والليل مدلهمّلنور إجلائه كتابا
وربّ ليل سهرت فيهأزجر من جنحه غرابا
حتى إذا الليل مال سكراًوشقّ سرباله وجابا
وحام من سدفةٍ غرابٌطالت به سنّه فشابا
ازددت من لوعتي خبالاًفحثّ من غلّتي شرابا
وما خطا قادماً فوافىحتى انثنى ناكصاً فآبا
وبين جفنيّ بحر شوقٍيعبّ في وجنتي عبابا
قد شبّ في وجهه شعاعوشبّ عن قلبي التهابا
وروضة طلقة حياءغنّاء مخضرّة جنابا
ينجاب عن نورها كمامٌيحطّ عن وجهه نقابا
بات بها مبسم الأقاحييرشف من طلّها رضابا
ومن خفوق البروق فيهاألويةٌ حمّرت خضابا
كأنّها أنملٌ واردٌتحصر قطر الحيا حسابا وله أيضاً:
رحلت عنكم ولي فؤادٌتنقض أضلاعه حنينا
أجود فيكم بعلق دمعكنت به قبلكم ضنينا
يثور في وجنتيّ جيشاًوكان في جفنه كميناً
كأنني بعدكم شمالقد فارقت منكم يمينا وقال:
فيا لشجا صدر من الصبر فارغٍويا لقذى طرفٍ من الدمع ملآن
ونفسٍ إلى جوّ الكنيسة صبّةٍوقلبٍ إلى أفق الجزيرة حنّان
تعوّضت من واهاً بآهٍ ومن هوىًبهونٍ ومن إخوان صدق بخوّان
وما كلّ بيضاءٍ تروق بشحمةٍوما كلّ مرعىً ترتعيه بسعدان
فيا ليت شعري هل لدهري عطفةًفتجمع أوطاري عليّ وأوطاني
ميادين أوطاري ولذة لذتيومنشأ تهيامي وملعب غزلاني
كأن لم يصلني في ظبيٌ يقوم ليلماه وصدغاه براحي وريحاني
فسقياً لواديهم وإن كنت إنّماأبيت لذكراه بغلّة ظمآن
فكم يوم لهوٍ قد أدرنا بأفقهنجوم كؤوسٍ بين أقمار ندمان
شطر أولشطر ثاني
وللقضب والأطيار ملهىً بجزعهفما شئت من رقصٍ على رجع ألحان
وبالحضرة الغرّاء غرٌّ علقتهفأحببت حبّاً فيه قضبان نعمان
رقيق الحواشي في محاسن وجههومنطقه مسلى قلوبٍ وآذان
أغار لخدّيه على الورد كلمابدا ولعطفيه على غصن البان
وهبني أجني ورد خدّ بناظريفمن اين لي منه بتفّاح لبنان
يعللني منه بموعد رشفةٍخيالٌ له يغري بمطلٍ وليّان
حبيب عليه لجّة من صوارمعلاها حبابٌ من أسنّة مرّان
تراءى لنا في مثل صورة يوسفٍتراءى لنا في مثل ملك سليمان
طوى برده منها صحيفة فتنةٍقرأنا لها من وجهه سطر عنوان
محبّته ديني ومثواه كعبتيورؤيته حجّي وذكراه قرآني وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وليلٍ تعاطينا المدام وبينناحديثٌ كما هبّ النسيم على الورد
نعاوده والكأس يعبق نفحهوأطيب منها ما نعيد وما نبدي
ونقلي أقاح الثّغر أو سوسن الطّلىونرجسة الأجفان أو وردة الخدّ
إلى أن سرت في جسمه الكاس والكرىومالا بعطفيه فمال على عضدي
فأقبلت أستهدي لما بين أضلعيمن الحرّ ما بين الثّنايا من البرد
وعاينته قد سلّ من وشي بردهفعانقت منه السيف سلّ من الغمد
ليان مجسّ واستقامة قامةٍوهزّة أعطافٍ ورونق إفرند
أغازل منه الغصن في مغرس النّقاوألثم وجه الشمس في مطلع السعد
فإن لم يكنها أو تكنه فإنّهأخوها كما قدّ الشراك من الجلد
تسافر كلتا راحتيّ بجسمهفطوراً إلى خصرٍ وطوراً إلى نهد
فتهبط من كشحيه كفٌّ تهامةًوتصعد من نهديه أخرى إلى نجد وقال أيضاً:
ورداء ليل بات فيه معانقيطيفٌ ألمّ لظبية الوعساء
فجمعت بين رضابه وشرابهوشربت من ريق ومن صهباء
ولثمت في ظلماء ليلة وفرهشفقاً هناك لوجنةٍ حمراء
والليل مشمطّ الذوائب كبرةًخرف يدبّ على عصا الجوزاء
ثمّ انثنى والصبح يسحب فرعهويجرّ من طربٍ فضول رداء
تندى بفيه أقحوانة أجرعٍقد غازلتها الشمس غبّ سماء
وتميس في أثوابه ريحانةكرعت على ظمإ بجدول ماء
نفّاحة الأنفاس إلا أنّهاحذر النّدى خفّاقة الأفياء
فلويت معطفها اعتناقاً حسبنافيه بقطر الدّمع من أنواء [قصيدتان لابن سعيد]
وكان المعتمد بن عباد رحمه الله تعالى كثيراً ما ينتاب وادي الطلح مع رميكيته، وأولي أنسه ومسرته، وهو واد بشرف إشبيلية ملتفّ الأشجار، كثير ترنم الأطيار، وفيه يقول نور الدين ابن سعيد:
سائل بوادي الطّلح ريح الصّباهل سخّرت لي من زمان الصّبا
كانت رسولاً فيه ما بيننالن نأمن الرّسل ولن نكتبا
يا قاتل الله أناساً إذاما استؤمنوا خانوا فما أعجبا
هلاّ راعوا أنّا وثقنا بهموما اتّخذنا عنهم مذهبا
يا قاتل الله الذي لم يتبمن غدرهم من بعد ما جرّبا
واليمّ لا يعرف ما طعمهإلاّ الذي وافى لأن يشربا
دعني من ذكر الوشاة الألىلمّا يزل فكري بهم ملهبا
واذكر بوادي الطلح عهداً لنالله ما أحلى وما أطيبا
بجانب العطف وقد مالت الأغصان والزهر يبثّ الصّبا
والطير مازت بين ألحانهاوليس إلا معجباً مطربا
وخانني من لا أسميه منشحّ أخاف الدهر أن يسلبا
قد أترع الكأس وحيّا بهاوقت أهلاً بالمنى مرحبا
أهلاً وسهلاً بالذي شئتهيا بدر تمّ مهدياً كوكبا
لكنّني آليت أسقى بهاأو تود عنها ثغرك الأشنبا
فمجّ لي في الكأس منثغرهما حبّب الشرب وما طيّبا
وقال ها لثمي نقلاً ولاتشمّ إلا عرفي الأطيبا
واقطف بخدّي الورد والآس والنّسرين لا تحفل بزهر الرّبى
أسعفته غصناً غدا مثمراًومن جناه ميسه قرّبا
قد كنت ذا نهيٍ وذا إمرةٍحتى تبدّى فحللت الحبا
ولم أصن عرضي في حبّهولم أطع فيه الذي أنّبا
حتى إذا ما قال لي حاسدٌترجوه والكوكب أن يغربا
أرسلت من شعري سحراً لهييسّر المرغب والمطلبا
وقال عرّفه بأنّي سأحتال فما أجتنب المكتبا
فزاد في شوقي له وعدهولم أزل مقتعداً مرقبا
أمدّ طرفي ثم أثنيه منخوف أخي التنغيص أن يرقبا
أصدّق الوعد وطوراً أرىتكذيبه والحرّ لن يكذبا
أتى ومن سخّره بعدماأيأس بطءٌ كاد أن يغضبا
قبلت في الترب ولم أستطعمن حصر اللّقيا سوى مرحبا
هنأت ربعي إذ غدا هالةًوقلت يا من لم يضع أشعبا
بالله مل معتنقاً لاثماًفمال كالغصن ثنته الصّبا
فقال ما ترغب قلت اتّئدأدركت إذ كلّمتني المرغبا
فقال لا مذهب عن ذكر ماترغبه قلت إذن مركبا
وكان ما كان فوالله ماذكرته دهري أو أغلبا
وستأتي هذه القصيدة بكاملها في جملة من نظم ابن سعيد المذكور.
وقال يتشوق إلى إشبيلية، وهو حمص الأندلس:
أنّ الخليج وغنّت الورقاءهل برّحا إذ هاجت البرحاء
أنا منكما أولى بحلية عاشقٍأفنى وما نمّت بي الصعداء
أخشى الوشاة فما أفوه بلفظةٍوالكتم عند العاشقين عناء
لولا تشوّق أرض حمصٍ ما جرىدمعي ولا شمتت بي الأعداء
لم أستطع كتماً له فكأنّنيما كان لي كتمٌ ولا إخفاء
والبدر مهما رام كتماً من سرىفيه ينمّ على سراه ضياء
بلدٌ متى يخطر له ذكرٌ هفاقلبي وخان تصبّرٌ وعزاء
من بعده ما الصبح يشرق نورهعندي، ولا تتبدّل الظلماء
كم لي به من ذي وفاء لم يخنعهدي، وينمو بالوداد وفاء
فتراه إما مرّ ذكري سائلاًعن حالتي إن قلّت الأنباء
يمسي ويصبح في تذكّر مدّةيرضى بها الإصباح والإمساء
مع كل مبذول الوصال ممنّعٍمن غيرنا تسمو به الخيلاء
كالظبي، كالشمس المنيرة، كالنّقاكالغصن يثني معطفيه رخاء
يسعى براح كالشهاب، براحةكالبدر، والوجه المنير ذكاء
ما لان نحو الوصل حتى طال منهـ الهجر واتّصلت به البلواء
خير المحبّة ما تأتّت عن قلىًتدرى ببؤس الفاقة النّعماء
ما زلت أرقي بالقريض جنونهحتى استكان، وكان منه إباء
فظفرت منه بمدّة لو أنّهادامت لدامت لي بها السّرّاء
صفوٌ تكدّر بالتحرّك، ليتهما زال، لكن لا يردّ قضاء
إنّ الفراق هو المنيّة، إنّماأهل النّوى ماتوا وهم أحياء
لولا تذكّر لذّةٍ طابت لنابذرا الجزيرة حيث طاب هواء
وجرى النسيم على الخليج معطّراًوتبدّدت في الدّوحة الأنداء
ما كابدت نفسي أليم تفكّرألوى به عن جفني الإغفاء
يا نهر حمصٍ لا عدتك مسرّةٌماءٌ يسيل لديك أم صهباء
كلّ النفوس تهشّ فيك كأنّماجمعت عليك شتاتها الأهواء
ودّي إليك مع الزمان مجدّدٌما إن يحول تذكّرٌ وعناء
ولو أنّني لم أحي ذكراً للّذيأوليته ما كان فيّ حياء
ما كنت أطمع في الحياة لو أننيألقيت أن لا يسترو لقاء
غيري إذا ما بان حان، وإنّما ... أبقى حياتي، حين بنت، رجاء وسيأتي إن شاء الله تعالى لهذا النمط وغيره مزيد أثناء الكتاب، بحسب ما اقتضته المناسبة، والله تعالى المرجو في حسن المتاب، وهو سبحانه لا إله إلا هو الموفّق للصواب.
تم المجلد الأول
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع