من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٧)
روحي هرون وكليمي موسى ... نفسي فرعون والهوى هاماني وذكر بعض الثقات أن هذين البيتين يكتبان لمن به القولنج في كفه ويلحسهما، فإنّه يبرأ بإذن الله تعالى، قال وهو من المجرّبات.
وقد تأول بعض العلماء قول الشيخ رحمه الله تعالى بإيمان فرعون أن مراده بفرعون النفس بدليل ما سبق، وحكى في ذلك حكاية عن بعض الأولياء ممّن كان ينتصر للشيخ، رحمه الله تعالى.
[سعد الدين ابن الشيخ محيي الدين]
ولد للشيخ محيي الدين - رحمه الله تعالى - ابنه محمدٌ المدعوّ سعد الدين بملطية في رمضان سنة، ودرس، وقال الشعر الجيّد، وله ديوان شعر مشهور، وتوفّي بدمشق سنة سنة دخل هولاكو بغداد وقتل الخليفة الستعصم، ودفن المذكور عند والده بسفح قاسيون، وكان قدم القاهرة، وسكن حلبا، ومن شعره:
لمّا تبدّى عارضاه في نمطقيل ظلامٌ بضياء اختلط
وقيل سطر الحسن في خدّيه خطّوقيل نملٌ فوق عاجٍ انبسط
وقيل مسكٌ فوق وردٍ قد نقطوقال قوم: إنّها اللام فقط [حكاية عن ابن جزي]
قلت: تذكرت بهذا ما قاله الكاتب أبو عبد الله ابن جزيٍّ الأندلسي كاتب سلطان المغرب أبي عنان حين تنازع الكتّاب أرباب الأقلام والرؤساء أصحاب السيوف في تشبيه العذار، وقالت كل فرقة: لا نشبهه إلاّ بما هو مناسب لصنعتنا، فلمّا فرغوا قال ابن جزي:
أتى أولو الكتب والسيف الأولى عزموامن بعد سلمي على حربي وإسلامي
بكلّ معنىً بديعٍ في العذار علىما تقتضي منهم أفكار أحلامي
فقال ذو الكتب: لا أرضى المحارب فيتشبيهه لا وأنقاسي وأقلامي
وقال ذو الحرب: لا أرضى الكتائب فيتشبيهه ومظلاّتي وأعلامي
فقلت: أجمع بين المذهبين معاً ... باللاّم، فاستحسنوا التّشبيه باللام وهذه الغاية التي لا تدرك مع البديهة ولزوم ما لا يلزم.
رجع - ومن نظم سعد الدين قوله:
سهري من المحبوب أصبح مرسلاًوأراه متّصلاً بفيض مدامع
قال الحبيب: بأنّ ريقي نافعٌفاسمع رواية مالكٍ عن نافع ومن نظمه أيضاً قوله:
وقالوا: قصيرٌ شعر من قد هويتهفقلت: دعوني لا أرى منه مخلصا
محيّاه شمسٌ قد علت غصن قدّهفلا عجبٌ للظلّ أن يتقلّصا وقوله:
وربّ قاضٍ لنا مليحيعرب عن منطق لذيذ
إذا رمانا بسهم لحظٍقلنا له دائم النّفوذ وقوله:
لك والله منظرٌقلّ فيه المشارك
إنّ يوماً تكون فيهـ ليومٌ مبارك
ومن نظمه أيضاً ما كتب به إلى أخيه عماد الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي أفاض الله تعالى علينا من فتوحاته، قوله:
ما للنّوى رقّةٌ ترثي لمكتئبحرّان في قلبه والدمع في حلب
قد أصبحت حلبٌ ذات العماد بكم ... وجلّق إرمٌ هذا من العجب وتوفّي الشيخ عماد الدين بالصالحيّة سنة، ودفن بسفح قاسيون عند والده بتربة القاضي ابن الزكيّ، رحم الله تعالى الجميع.
وابن الزكيّ أيضاً محيي الدين.
ومن نظم سعد الدين المذكور في وسيم رآه بالزيادة في دمشق:
يا خليليّ في الزيادة ظبيٌسلبت مقلتاه جفني رقاده
كيف أرجو السّلوّ عنه وطرفيناظرٌ حسن وجهه في الزياده وله:
علقت صوفيّاً كبدر الدّجىلكنّه في وصلي الزاهد
يشهد وجدي بغرامي لهفديت صوفيّاً له شاهد وله أيضاً:
صبوت إلى حريريٍّ مليحتكرّر نحو منزله مسيري
أقول له: ألا ترثي لصبٍّعديم للمساعد والنصير
أقام ببابكم خمسين شهراًفقال: كذا مقامات الحريري وله:
وغزال من اليهود أتانيزائراً من كنيسه أو كناسه
بتّ أجني الشقيق من وجنتيهوأشمّ العبير من أنفاسه
واعتنقنا إذ لم نخف من رقيبوأمنّا الوشاة من حرّاسه
من رآني يظنّني لنحوليواصفراري علامة فوق راسه وله:
لي حبيبٌ بالنّحو أصبح مغرىفهو منّي بما أعانيه أدرى
قلت: ماذا تقول حين تنادييا حبيبي المضاف نحوك جهرا
قال لي: يا غلام، أو يا غلاميقلت: لبّيك ثم لبّيك عشرا وله أيضاً:
ساءلتني عن لفظةٍ لغويّةٍفأجبت مبتدئاً بغير تفكّر
خاطبتني متبسّماً فرأيتهامن نظم ثغرك في صحاح الجوهري وله:
وعلمت أنّ من الحديد فؤادهلمّا انتضى من مقلتيه مهنّدا
آنست من وجدي بجانب خدّهناراً ولكن ما وجدت بها هدى [رجع إلى الشيخ محيي الدين]
وقال الشيخ محيي الدين - أفاض الله تعالى علينا من أنواره، وكسانا بعض حلل وأسراره - إنّه بلغني في مكّة عن امرأة من أهل بغداد أنّها تكلمت فيّ بأمور عظيمة، فقلت: هذه قد جعلها الله تعالى سبباً لخير وصل إليّ فلأكافئنّها، وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما اعتمرت في رجب لها، ففعلت ذلك، فلمّا كان الموسم استدل علي رجل غريب، فسأله الجماعة عن قصده، فقال: رأيت بالينبع في الليلة التي بتّ فيها كأن آلافاً من الإبل أوقارها المسك والعنبر والجوهر
فعجبت من كثرته، ثم سألت: لمن هو فقيل: هو لمحمد بن عربي يهديه إلى فلانة؛ وسمى تلك المرأة ثم قال: وهذا بعض ما تستحق، قال سيدي ابن عربي: فلمّا سمعت الرؤيا واسم المرأة، ولم يكن أحد من خلق الله تعالى علم منّي ذلك، علمت أنّه تعريف من حانب الحق، وفهمت من قوله إن هذا بعض ما تستحق أنّها مكذوب عليها، فقصدت المرأة وقلت: اصدقيني، وذكرت لها ما كان من ذلك، فقالت: كنت قاعدة قبالة البيت، وأنت تطوف، فشكرك الجماعة الذين كنت فيهم، فقلت في نفسي: اللهم إنّي أشهدك أنّي قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين وفي يوم الخميس، وكنت أصومهما وأتصدّق فيهما، قال: فعلمت أن الذي وصل منّي إليها بعض ما تستحق فإنّها سبقت بالجميل، والفضل للمتقدّم.
ومن نظم الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى:
يا غاية السؤل والمأمول يا سنديشوقي إليك شديدٌ لا إلى أحد
ذبت اشتياقاً ووجداً في محبّتكمفآه من طول شوقي آه من كمدي
يدي وضعت على قلبي مخافة أنينشقّ صدري لمّا خانني جلدي
ما زال يرفعها طوراً ويخفضها ... حتى وضعت يدي الأخرى تشدّ يدي وحكى سبط ابن الجوزي عن الشيخ محيي الدين أنّه كان يقول: إنّه يحفظ الاسم الأعظم، ويقول: إنّه يعرف السيميا بطريق التنزل، لا بطريق التكسب، انتهى والله تعالى أعلم، والتسليم أسلم.
ومن نظم الشيخ محيي الدين قوله:
ما فاز بالتّوبة إلاّ الذيقد تاب قدماً والورى نوّم
فمن يتب أدرك مطلوبه ... من توبة الناس ولا يعلم وله، رحمه الله تعالى، من المحاسن ما لا يستوفى.
وأنشدني لنفسه بدمشق صاحبنا الصوفي الشيخ محمد بن سعد الكلشني - حفظه الله تعالى - قوله شيخنا: الحاتمي ... (الأبيات)؛ وأنشدني لنفسه:
أمولاي محيي الدين أنت الذي بدتعلومك في الآفاق كالغيث مذ همى
كشفت معاني كلّ علمٍ مكتّمٍ ... وأوضحت بالتحقيق ما كان مبهما وبالجملة فهو حجّة الله الظاهرة، وآيته الباهرة، ولا يلتفت إلى كلام من تكلّم فيه، ولله درّ السيوطي الحافظ فإنّه ألّف تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي ومقام هذا الشيخ معلوم، والتعريف به يستدعي طولاً، وهو أظهر من نار على علم.
وكان بالمغرب يعرف باب العربي بالألف واللام، واصطلح أهل المشرق على ذكره بغير ألف ولام، فرقاً بينه وبين القاضي أبي بكر ابن العربي.
وقال ابن خاتمة في كتابه مزية المريّة ما نصّه: محمد بن علي محمد الطائي الصوفي، من أهل إشبيلية، وأصله من مرسية، يكنى أبا بكر، ويعرف بابن العربي وبالحاتمي أيضاً، أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة بالأندلس، ثم رحل إلى المشرق حاجّاً فأدّى الفريضة، ولم يعد بعدها إلى الأندلس، وسمع الحديث من أبي القاسم الحرستاني ومن غيره، وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن ابن أبي نصر في شوّال سنة، وكان يحدّث بالإجازة العامّة عن أبي طاهر السّلفي، ويقول بها، وبرع في علم التصوّف، وله في ذلك تواليف كثيرة: منها " الجمع والتفصيل في حقائق التنزيل " و " الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة " وكتاب " كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى " وكتاب المعارف الإلهيّة وكتاب " الإسرا
إلى المقام الأسرى " وكتاب " مواقع النجوم ومطالع أهلّة أسرار العلوم " وكتاب " عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب " وكتاب " في فضائل مشيخة عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي "، والرسالة الملقّبة ب " مشاهد الأسرار القدسيّة ومطالع الأنوار الإلهيّة " في كتب أخر عديدة، وقدم على المريّة من مرسية مستهلّ شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وبها ألّف كتابه الموسوم ب " مواقع النجوم "، انتهى.
وفي الكتاب المسمى ب " الاغتباط بمعالجة ابن الخيّاط " تأليف شيخ الإسلام قاضي القضاة مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزابادي الصديقي صاحب القاموس، قدّس الله تعالى روحه، الذي ألّفه بسبب سؤالٍ سئل فيه عن الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي الطائي قدّس الله تعالى سرّه العزيز في كتبه المنسوبة إليه، ما صورته:
ما تقول السادة العلماء شدّ الله تعالى بهم أزر الدين، ولمّبهم شعث المسلمين، في الشيخ محيي الدين بن عربي في كتبه المنسوبة إليه كالفتوحات والفصوص، هل تحلّ قراءتها وإقراؤها ومطالعتها وهل هي الكتب المسموعة المقروءة أم لا أفتونا مأجورين جواباً شافياً لتحوزوا جميل الثواب، من الله الكريم الوهّاب، والحمد لله وحده.
فأجابه بما صورته: الحمد لله، اللهم أنطقنا بما فيه رضاك، الذي أعتقده في حال المسؤول عنه وأدين الله تعالى به، أنّه كان شيخ الطريقة حالاً وعلماً، وإمام الحقيقة حقيقة ورسماً، ومحيي رسوم المعارف فعلاً واسماً:
إذا تغلغل فكر المرء في طرفٍ ... من بحره غرقت فيه خواطره وهو عباب لا تكدره الدّلاء، وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء، وكانت
دعواته تخترق السبع الطّباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق، وإنّي أصفه وهو يقيناً فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أنّي ما أنصفته:
وما عليّ إذا ما قلت معتقديدع الجهول يظنّ العدل عدوانا
والله والله والله العظيم ومنأقامه حجّةً للدين برهانا
بأنّ ما قلت بعضٌ من مناقبه ... ما زدت إلاّ لعلّي زدت نقصانا وأما كتبه ومصنّفاته فالبحار الزواخر، التي لجواهرها وكثرتها لا يعرف لها أل ولا آخر، ما وضع الواضعون مثلها، وإنّما خصّ الله سبحانه بمعرة قدره أهلها، ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها، وتأمّل ما في مبانيها، انشرح صدره لحل المشكلات، وفك المعضلات، وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصّه الله تعالى بالعلوم اللدنية الربانية، ووقفت على إجازة كتبها للملك المعظم فقال في آخرها: وأجزته أيضاً أن يروي عني مصنّفاتي، ومن جملتها كذا وكذا، حتى عد نيّفاً وأربعمائة مصنف، منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى تفسير سورة الكهف عند قوله تعالى " وعلّمناه من لدنّا علماً " وتوفّي ولم يكمل، وهذا التفسير كتاب عظيم، كل سفر بحر لا ساحل له، ولا غرو فإنّه صاحب الولاية العظمة، والصديقية الكبرى، فيما نعتقد وندين الله تعالى به. وثم طائفة، في الغي حائفة، يعظمون عليه النكير، وربّما بلغ بهم الجهل إلى حد التكفير، وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها، ولم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها:
عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر هذا الذي نعلم ونعتقد، وندين الله تعالى به في حقه، والله ﷾ أعلم، وصورة استشهاده: كتبه محمد الصديقي الملتجئ إلى حرم الله تعالى
عفا الله عنه.
وأما احتجاجه بقول شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام شيخ مشايخ الشافعية فغير صحيح، بل كذب وزور، فقد روينا عن شيخ الإسلام صلاح الدين العلائي عن جماعة من المشايخ كلّهم عن خادم الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام أنّه قال: كنّا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق، فقال بعضهم: هل هي عربية أو عجميّة فقال بعض الفضلاء: إنّما هي فارسيّة معرّبة، أصلها زن دين، أي على دين المرأة، وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان، فقال بعضهم: مثل من فقال آخر إلى جانب الشيخ: مثل ابن عربي بدمشق، فلم ينطق الشيخ ولم يردّ عله، قال الخادم: وكنت صائماً ذلك اليوم، فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه، فحضرت ووجدت منه إقبالاً ولطفاً، فقلت له: يا سيّدي، هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا فقال: ما لك ولهذا كل، فعرفت أنّه يعرفه، فتركت الأكل وقلت له: لوجه الله تعالى عرّفني به، من هو فتبسّم، رحمه الله تعالى، وقال لي: الشيخ محيي الدين بن عربي، فأطرقت ساكتاً متحيراً، فقال: ما لك فقلت: يا سيّدي، قد حرت، قال: لم قلت: أليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي وأنت ساكت فقال: آسكت، ذلك مجلس الفقهاء؛ هذا الذي روي لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام.
وأمّا قول غيره من أضراب الشيخ عز الدين فكثير، كان الشيخ كمال الدين الزملكاني من أجلّ مشايخ الشام أيضاً يقول: ما أجهل هؤلاء! ينكرون على الشيخ محيي الدين بن عربي لأجل كلمات وألفاظ وقعت في كتبه قد قصرت أفهامهم عن درك معانيها، فليأتوني لأحلّ لهم مشكله، وأبين لهم مقاصده، بحيث يظهر لهم الحق، ويزول عنهم الوهم.
وهذا القطب سعد الدين الحموي سئل عن الشيخ محيي الدين بن عربي لمّا
رجع من الشام إلى بلاده: كيف وجدت ابن عربي فقال: وجدته بحراً زخّاراً لا ساحل له.
وهذا الشيخ صلاح الدين الصّفدين له كتاب جليل وضعه في تاريخ علماء العالم في مجلدات كثيرة، وهي موجودة في خزانة السلطان، تنظر في باب الميم ترجمة محمد بن عربي لتعرف مذاهب أهل العلم الذين باب صدورهم مفتوح لقبول العلوم اللدنية والمواهب الربانية.
وقوله في شيء من الكتب المصنّفة كالفصوص وغيره: إنّه صنّفه بأمر من الحضرة الشريفة النبويّة، وأمره بإخراجه إلى الناس، قال الشيخ محيي الدين الذهبي حافظ الشام: ما أظن المحيي يتعمّد الكذب أصلاً؛ وهو من أعظم المنكرين وأشدهم على طائفة الصوفية.
ثمّ إن الشيخ محيي الدين، رحمه الله تعالى، كان مسكنه ومظهره بدمشق، وأخرج هذه العلوم إليهم، ولم ينكر عليه أحد شيئاً من ذلك، وكان قاضي القضاة الشافعيّة في عصره شمس الدين أحمد الخويّي يخدمه خدمة العبيد، وقاضي القضاة المالكيّة زوّجه بابنته، وترك القضاء بنظرة وقعت عليه من الشيخ.
وأمّا كراماته ومناقبه فلا تحصرها مجلّدات، وقول المنكرين في حقّ مثله غثاء وهباء لا يعبأ به، والحمد لله تعالى، انتهى ما نقلته من كلام العارف بالله تعالى سيدي عبد الوهاب الشعراني، رضي الله تعالى عنه.
وقد حكى الشيخ رضي الله تعالى عنه، عن نفسه في كتبه ما يبهر الألباب، وكفى بذلك دليلاً على ما منحه الله، الذي يفتح لمن شاء الباب، وقد اعتنى بتربته بصالحيّة دمشق سلاطين بني عثمان، نصرهم الله تعالى، على توالي الأزمان، وبنى عليه السلطان المرحوم سليم خان المدرسة العظيمة، ورتب له الأوقاف، وقد زرت قبره وتبركت به مراراً، ورأيت لوائح الأنوار عليه
ظاهرة، ولا يجد منصف محيداً إلى إنكار ما يشاهد عند قبره من الأحوال الباهرة، وكانت زيارتي له بشعبان ورمضان وأول شوال سنة.
وقال في عنوان الدراية: إن الشيخ محيي الدين كان يعرف بالأندلس بابن سراقة، وهو فصيح اللسان، بارع فهم الجنان، قوي على الإيراد، كلّما طلب الزيادة يزاد، رحل إلى العدوة، ودخل بجاية في رمضان سنة، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعةً من الأفاضل، ولمّا دخل بجاية في التاريخ المذكور قال: رأيت ليلة أنّي نكحت نجوم السماء كلّها، فما بقي منها نجم إلاّ نكحته بلذّة عظيمة روحانيةّ، ثمّ لمّا كملت نكاح النجوم أعطيت الحروف فنكّحتها، ثمّ عرضت رؤياي هذه على من قصّها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، وقلت للّذي عرضتها عليه: لا تذكرني، فلمّا ذكر الرؤيا استعظمها وقال: هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره، صاحب هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلويّة وعلوم الأسرار وخواص الكواكب ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه، ثم سكت ساعة، وقال: إن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة فهو ذاك الشاب الأندلسي الذي وصل إليها.
ثم قال صاحب العنوان ما ملخّصه: إن الشيخ محيي الدين رحل إلى المشرق، واستقرت به الدار، وألّف تواليفه، وفيها ما فيها، إن قيّض الله تعالى من يسامح ويتأول سهل المرام، وإن كان ممّن ينظر بالطاهر فالأمر صعب، وقد نقد عليه أهل الديار المصريّة وسعوا في إراقة دمه، فخلّصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي، فإنّه سعى في خلاصه وتأوّل كلامه، ولمّا وصل إليه بعد خلاصه قال له الشيخ، رحمه الله تعالى: كيف يحبس من حل منه اللاّهوت في الناسوت فقال له: يا سيّدي، تلك شطحت في محل سكر ولا عتب على سكران.
وتوفّي الشيخ محيي الدين في نحو الأربعين وستمائة، وكان يحدّث بالإجازة العامة عن السّلفي، رحمه الله تعالى، انتهى.
ومن موشّحات الشيخ محيي الدين رضي الله تعالى عنه قوله:
سرائر الأعيانلاحت على الأكوان للناظرين
والعاشق الغيرانمن ذاك في بحران يبدي الأنين
يقول والوجدأضناه والبعد قد حيّره
لمّا دنا البعدلم أدر من بعد من غيّره
وهيّم العبدوالواحد الفرد قد خيّره
في البوح والكتمانوالسرّ والإعلان في العالمين
أنا هو الديّانيا عابد الأوثان أنت الضّنين
كلّ الهوى صعبعلى الذي يشكو ذلّ الحجاب
يا من له قلبلو أنّه يذكو عند الشباب
قرّبه الرّبّلكنّه إفك فانو المتاب
وناد يا رحمنيا برّ يا منّان إنّي حزين
أضناني الهجرانولا حبيب دان ولا معين
فنيت باللهعمّا تراه العين من كونه
في موقف الجاهوصحت أين الأين في بينه
فقال: يا ساهيعاينت قط عين بعينه
أما ترى غيلانوقيس أو من كان في الغابرين
قالوا الهوى سلطانإن حلّ بالإنسان أفناه دين
كم مرّةٍ قالاأنا الذي أهوى من هو أنا
فلا أرى حالاولا أرى شكوى إلاّ الفنا
لست كمن مالاعن الّذي يهوى بعد الجنى
ودان بالسّلوانهذا هو البهتان للعارفين
سلوهم ما كانعن حضرة الرحمن والآفكين
دخلت في بستانالأنس والقرب كمكنسه
فقام لي الرّيحانيختال بالعجب في سندسه
أنا هو يا إنسانمطيّب الصّبّ في مجلسه
جنّان يا جنّاناجن من البستان الياسمين
وحلّل الرّيحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين وقال الإمام الصفي ابن ظافر الأزدي في رسالته: رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية وما وفّر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وكان غلب عليه التوحيد علماً وخلقاً وحالاً، لا يكترث بالوجود مقبلاً كان أو معرضاً، وله علماء أتباع أرباب مواجيد وتصانيف، وكان بينه وبين سيدي الأستاذ الحرار إخاء ورفقة في السياحات، رضي الله تعالى عنهما، انتهى.
وذكر الإمام سيّدي عبد الله بن سعد اليافعي اليمني في الإرشاد أنّه اجتمع مع الشهاب السّهروردي، فأطرق كل واحد منهما ساعة، ثم افترقا من غير كلام، فقيل للشيخ ابن عربي: ما تقول في السّهروردي فقال: مملوء سنّةً من قرنه إلى قدمه، وقيل للسّهروردي: ما تقول في الشيخ محيي
الدين فقال: بحر الحقائق.
ثم قال اليافعين ما ملخّصه: إن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ ويشرحه، فلمّا حضرته الوفاة نهى عن مطالعته، وقال: إنّكم لا تفهمون معاني كلامه، ثم قال اليافعي: وسمعت أن العز بن عبد السلام كان يطعن عليه ويقول: هو زنديق، فقال له بعض أصحابه: أريد أن تريني القطب، أو قال وليّاً، فأشار إلى ابن عربي، فقال له: فأنت تطعن فيه، فقال: أصون ظاهر الشرع، أو كما قال.
وأخبرني بهذه الحكاية غير واحد من ثقات مصر والشام، ثم قال: وقد مدحه وعظمه طائفة كالنجم الأصبهاني والتاج بن عطاء الله وغيرهما، وتوقّف فيه طائفة، وطعن فيه آخرون، وليس الطاعن فيه بأعلم من الخضر ﵇، إذ هو أحد شيوخه، له معه اجتماع كثير.
ثم قال: وما ينسب إلى المشايخ له محامل: الأول أنّه لم تصح نسبته إليهم، الثاني بعد الصحة يلتمس له تأويل موافق، فإن لم يوجد له تأويل في الظاهر فله تأويل في الباطن لم نعلمه، وإنّما يعلمه العارفون، الثالث: أن يكون ذلك صدر منهم في حال السكر والغيبة، والسكران سكراً مباحاً غير مؤاخذ ولا مكلّف، انتهى ملخّصاً.
وممّن ذكر الشيخ محيي الدين الإمام شمس الدين محمد بن مسدي في معجمه البديع المحتوي على ثلاث مجلدات، وترجمه ترجمة عظيمة مطولة أذكر منها أنّه قال: إنّه كان ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات، خاض بحر تلك العبارات، وتحقق بمحيّا تلك الإشارات، وتصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدّم والإقدام، ومواقف النهايات في مزالق الأقدام، ولهذا ما ارتبت في أمره، والله تعالى أعلم بسرّه، انتهى.
ونقلت من خط ابن علوان التونسي، رحمه الله تعالى: وقال الشيخ محيي الدين:
بالمال ينقاد كلّ صعبٍمن عالم الأرض والسماء
يحسبه عالمٌ حجاباًلم يعرفوا لذّة العطاء
لولا الذي في النفوس منهلم يجب الله في الدعاء
لا تحسب المال ما تراهمن عسجد مشرق لراء
بل هو ما كنت يا بنيبه غنيّاً عن السّواء
فكن بربّ العلا غنيّاًوعامل الخلق بالوفاء وقال:
نبّه على السّرّ ولا تفشهفالبوح بالسّرّ له مقت
على الذي يبديه فاصبر لهواكتمه حتى يصل الوقت وقال:
قد ثاب غلماننا علينافما لنا في الوجود قدر
أذنابنا صيّرت رؤوساًما لي على ما أراه صبر
هذا هو الدّهر يا خليلي ... فمن يقاسيه فهو قهر ونظم الشيخ محيي الدين هو البحر الذي لا ساحل له.
ولنختم ما أوردنا منه بقوله:
يا حبّذا المسجد من مسجدوحبّذا الروضة من مشهد
وحبّذا طيبة من بلدةٍفيها ضريح المصطفى أحمد
صلّى عليه الله من سيّدٍلولاه لم نفلح ولم نهتد
قد قرن الله به ذكرهفي كلّ يوم فاعتبر ترشد
عشرٌ خفيّاتٌ وعشرٌ إذاأعلنّ بالتأذين في المسجد
فهذه عشرون مقرونةبأفضل الذكر إلى الموعد
ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن علي الشّشتري، وهو علي ابن عبد الله النميري، عروس الفقهاء، وأمير المتجردين، وبركة لابسي الخرقة، وهو من قرية ششتر من عمل وادي آش، وزقاق الشّشتري معلوم بها، وكان مجوّداً للقرآن، قائماً عليه، عارفاً بمعانيه، من أهل العلم والعمل، جال الآفاق، ولقي المشايخ، وحجّ حجّات، وآثر التجرّد والعبادات.
وذكره القاضي أبو العباس الغبريني في عنوان الدراية فقال: الفقيه الصوفي، ومن الطلبة المحصّلين، والفقراء المنقطعين، له علم بالحكمة ومعرفة بطريق الصوفية، وتقدّم في النظم والنثر على طريقة التحقيق، وأشعاره وموشحاته وأزجاله الغاية في الانطباع.
أخذ عن القاضي محيي الدين محمد بن إبراهيم بن الحسن بن سراقة الأنصاري الشاطبي وغيره من أصحاب السّهروردي صاحب عوارف المعارف واجتمع بالنجم بن إسرائيل الدمشقي سنة، وخدم أبا محمد ابن سبعين، وتلمذ له، وكان ابن سبعين دونه في السن، لكن اشتهر باتباعه، وعول على ما لديه، حتى صار يعبّر عن نفسه في منظوماته وغيرها بعبد ابن سبعين، وقال له لما لقيه - يريد المشايخ -: إن كنت تريد الجنّة فسر إلى أبي مدين، وإن كنت تريد ربّ الجنّة فهلم إليّ، ولمّا مات أبو محمد انفرد بعده بالرئاسة والإمامة على الفقراء المتجرّدين، فكان يتبعه في أسفاره ما ينيّف على أربعمائة فقير فيتقسّمهم الترتيب في وظائف خدمته.
صنف كتباً: منها كتاب العروة الوثقى في بيان السنن وإحصاء العلوم وما يجب على المسلم أن يعمله ويعتقده إلى وفاته وله كتاب المقاليد الوجوديّة في أسرار الصوفي والرسالة القدسيّة في توحيد العامّة والخاصّة والمراتب
الإيمانيّة والإسلاميّة والإحسانيّة والرسالة العلميّة وغير ذلك.
وله ديوان شعر مشهور، ومن نظمه قوله، رحمه الله تعالى:
لقد تهت عجباً بالتجرد والفقرفلم أندرج تحت الزمان ولا الدهر
وجاءت لقلبي نفحةٌ قدسيةٌفغبت به عن عالم الخلق والأمر
طويت بساط الكون والطيّ نشرهوما القصد إلا الترك للطيّ والنشر
وغمّضت عين القلب غير مطلّقفألفيتني ذاك الملقّب بالغير
وصلت لمن لم تنفصل عنه لحظةونزّهت من أعني عن الوصل والهجر
وما الوصف إلاّ دونه غير أنّنيأريد به التشبيب عن بعض ما أدري
وذلك مثل الصوت أيقظ نائماًفأبصر أمراً جلّ عن ضابط الحصر
فقلت له الأسماء تبغي بيانهفكانت له الألفاظ ستراً على ستر وقال:
من لامني لو أنّه قد أبصراما ذقته أضحى به متحيّرا
وغدا يقول لصحبه إن أنتمأنكرتم ما بي أتيتم منكرا
شذّت أمور القوم عن عاداتهمفلأجل ذاك يقال سحرٌ مفترى وقال، وهي من أشهر ما قال:
أرى طالباً منّا الزّيادة لا الحسنىبفكرٍ رمى سهماً فعدّى به عدنا
وطالبنا مطلوبنا من وجودنا ... نغيب به عنّا لدى الصّعق إن عنّا وهي طويلة مشهورة بالشرق والغرب، وقد شرحها شيخ شيوخ شيوخنا
العارف بالله تعالى، سيّدي أحمد زرّوق، نفعنا الله تعالى ببركاته. وأشار ابن الخطيب في الإحاطة إلى أنّها لا تخلو عن شذوذ من جهة اللسان، وضعف في العربية، قال: ومع ذلك فهي غريبة المنزع، أشار فيه إلى مراتب الأعلام من أهل هذه الطريقة، وكأنّها مبنية على كلام شيخه الذي خاطبه به عند لقائه حسبما قدّمناه، إذ الحسنى: الجنّة، والزيادة: مقام النظر، وقوله فيها:
وأظهر منها الغافقيّ لنا جنىً ... وكشّف عن أطواره الغيم والدّجنا هو شيخه أبو محمد ابن سبعين لأنّه مرسيّ الأصل غافقيّه.
ولما وصل الشّشتري من الشام إلى ساحل دمياط وهو مريض مرض موته نزل قرية بساحل البحر الرومي فقال: ما اسم هذه القرية فقيل: الطينة، فقال: حنّت الطينة إلى الطينة، وأوصى أن يدفن بمقبرة دمياط، إذ الطينة بمفازة، وأقرب المدن إليها دمياط، فحمله الفقراء على أعناقهم إلى دمياط.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة، فدفن بدمياط، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
ومنهم سيدي أبو الحسن علي بن أحمد الحرالي الأندلسي - وحرالة: قرية من أعمال مرسية - غير أنّه ولد بمراكش، وأخذ بالأندلس عن أبي الحسن ابن خروف وغير واحد، ورحل إلى المشرق فأخذ عن أبي عبد الله القرطبي إمام الحرم وغيره، ولقي جلّةً من المشايخ شرقاً وغرباً.
وهو إمام ورع صالح زاهد، كان بقية السلف، وقدوة الخلف، وقد زهد في الدّنيا وتخلّى عنها، وأقام في تفسير الفاتحة نحواً من ستّة أشهر يلقي في التعليل قوانين تتنزّل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، حتى منّ الله تعالى ببركات ومواهب لا تحصى، وعلى أحكام تلك القوانين
وضع كتابه مفتاح اللّبّ المقفل على فهم القرآن المنزل وهو ممّن جمع العلم والعمل، وصنّف في كثير من الفنون كالأصلين والمنطق والطبيعيّات والإلهيّات، وكان يقرئ النجاة لابن سينا فينقضه عروة عروة، وكان من أعلم الناس بمذهب مالك، ولمّا ظنّ فقهاء عصره أنّه لا يحسن المذهب لاشتغاله بالمعقولات أقرأ التهذيب وأبدى فيه الغرائب، وبيّن مخالفته للمدوّنة في بعض المواضع، ووقع بينه وبين الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام شيء، وطلب عزّ الدين أن يقف على تفسيره، فلمّا وقف عليه قال: أين قول مجاهد أين قول فلان وفلان وكثر القول في هذا المعنى، ثم قال: يخرج من بلادنا إلى وطنه - يعني الشام - فلمّا بلغ كلامه الشيخ قال: هو يخرج وأقيم أنا، فكان كذلك. وله عدّة مؤلّفات في الفنون؛ وقال، رحمه الله تعالى: أقمت ملازماً لمجاهدة النفس سبعة أعوام، حتى استوى عندي من يعطيني دينارً ومن يزدريني. وأصبح - رحمه الله تعالى - ذات يوم ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم، وكانت أم ولده جارية تسمّى كريمة، وكانت سيّئة الخلق، فاشتدّت عليه في الطلب، وقالت له: إن الأصاغر لا شيء لهم، فقال: الآن يأتي من قبل الوكيل ما نتقوّت به، فبينما هم كذلك وإذا بالحمّال يضرب الباب ومعه قمح، فقال لها: يا كريمة، ما أعجلك، هذا الوكيل بعث بالقمح، فقالت: ومن يصنعه فأمر فتصدّق به، ثم قال لها: يأتيك ما هو أحسن منه، فانتظرت يسيراً، وبدا لها فتكلّمت بما لا يليق، فبينما هم كذلك، وإذا بحمّال سميذ، فقال لها: هذا السميذ أيسر وأسهل من القمح، فلم يقنعها ذلك، فأمر أيضاً بصدقته، فلمّا تصدّق به زادت في المقال، وإذا برجل على رأسه طعام، فقال لها: يا كريمة، قد كفيت المؤونة، هذا الوكيل قد علم بحالك.
ومن كراماته أن بعض طلبته اجتمعوا في نزهة، وأخذوا حلياً من زينة النساء، فزيّنوا به بعض أصحابهم، فلمّا انقضى ذلك واجتمعوا بمجلس الشيخ صار الذي كان في يده الحلي يتحدّث ويشير بيده، فقال الشيخ: يد يجعل
فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد.
ومنها أنّه أصاب الناس جدبٌ ببجاية، فأرسل إلى داره من يسوق ماء إلى الفقراء، فامتنعت كريمة، ونهرت رسله، فسمع كلامها، فقال للرسول: قل لها يا كريمة، والله لأشربنّ من ماء المطر الساعة، فرمق السماء بطرفه، ودعا الله ﷾، ورفع يده به، وشرع المؤذن في الأذان، ولم يختم المؤذن أذانه حتى كان المطر كأفواه القرب.
وتوفّي، رحمه الله تعالى، بحماة من بلاد الشام سنة سبع وثلاثين وستمائة؛ انتهى ملخّصاً من عنوان الدراية للغبريني.
ووقع للذهبي في حقّه كلام على عادته في الحطّ على هذه الطائفة، ثم قال: ورأيت شيخنا المجد التونسي يتغالى في تفسيره، رأيت غير واحد معظماً له وقوماً تكلّموا في عقيدته، وكان نازلاً عند قاضي حماة البارزي؛ وقال لها شرف الدين البارزي: تزوّج بحماة، وكانت زوجته تشتمه وتؤذيه وهو يتبسّم، وإن رجلاً راهن جماعةً على أن يحرجه، فقالوا: لا تقدر، فأتى وهو يعظ وصاح، وقال له: أنت أبوك كان يهوديّاً وأسلم، فنزل من الكرسي، فاعتقد الرجل أنّه غضب وأنّه تمّ له ما رامه حتى وصل إليه فخلع مرطيه عليه، وأعطاه إيّاهما، وقال له: بشّرك الله بالخير، لأنّك شهدت لأبي أنّه كان مسلماً، انتهى.
وظاهر كلام الغبريني أن تفسير الشيخ الحرالي كامل، وقال بعض: إنّه لم يكمل، وهو تفسير حسن، وعليه نسج البقاعيّ مناسباته، وذكر أن الذي وقف عليه منه من أوّل القرآن إلى قوله في سورة آل عمران " كلّما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقاً ".
وكلام الذهبي في الشيخ يرده كلام الغبريني، إذ هو أعرف به، والله تعالى أعلم.
وحكى الغبريني أنّه أنشد بين يديه الزجل المشهور:
جنّان يا جنّاناجن من البستان الياسمين
واترك الرّيحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين فسأل بعض عن معناه، فقال بعض الحاضرين: أراد به العذار، وقال آخر: إنّما أشار إلى دوام العهد، لأن الأزهار كلّها ينقضي زمانها إلاّ الرّيحان فإنّه دائم، فاستحسن الشيخ هذا أو وافق عليه.
ومنهم ولي الله العارف به الشيخ الشهير الكرامات، الكبير [المقامات] سيدي أبو العباس المرسي، نفعنا الله تعالى به. وهو من أكابر الأولياء، صحب سيدي الشيخ الفرد القطب الغوث الجامع سيدي أبا الحسن الشاذلي، أعاد الله تعالى علينا من بركاته، وخلفه بعده، وكان قدم من الأندلس من مرسية، وقبره بالإسكندرية مشهور بإجابة الدعوات، وقد زرته مراراً كثيرة، ودعوت الله عنده بما أرجو قبوله.
وقد عرّف به الشيخ العارف بالله ابن عطاء الله في كتابه لطائف المنن في مناقب الشيخ سيدي أبي العابس وشيخه سيدي أبي الحسن، رضي الله تعالى عنهما.
وقال الصفدي في الوافي: أحمد بن عمر بن محمد الشيخ الزاهد الكبير العارف أبو العباس، الأنصاري المرسي، وارث شيخه الشاذلي تصوّفاً، الأشعري معتقداً،
توفّي بالإسكندريّة سنة، ولأهل مصر ولأهل الثغر فيه عقيدة كبيرة، وقد زرته لما كنت بالإسكندرية سنة، قال ابن عرّام سبط الشاذلي: ولولا قوّة اشتهاره وكراماته لذكرت له ترجمة طويلة، كان من الشهود بالثغر، انتهى.
وكان سيّدي أبو العباس يكرّم الناس على نحو رتبهم عند الله تعالى، حتى إنّه ربّما دخل عليه مطيع في يحتفل به، ربّما دخل عليه عاصٍ فأكرمه، لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثّر لعمله ناظر لفعله، وذلك العاصي دخل بكسر معصيته وذلة مخالفته، وكان شديد الكراهة للوسواس في الصلاة والطهرة، ويثقل عليه شهود من كان على صفته، وذكر عنده يوماً شخصٌ بأنّه صاحب علم وصلاح، إلاّ أنّه كثير الوسوسة، فقال: وأين العلم العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض والسواد في الأسود.
وله كلام بديع في تفسير القرآن العزيز: فمن ذلك أنّه قال: قال الله ﷾ " الحمد لله ربّ العالمين " علم الله عجز خلقه عن حمده، فحمد نفسه بنفسه في أزله، فلمّا خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده، فقال " الحمد لله ربّ العالمين " أي: الحمد الذي حمد به نفسه بنفسه هو له، لا ينبغي أن يكون لغيره، فعلى هذا تكون الألف واللام للعهد. وقال في قوله تعالى " إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ": إيّاك نعبد شريعة، عبادة، وإيّاك نستعين عبوديّة، إيّاك نعبد فرق، وإيّاك نستعين جمع. وله في هذا المعنى وغيره كلام نفيس يدلّ على عظيم ما منحه الله سبحانه من العلوم اللدنية. وقال، رضي الله تعالى عنه، في قوله تعالى " اهدنا الصّراط المستقيم ": بالتثبيت فيما هو حاصل، والإرشاد لما ليس بحاصل؛ وهذا
الجواب ذكره ابن عطيّة في تفسيره، وبسطه الشيخ، رضي الله تعالى عنه، فقال: عموم المؤمنين يقولون " اهدنا الصّراط المستقيم " معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل، فإنّهم حصل لهم التوحيد، وفاتهم درجات الصالحين، والصالحون يقولون " اهدنا الصّراط المستقيم " معناه نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل، لأنّهم حصل لهم الصلاح، وفاتهم درجات الشهداء، والشهيد يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " درجة الشهادة، وفاته درجة الصديقية، والصديق كذلك يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " إذ حصلت له درجة الصديقية، وفاتته درجة القطب، والقطب كذلك يقول " اهدنا الصّراط المستقيم " فإنّه حصلت له رتبة القطبانية، وفاته علم إذا شاء الله تعالى أن يطلعه عليه أطلعه. وقال، رضي الله تعالى عنه: الفتوّة الإيمان، قال الله ﷾ " إنّهم فتيةٌ آمنوا بربّهم وزدناهم هدى " وقال، رضي الله تعالى عنه، في قوله ﷾ حاكياً عن الشيطان " ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم ... الأية " ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم لأن فوقهم التوحيد وتحتهم الإسلام. وقال، رضي الله تعالى عنه: التقوى في كتاب الله، ﷿، على أقسام: تقوى النّار، قال الله ﷾ " واتّقوا النّار " وتقوى اليوم، قال الله تعالى " واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، وتقوى الربوبية، قال الله تعالى " يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم " وتقوى الألوهية " واتّقوا الله " وتقوى الإنّية " واتّقوى يا أولي الألباب " وقال، رضي الله تعالى عنه، في قول رسول الله، ﷺ، " أنا سيّد ولد آدم ولا فخر " أي: لا أفتخر بالسّيادة، وإنّما الفخر لي بالعبودية لله، وكان كثيراً ما ينشد:
يا عمرو ناد عبد زهراءيعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدهافإنّه أشرف أسمائي وقال رضي الله تعالى عنه، في قول سمنون المحب:
وليس لي في سواك حظٌّ ... فكيفما شئت فاختبرني الأولى أن يقول: فكيفما شئت فاعف عني إذ طلب العفو أولى من طلب الاختبار. وقال رضي الله تعالى عنه: الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا. وقال رضي الله تعالى عنه: العارف لا دنيا له، لن دنياه لآخرته، وآخرته لربّه. وقال: الزاهد غريب في الدّنيا، لأن الآخرة وطنه، والعارف غريب في الآخرة.
قال بعض العارفين: معنى الغربة في كلام الشيخ، رضي الله تعالى عنه أن الزاهد يكشف له عن ملك الآخرة فتبقى الآخرة موطن قلبه ومعشّش روحه، فيكون غريباً في الدّنيا، إذ ليست وطناً لقلبه، عاين الآخرة فأخذ قلبه فيما عاين من ثوابها ونوالها، وفيما شهد من عقوبتها ونكالها، فتغرّب في هذه الدار. وأمّا العارف فإنّه غريب في الآخرة إذ كشف له عن صفات معروفة فأخذ قلبه فيما هناك، فصار غريباً في الآخرة، لأن سرّه مع الله تعالى، بلا أين، فهؤلاء العباد تصير الحضرة معشّش قلوبهم، إليها يأوون، وفيها يسكنون، فإن تنزلوا إلى سماء الحقوق، أو أرض الخصوص، فبالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، فلم ينزلوا إلى الخصوص لشهوة، ولم يصعدوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة، بل كانوا في ذلك كلّه بآداب الله تعالى وآداب رسله وأنبيائه متأدبين، وبما اقتضى منهم مولاهم عاملين، رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم آمين.
وكلام سيّدي الشيخ أبي العباس، رضي الله تعالى عنه، بحر لا ساحل له، وكراماته كذلك، ليراجع كتاب تلميذه ابن عطاء الله، فإن فيه من ذلك ما يشفي ويكفي، وما بقي أكثر.
ومن كراماته، رضي الله تعالى عنه، أنّه عزم عليه إنسان وقدّم إليه طعاماً يختبره به، فأعرض عنه ولم يأكله، ثم التفت إلى صاحب الطعام وقال له: إن الحارث المحاسبي، رضي الله تعالى عنه، كان في إصبعه عرق إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه، وأنا في يدي سبعون عرقاً تتحرّك عليّ إذا كان مثل ذلك، فاستغفر صاحب الطعام، واعتذر إلى الشيخ، رضي الله تعالى عنه، ونفعنا به.
ومنهم أبو إسحاق الساحلي، المعروف بالطّويجن - بضم الطاء المهملة، وفتح الواو، وسكون الياء التحتيّة، وكسر الجيم، وقيل بفتحها - العالم المشهور، والصالح المشكور، والشاعر المذكور، من أهل غرناطة من بيت صلاح وثروة وأمانة، وكان أبوه أمين العطّارين بغرناطة، وكان مع أمانته من أهل العلم فقيهاً متفنّناً، وله الباع المديد في الفرائض.
وأبو إسحاق هذا كان في صغره موثّقاً بسماط شهود غرناطة، وارتحل عن الأندلس إلى المشرق، فحجّ، ثم سار إلى بلاد السودان فاستوطنها، ونال جاهاً مكيناً من سلطانها، وبها توفّي، رحمه الله تعالى، انتهى ملخّصاً من كلام الأمير ابن الأحمر في كتابه نثير الجمان، فيمن نظمني وإيّاه الزمان.
وقال أبو المكارم منديل بن آخرّوم: حدّثني من يوثق بقوله أن أبا إسحاق الطّويجن كانت وفاته يوم الاثنين جمادى الأخيرة سنة بتنبكتو
موضع بالصحراء من عمالة مالي، رحمه الله تعالى، ثمّ ضبط الطويجن بكسر الجيم، قال: وبذلك ضبطه بخطّ يده، رحمه الله تعالى، قال: ومن نسبه للساحلي فإنّه نسبه لجدّه للأم، انتهى.
ومنهم الشيخ الأديب الفاضل المعمّر ضياء الدين أبو الحسن علي ابن محمد بن يوسف بن عفيف، الخزرجي، الساعدي، من أهل غرناطة، ويشهر بالخزرجي، ومولده ببيغة، رحل عن الأندلس قديماً واستقرّ أخيراً بالإسكندريّة، وبها لقيه الحافظ ابن رشيد غير مرّة، وقد أطال في رحلته في ترجمته، إلى أن قال: وذكره صاحبنا أبو حيان، وهو أحد من أخذ عنه ولقيه، فقال: تلا القرآن بالأندلس على أبي الوليد هشام بن واقف المقرئ، وسمع بها من أبي زيد الفازازي العشرينيّات، وسمع بمكّة من شهاب الدين السّهروردي صاحب " عوارف المعارف " وتلا بالإسكندريّة على أبي القاسم ابن عيسى، ولا يعرف له نظم في أحد من العالم إلاّ في مدح رسول الله، ﷺ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع