تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب السادس في ذكر بعض الوافدين (٥)

وقال غيره: إنه كان فاضلاً متواضعاً نزهاً حسن الاعتقاد، قال أبو المظفر: كان يحضر مجالسي، وأنشدني يوماً:

لم ألق مستكبراً إلا تحوّل ليعند اللقاء له الكبر الذي فيه
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «لم ألق مستكبرا إلا تحول لي»

ولا حلا لي من الدنّيا ولذّتها ... إلاّ مقابلتي للتيه بالتيه وقال السرخسي المذكور في رحلته: إني وإن كنت خراساني الطينة، لكني شامي المدينة، وإ، كانت العمومة من المشرق، فإن الخؤولة من المغرب، فحدث باعث يدعو إلى الحركات والأسفار، ومشاهدة الغرائب في النواحي والأقطار، وذلك في حال ريعان الشباب الذي تعضده عزائم النفوس بنشاطها، والجوارح بخفة حركاتها وانبساطها، فخرجت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة إلى زيارة البيت المقدس وتجديد العهد ببركاته، واغتنام الأجر في حلول بقاعه ومزاراته، ثم سرت منه إلى الديار المصرية، وهي آهلة بكل ما تتجمل به البلاد وتزدهي، وينتهي وصف الواصف لشؤونها ولا تنتهي، ثم دخلت الغرب من الإسكندرية في البحر ودخلت مدينة مراكش أيام السيد الإمام أمير المؤمنين

أبي يوسف يعقوب المنصور ابن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فاتصلت بخدمته، والذي علمت من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ متون الأحاديث ويتقنها، ويتكلم في الفقه كلاماً بليغاً، وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى، وله فتاوى مجموعة حسبما أدى إليه اجتهاده، وكان الفقهاء ينسبونه إلى مذهب الظاهر، وقد شرحت أحوال سيرته، وما جرى في أيام دولته، في كتاب التاريخ المسمى " عطف الذيل ". وقد صنف كتاباً يجمع فيه متون أحاديثٍ صحاح تتعلق بالعبادات سماه " الترغيب ". وتهدده ملك الإفرنج الفنش في كتابه فمزقه، وقال لرسوله: " ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنودٍ لا قبل لهم بها، ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون " إن شاء الله تعالى، ثم قال للكاتب: اكتب على هذه القطعة، يعني من كتابه الذي مزقه: الجواب ما ترى لا ما تسمع:

فلا كتب إلا المشرفّية والقنا ... ولا رسلٌ إلا الخميس العرمرم ومن شعره أبيات كتب بها إلى العرب، وهي:

يا أيها الراكب المزجي مطيّتهعلى عذافرة تشقى بها الأكم
بلّغ سليماً على بعد الديار بهابيني وبينكم الرحمن والرّحم
يا قومنا لا تشبّوا الحرب إن خمدتواستمسكوا بعرى الإيمان واعتصموا
كم جرّب الحرب من قد كان قبلكممن القرون فبادت دونها الأمم
حاشا الأعارب أن ترضى بمنقصةٍيا ليت شعري هل ترآهم علموا

يقودهم أرمنيٌّ لا خلاق له ... كأنه بينهم من جهلهم علم يعني بالأرمني قراقوش مملوك بني أيوب الذي كان ذهب إلى بلاد الغرب

الأدنى، وأوقد النار الحربية من طرابلس إلى تونس مع ابن غانية اللمتوني، وحديثه مشهور، وتمام الأبيات:

الله يعلم أنّي ما دعوتكمدعاء ذي قوّةٍ يوماً فينتقم
ولا لجأت لأمرٍ يستعان بهمن الأمور وهذا الخلق قد علموا
لكن لأجزي رسول الله عن نسبٍينمى إليه وترعى تلكم الذّمم

فإن أتيتم فحبل الوصل متصلٌ ... وإن أبيتم فعند السيف نحتكم ثم قال السرخسي: وبلغني أن قوماً من الغرباء قصدوه، ومعهم حيوانات معلمة منها أسد وغراب، أما الأسد فيقصده من دون أهل المجلس، ويربض بين يديه، وربما أومأ بالسجود ومد ذراعيه، وأما الغراب فكان يقول: النصر والتمكين لسيدنا أمير المؤمنين، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:

أنس الشبل ابتهاجاً بالأسدورأى شبه أبيه فقصد
للشاعر ابن الأشيري، اقرأ القصيدة
أنطق الخالق مخلوقاتهشهدوا والكلّ بالحقّ شهد
أنّك الخيرة من صفوتهبعدما طال على الناس الأمد فأعطاهم وكساهم، وأحسن حباهم

وبلغني أن قوماً أتوه بفيلٍ من بلاد السودان هدية، فأمر لهم بصلة، ولم يقبله منهم، وقال: نحن لا نريد أن نكون أصحاب الفيل.

وقال لي يوماً: كيف ترى هذه البلاد وأين هي من بلادك الشامية فقلت: يا سيدنا، بلادكم حسنة أنيقة مجملة مكملة، وفيها عيب واحد، فقال: ما هو فقلت: أنها تنسي الأوطان، فتبسم وظهر لي إعجابه

بالجواب، وأمر لي من غد بزيادة رتبة وإحسان.

وحدثني بعض عمالهم أنه فرق على الجند والأمراء والفقراء في عيد سنة أربع وتسعين ثلاثة وسبعين ألف شاة من ضأن ومعز.

ودرج إلى رحمة الله تعالى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكان قد استخلف ولده محمداً وقرر الأمر له، انتهى.

قلت: بهذا وأمثاله تعلم فساد ما زعمه غير واحد أن يعقوب المنصور هذا تخلى عن الملك، وفر زاهداً فيه إلى المشرق، وأنه دفن بالبقاع، لأن هذه مقالة عامية لا يثبتها علماء المغرب، وسبب هذه المقالة تولع العامة به، فكذبوا في موته، وقالوا: إنه ترك الملك، وحكوا ما شاع إلى الآن وذاع مما ليس له أصل. ويرحم الله تعالى الإمام العلامة القاضي الشريف الغرناطي شارح الخزرجية، إذ قال في شرح مقصورة حازم عند ذكره وقعة الأرك ما معناه: إن بعض الناس يزعمون أن المنصور ترك الملك وذهب إلى المشرق، وهذا كلام لا يصح، ولا أصل له. انتهى. وقال في " المغرب ": كان أبوه يوسف قد استوزره في حياته، وتخرج بين يديه، وتمرس، وهزم الفرنج الهزيمة العظيمة، وتولع بالعلم حتى نفى التقليد وحرق كتب المذاهب، وقتل على السكر، انتهى.

وحكى لسان الدين الوزير ابن الخطيب في شرح كتابه " رقم الحلل في نظم الدول " أن المنصور طلب من بعض أعيان دولته رجلين لتأديب ولده يكون أحدهما براً في عمله، والآخر بحراً في علمه، فجاءه بشخصين زعم أنهما على وفق مقترح المنصور، فلما اختبرهما لم يجدهما كما وصف، فكتب إلى الآتي بهما " ظهر الفساد في البر والبحر "، انتهى. وناهيك

بهذا دلالةً على قوة فطنته ومعرفته، رحمه الله تعالى.

رجع إلى أخبار السرخسي:

وقال في رحلته لما ذكر السيد أبا الربيع سليمان بن عبد الله أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، وكان في تلك المدة يلي مدينة سجلماسة وأعمالها: اجتمعت به حين قدم إلى مراكش بعد وفاة المنصور يعقوب لمبايعة ولده محمد، فرأيته شيخاً بهي المنظر، حسن المخبر، فصيح العبارة باللغتين العربية والبربرية، ومن كلامه في جواب رسالة إلى ملك السودان بغانة ينكر عليه تعويق التجار قوله: نحن نتجاور بالإحسان، وإن تخالفنا في الأديان، ونتفق على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية، ومعلوم أن العدل من لوازم الملوك في حكم السياسة الفاضلة، والجور لا تعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة، وقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده، وتردد الجلابة إلى البلد مفيد لسكانها، ومعين على التمكن من استيطانها، ولو شئنا لاحتبسنا من في جهاتنا من أهل تلك الناحية لكنا لا نستصوب فعله، ولا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله، والسلام.

ووقع إلى عامل له كثرت الشكاوى منه: قد كثرت فيك الأقوال، وإغضائي عنك رجاء أن تتيقظ فتنصلح الحال، وفي مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك نسبة إلى شر الاختيار وعدم الاختبار، فاحذر فإنك على شفا جرف هار.

ومن شعره المشهور قصيدة يمدح فيها ابن عمه المنصور يعقوب:

هبّت بنصركم الرياح الأربعوجرت بسعدكم النجوم الطّلّع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
واستبشر الفلك الأثير تيقناًأن الأمور إلى مرادك ترجع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
وأمدّك الرحمن بالفتح الذيملأ البسيطة نوره المتشعشع
لم لا وأنت بذلت في مرضاتهنفساً تفدّيها الخلائق أجمع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
ومضيت في نصر الإله مصمّماًبعزيمةٍ كالسيف بل هي أقطع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
لله جيشك والصوارم تنتضىوالخيل تجري والأسنّة تلمع
من كلّ من تقوى الإله سلاحهما إن له غير التوكّل مفزع
لا يسلمون إلى النوازل جارهميوماً إذا أضحى الجوار يضيّع ومنها يصف انهزام العدو:
إن ظنّ أن فراره منجٍ لهفبجهله قد ظنّ ما لا ينفع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
أين المفرّ ولا فرار لهاربٍوالأرض تنشر في يديك وتجمع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
أخلفية الله الرضى هنّيتهفتحٌ يمدّ بما سواه ويشفع
فلقد كسوت الدين عزّاً شامخاًولبست منه أنت ما لا يخلع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
هيهات سرّ الله أودع فيكموالله يعطي من يشاء ويمنع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
لكم الهدى لا يدّعيه سواكمومن ادعاه يقول ما لا يسمع
إن قيل من خير الخلائق كلّهافإليك يا يعقوب تومي الإصبع
إن كنت تتلو السابقين فإنّماأنت المقدّم والخلائق تبّع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
خذها أمير المؤمنين مديحةًمن قلب صدقٍ لم يشنه تصنّع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
واسلم أمير المؤمنين لأمةٍأنت الملاذ لها وأنت المفزع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
فالمدح منّي في علاك طبيعةٌوالمدح من غيري إليك تطبّع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
وعليك يا علم الهداة تحيةٌيفنى الزمان وعرفها يتضوّع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة

قال لي الفقيه أبو عبد الله محمد القسطلاني: دخلت إلى السيد أبي الربيع بقصرسجلماسة، وبين يديه أنطاع عليها رؤوس الخوارج الذين قطعوا الطريق على السفار بين سجلماسة وغانة، وهو ينكت الأرض بقضيب من الآبنوس، ويقول:

ولا غرو أن كانت رؤوس عداتهجواباً إذا كان السيوف رسائله ومات بعد الستمائة، رحمه الله تعالى، انتهى

وقال لما هجره أمير المؤمنين يعقوب المنصور، ووافق ذلك أن وفد على حضرة الخلافة مراكش جمع من العرب والغز من بلاد المشرق، ونزلوا بتمرتانسقت ظاهر مراكش، واستأذنوا في وقت الدخول، فكتب إلى المنصور:

يا كعبة الجود التي حجّت لهاعرب الشآم وغزّها والدّيلم
طوبى لمن أمسى يطوف بها غداًويحلّ بالبيت الحرام ويحرم

ومن العجائب أن يفوز بنظرةٍ ... من بالشآم ومن بمكّة يحرم فعفا عنه، وأحسن إليه، وأمره بالدخول بهم، والتقدم عليهم.

وقال في " المغرب " في حق السيد أبي الربيع المذكور، ما ملخصه: لم يكن في بني عبد المؤمن مثله في هذا الشأن الذي نحن بصدده، وكان تقدم على مملكتي سجلماسة وبجاية، وكان كاتباً شاعراً أديباً ماهراً، وشعره مدون، وله ألغاز،

وهو القائل في جارية اسمها ألوف:

خليليّ قولا أين قلبي ومن بهوكيف بقاء المرء من بعد قلبه
ولو شئتما إسم الذي قد هويتهلصحّفتما أمري لكم بعد قلبه وله الأبيات المشهورة التي منها:
أقول لركب أدلجوا بسحيرةقفوا ساعة حتى أزور ركابها
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
وأملأ عيني من محاسن وجههاوأشكو إليها أن طالت عتابها
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
فإن هي جادت بالوصال وأنعمتوإلا فحسبي أن رأيت قبابها وقال يخاطب ابن عمه يعقوب المنصور:
فلأملأن الخافقين بذكركمما دمت حيّاً ناظماً ومرسّلاً
ولأبذلن نصحي لكم جهدي وذاجهد المقلّ وما عسى أن أفعلا
ولأخلصنّ لك الدعاء، وما أناأهلٌ له، ولعلّه أن يقبلا وله مختصر كتاب " الأغاني " انتهى

رجع - وذكر السرخسي أيضاً في رحلته السد أبا الحسن علي بن عمر ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن، وقال في حقه: إنه كان من أهل الأدب والطرب، ولي بجاية مدة، ثم عزل عنها لإهماله وإغفاله وانهماكه في ملاذه، أنشدني محمد ابن سعيد المهدوي كاتبه قال: كتب الأمير أبو الحسن إلى أمير المؤمنين يعقوب يمدحه ويستزيده، ويطلب منه ما يقضي به ديونه:

وجوه الأماني بكم مسفرهوضاحكةٌ لي مستبشره
للشاعر ابن أبي حفص، من قصيدة «وجوه الأماني بكم مسفره»
ولي أملٌ فيكم صادقٌقريبٌ عسى الله قد يسّره
للشاعر ابن أبي حفص، من قصيدة «وجوه الأماني بكم مسفره»
عليّ ديون وتصحيفهاوعندكم الجود والمغفره يعني ذنوب

وحدثني الشيخ أبو الحسن ابن فشتال الكاتب وقد أنشدته:

أوحشتني ولو اطّلعت على الذي ... لك في ضميري لم تكن لي موحشا فقال: أنشدته هذا البيت في مجلس السيد أبي الحسن، فقال ولمن حضر: هل تعرفون لهذا البيت ثانياً فما فينا من عرفه، فأنشدنا:

أترى رشيت على اطّراح مودتيولقد عهدتك ليس تثنيك الرّشا أوحشتني - البيت، انتهى

وقال في " المغرب " في حق السيد المذكور، ما ملخصه: كان هذا السيد أبو الحسن قد ولي مملكة تلمسان وبجاية، وله حكايات في الجود برمكية، ونفس عالية زكية، كتب إليه السيد أبو الربيع يوم جمعة:

اليوم يوم الجمعةيوم سرورٍ ودعه
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
وشملنا مفترقٌفهل ترى أن نجمعه فأجابه بقوله:
اليوم يوم الجمعةوربّنا قد رفعه
للشاعر ابن أبي حفص، من قصيدة «اليوم يوم الجمعه»
والشرب فيه بدعةٌفهل ترى أن ندعه
للشاعر ابن أبي حفص، من قصيدة «اليوم يوم الجمعه»

قال: ولفظة " السيد " في المغرب بذلك العصر لا تطلق إلا على بني عبد المؤمن بن علي، انتهى.

رجع - قال السرخسي، وقد ذكر في الرحلة المذكورة السيد أبا محمد عبد الله صاحب فاس: وله من أبيات في الفخر وقد انتحلها غيره:

ألست ابن من تخشى الليالي انتقامهموترجو نداهم غاديات السحائب
يخطّون بالخطّيّ في حومة الوغىسطور المنايا في نحور المقانب
كتاباً بأطراف العوالي ونقسهدم القلب مشكولاً بنضج الترائب

وما كنت أدري قبلهم أنّ معشراً ... أقاموا كتاباً من نفوس الكتائب وأنشدني المقدم الأمير أبو زيد بن يكيت قال: أنشدني بعض السادة من بني عبد المؤمن:

فديت من أصبحت في أسرهوليس لي من حكمه فادي

إن حلّ يوماً وادياً كان لي ... جنّة عدن ذلك الوادي ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة من علماء الأندلس والمغرب لقيهم في هذه الرحلة.

ومن نظم السرخسي المذكور قوله رحمه الله تعالى:

يا ساهر المقلة لاعن كرىًغفلت عن هجعي وأوصابي

لو لم يكن وجهك لي قبلةً ... ما أصبح الحاجب محرابي وكان متفنناً في العلوم، وهو عم الأمراء الوزراء الرؤساء فخر الدين وإخوته، ومن مصنفاته " المسالك والممالك " و " عطف الذيل " في التاريخ، وله أمالٍ وتخاريج وقدمه المنصور صاحب المغرب على جماعة، وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية عند المنيبع، وكان عالي الهمة

شريف النفس، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحد رغبة قي دنياه، لا من أهله ولا من غيرهم، وذكره صاحب " المرآة " وغيره، وترجمته واسعة، رحمه الله تعالى.

ومن الوافدين على الأندلس ظفر البغدادي، سكن قرطبة، وكان من رؤساء الوراقين المعروفين بالضبط وحسن الخط كعباس بن عمرو الصقلي ويوسف البلوطي وطبقتهما، واستخدمه الحكم المستنصر بالله في الوراقة، لما علم من شدة اعتناء الحكم بجمع الكتب واقتنائها، وقد أشار ابن حيان في كتاب " المقتبس " إلى ظفر هذا، رحمه الله تعالى.

ومنهم الرازي، وهو محمد بن موسى بن بشير بن جناد بن لقيط، الكناني، الرازي، والد أبي بكر أحمد بن محمد صاحب التاريخ، غلب عليه اسم بلده، وكان يفد من المشرق على ملوك بني مروان تاجراً، وكان مع ذلك متقناً في العلوم، وهلك منصرفه من الوفادة على الأمير المنذر بن محمد بإلبيرة، في شهر ربيع الآخر سنة، ذكره ابن حيان في " المقتبس ".

ومنهم الوزير أبو الفضل محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز ابن الحارث بن أسد بن ليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان التميمي، الدرامي، البغدادي، سمع من أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص

وغيره، وخرج من بغداد رسولاً عن أمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي رضي الله تعالى عنه إلى صاحب إفريقية المعز بن باديس، واجتمع مع أبي العلاء المعري بالمعرة، وأنشده قصيدة لامية يمدح بها صاحب حلب، فقبل عينيه، وقال له: لله أنت من ناظم، وخرج من إفريقية من أجل فتنة العرب، وخيم عند المأمون ابن ذي النون بطليطلة، وله فيه أمداح كثيرة، ومن فرائد شعره قوله:

يا ليل ألاّ انجليت عن فلقطلت ولا صبر لي على الأرق
للشاعر أبو الحسن البصروي، اقرأ القصيدة
جفا لحاظي التغميض فيك فماتطبق أجفانها على الحدق
كأنني صورةٌ ممثّلةٌناظرها الدّهر غير منطبق وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
يزرع ورداً ناضراً ناظريفي وجنة كالقمر الطالع
أمنع أن أقطف أزهارهفي سنّة المتبوع والتّابع
للشاعر أَبُو الفَضْل الدَّارمي، من قصيدة «يَغرسُ وَرداً ناضِراً ناظري»

فلم منعتم شفتي قطفها ... والحكم أن الزرع للزارع هكذا نسبها له غير واحد كابن سعيد كتيلة، وبعضهم ينسبها للقاضي عبد الوهاب.

قلت: وقد أجاب عنها بعض المغاربة بقوله:

سلّمت أنّ الحكم ما قلتموهو الذي نصّ عن الشارع

فكيف تبغي شفةٌ قطفه ... وغيرها المدعوّ بالزارع ورده شيخ شيوخ شيوخنا الإمام الحافظ أبو عبد الله التّنسي ثم التلمساني بقوله:

في ذا الذي قد قلتم مبحثٌإذ فيه إيهامٌ على السامع

سلّمتم الحكم له مطلقاً ... وغير ذا نصّ عن الشارع يعني أنه يلزم على قول المجيب أن يباح له النظر مطلقاً، والشرع خلافه.

وأجاب بعض الحنفية بقوله:

لأنّ أهل الحبّ في حكمناعبيدنا في شرعنا الواسع
والعبد لا ملك له عندنافحقّه للسيّد المانع وهو جواب حسن لا بأس به

ورأيت جواباً لبعض المغاربة على غير روية، وهو:

قل لأبي الفضل الوزير الذيباهى به مغربنا الشرق

غرست ظلماً وأردت الجنى ... وما لعرق ظالم حقّ قلت: وهذا مما يعين أن الأبيات لأبي الفضل الدرامي المذكور في الذخيرة، لا للقاضي عبد

الوهاب، والله تعالى أعلم.

ومن شعر الوزير المذكور قوله:

بين كريمين منزلٌ واسعوالودّ حالٌ تقرّب الشاسع
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة

والبيت إن ضاق عن ثمانيةٍ ... متسعٌ بالوداد للتاسع وولد رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وهو من بيت علم وأدب، قال الحميدي: أخبرني بذلك أبو عمر رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز

ابن الحارث، وتوفي بطليطلة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وقال ابن حيان: توفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة، في كنف المأمون يحيى بن ذي النون، وذكر أنه كان يتهم بالكذب، فالله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.

وقال ابن ظافر في كتابه " بدائع البدائه " ما نصه: أبو الفضل الدرامي البغدادي مجلس المعز بن باديس، وبالمجلس ساقٍ وسيم قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندامى فعل عينيه، فأمر المعز بوصفه، فقال بديهاً:

ومعذّرٍ نقش الجمال بمسكهخدّاً له بدوم القلوب مضرّجا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ومعذر نقش الجمال بمسكه»
لما تيقّن أن سيف جفونهمن نرجسٍ جعل العذار بنفسجا وقوله في جارية تبخترت بالند:
ومحطوطة المتنين مهضومة الحشامنعّمة الأرداف تدمى من اللمس
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
إذا ما دخان الند من جيبها علاعلى وجهها أبصرت غيماً على شمس وقوله:
للشاعر قرواش بن مقلد العقيلي، اقرأ القصيدة
لأغرّرنّ بمهجتي في حبّهغرراً يطيل مع الخطوب خطابي
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
ولئن تعزز إنّ عندي ذلّةًتستعطف الأعداء للأحباب وقوله:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
دعتني عيناك نحو الصبادعاء يكرر في كلّ ساعه
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة

ولولا وحقّك عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعاً وطاعه وقد تمثل بهذين البيتين لسان الدين ابن الخطيب في خطبة تأليفه المسمى ب " روضة التعريف

بالحب الشريف ".

وقال أبو الفضل الدرامي المذكور أيضاً:

سطا الفراق عليهم غفلةً فغدوامن جوره فرقاً من شدّة الفرق
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
فسرت شرقاً وأشواقي مغرّبةٌيا بعد ما نزحت عن طرقهم طرقي
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
لولا تدارك دمعي يوم كاظمةٍلأحرق الركب ما أبديت من حرق
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
يا سارق القلب جهراً غير مكترثٍأمنت في الحبّ أن تعدى على السّرق
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
أرمق بعين الرضى تنعش بعاطفةٍقبل المنيّة ما أبقيت من رمقي
لم يبق مني سوى لفظٍ يبوح بماألقى فيا عجباً للّفظ كيف بقي
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
صلني إذا شئت أو فاهجر علانيةًفكلّ ذلك محمولٌ على الحدق وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
تذكّر نجداً والحمى فبكى وجداوقال: سقى الله الحمى وسقى نجدا
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
وحيّته أنفاس الخزامى عشيةفهاجت إلى الوجد القديم به وجدا
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة
فأظهر سلواناً وأضمر لوعةًإذا طفئت نيرانها وقدت وقدا
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة
ولو أنّه أعطى الصبابة حكمهالأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً:

قلت للملقي على الخدين من وردٍ خمارا
للشاعر أَبُو الفَضْل الدَّارمي، من قصيدة «قلتُ للمُلقي على الخدَّين»
أسبل الصّدغ على خدّك من مسكٍ عذارا
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
أم أعان الليل حتّىقهر الليل النهار
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
قال: ميدانٌ جرى الحسن عليه فاستدارا
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
ركضت فيه عيونٌفأثارته غبارا وقال:
وكاتبٍ أهديت نفسي لهفهي من السوء فدا نفسه
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
فلست أدري بعد ما حلّ بيبمسكه أتلف أم نقسه
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
سلّط خدّيه على مهجتيفاستأصلتها وهي من غرسه وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
وشادنٍ أسرف في صدّهوزاد في التيه على عبده
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
الحسن قد بثّ على خدّهبنفسجاً يزهو على ورده
رأيته يكتب في طرسهخطّاً يباري الدّرّ من عقده
فخلت ما قد خطّه كفّهللحسن قد خطّ على خدّه وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
إنّي عشقت صغيراًقد دبّ فيه الجمال
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
وكاد يفشي حديث الفضول منه الدّلال
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
لو مرّ في طرق الهجر لاعتراه ضلال
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
يريك بدراً منيراًفي الحسن وهو هلال وقال:
ظبيٌ إذا حرّك أصداغهلم يلتفت خلقٌ إلى العطر
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
غنّى بشعري منشدا ًليتني اللفظ الذي أودعته شعري
فكلّما كرّر إنشادهقبّلته فيه ولم يدر وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
أينفع قولي إنّني لا أحبّهودمعي بما يمليه وجدي يكتب
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
إذا قلت للواشين لست بعاشقٍيقول لهم فيض المدامع يكذب وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
وهبني قد أنكرت حبّك جملةًوآليت أنّي لا أروم محطّها
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
فمن أين في الحبّ جرح شهادةٍسقامي أملاها ودمعي خطّها وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
أنا أخشى إن دام ذا الهجر أن ينشط من حبّه عقال وثاقي
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
فأريح الفؤاد ممّا اعتراهوأردّ الهوى على العشّاق وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
كلانا لعمري ذائبان من الهوىفنارك من جمرٍ وناري من هجر
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
فأنت على ما قد تقاسين من أذىًفصدرك في نارٍ وناري في صدري
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة

وقال:

ومن عجب العشق أن القتيليحنّ ويصبو إلى القاتل وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة
ألم أجعل مثار النقع بحراًعلى أنّ الجياد له سفين وقال:
للشاعر أبو الفضل التميمي، اقرأ القصيدة

أصبحت أحلب تيساً لا مدرّ له ... والتيس من ظنّ أن التيس محلوب وأما الحكيم أبو محمد المصري وهو القائل:

رعى الله دهراً قد نعمنا بطيبهلياليه من سمش الكؤوس أصائل

ونرجسنا درٌ على التبر جامدٌ ... وخمرتنا تبرٌ على الدرّ سائل فقد ترجمه في " الذخيرة " فليراجع، فإن الذخيرة غريبة في البلاد المشرقية.

وقد كان عندي بالمغرب من هذا النوع ما أستعين به، فخلفته هنالك، والله تعالى يلم الشمل. وقد ذكر فيها أنه مغربي سافر إلى مصر، فقيل له " المصري " لذلك، فليعلم، والله تعالى أعلم.

ومن الوافدين على الأندلس أشهب بن العضد الخراساني. قال ابن سعيد: أنشدنا لما وفد على ابن هود في إشبيلية قصيدة ابن النبيه:

طاب الصّبوح لنا فهاك وهاتوادعاها، وفيها:

في روضة غنّا تخال طيورها ... وغصونها همزاً على ألفات ولم أجد هذا البيت في قصيدة ابن النبيه، انتهى.

ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو الحسن البغدادي الفكيك، وهومذكور في الذخيرة، وكان حلو الجواب، مليح التندر، يضحك من حضرن ولا يضحك هو إذا ندر، وكان قصيراً دميماً، قال: ورأيته يوماً وقد لبس طاقاً أحمر على بياض، وفي رأسه طرطور أخضر، عمم عليه عمة لازوردية، وهو بين يدي المعتمد بن عباد ينشد شعراً قال فيه:

وأنت سليمان في ملكهوبين يديك أنا الهدهد وأنشد له في المعتمد:
أبا القاسم الملك المعظّم قدرهسواك من الأملاك ليس يعظّم
لقد أصبحت حمصٌ بعدلك جنةًوقد أبعدت عن ساكنيها جهنم
ولي بحياك الريع عاماً وأشهراًأزخرف أعلام الثناء وأرقم
وأنفقت ما أعطيتني ثقةً بماأؤمّل فالدينار عندي درهم
وقلبي إلى بغداد يصبو وإنّنيلنشر صباها دائماً أتنسّم وقال:
وذرّى على ربع العقيق دموعهعقيقاً ففيها توأمٌ وفريد
شهدت وما تغني شهادة عاشقٍبأن قتيل الغانيات شهيد ومنها:
إذا قابلوه قبّلوا ترب أرضهوهم لعلاه ركّعٌ وسجود
وقد هزّ منه الله للملك صارماًتقام بحدّي شفرتيه حدود وقال:
لأيّة حالٍ حال عن سنة الكرىولم أصغي وماً في هواه إلى العذل ومنها:
كأنّ بقاء الطّلّ فوق جفونهادموع التصابي حرن في الأعين النّجل ومنها:
تملّكت رقّي بالعوارف منعماًوأغنيتني بالجود عن كلّ ذي فضل
وأنسيتني أرض العراق ودجلةًوربعي حتى ما أحنّ إلى أهلي وقال في المقتدر بن هود:
لعزّك ذلّت ملوك البشروعفّرت تيجانهم في العفر
وأصبحت أخطرهم بالقناوأركبهم لجود الخطر
سهرت وناموا عن المأثراتفما لهم في المعالي أثر
وجلّيت في حيث صلّى الملوكفكلٌّ بذيل المنى قد عثر ومنها:
وأنتم ملوكٌ إذا شاجرواأظلّتهم من قناهم شجر وقال الفكيك من قصيدة:
غنّى حسامك في أرجاء قرطبةٍصوتاً أباد العدى والليل معتكر
حيث الدماء مدامٌ والقنا زهرٌوالقوم صرعى بكأس الحتف قد سكروا

وكان مشهوراً بالهجاء، وله في نقيب بغداد وكانت في عنقه غدة:

بلع الأمانة فهي في حلقومهلا ترتقي صعداً ولا تتنزّل وقال ناصر الدولة بن حمدان:
ولئن غلطت بأن مدحتك طالباًجدواك مع علمي بأنّك باخل
فالدولة الغرّاء قد غلطت بأنسمّتك ناصرها وأنت الخاذل
إن تمّ أمرك مع يدٍ لك أصبحتشلاّء فالأمثال شىء باطل ومما ينسب إليه، وقيل لغيره:
ووعدتني وعداً حسبتك صادقاًفجعلت من طعمي أجيء وأذهب

فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ ... قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب ومنهم إبراهيم بن سليمان الشامي، دخل الأندلس من المشرق في أخريات أيام الحكم شادياً للشعر، وهو من موالي بني أمية، ولم ينفق على الحكم، وتحرك في أيام ولده الأمير عبد الرحمن فنفق عليه، ووصله، ثم في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن، وكان أدرك بالمشرق كبار المحدثين كأبي نواس وأبي العتاهية. ومن شعره ما كتب به إلى الأمير عبد الرحمن:

يا من تعالى من أميّة في الذرىقدما ًفأصبح عالي الأركان
إن الغمام غياثه في وقتهوالغيث من كفّيك كلّ أوان
فالغيث قد عمّ البلاد وأهلهاوظمئت بينهم فبلّ لساني وله في الأمير عبد الرحمن بن الحكم:
ومن عبد شمسٍ بالمغارب عصبةٌفأسعدها الرحمن حيث أحلّها
دحا تحتها مهداً من العزّ آمناًومدّ جناحاً فوقها فأظلّها

ومنهم أبو بكر بن الأزرق، وهو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حامد بن موسى بن العباس بن محمد بن يزيد، وهو الحصني، ابن محمد ابن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، من أهل مصر، خرج من مصر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وصار إلى القيروان، وامتحن بها مع الشيعة، وأقام محبوساً بالمهدية، ثم أطلق ووصل الأندلس سنة تسع وأربعين، فأحسن إليه المستنصر بالله الحكم، وكان أديباً حكيماً، سمع من خاله أبي بكر أحمد بن مسعود الزهري، وولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة بمصر، وتوفي بقرطبة في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ﵀ تعلى.

ومن الواردين على الأندلس من المشرق رئيس المغنين أبو الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب، مولى أمير المؤمنين المهدي العباسي، قال في " المقتبس ": زياب لقب غلب عليه ببلاده من أجل سواد لونه، مع فصاحة لسانه، وحلاوة شمائله، شبه بطائر أسود غرد عندهم، وكان شاعراً مطبوعاً، وكان ابنه أحمد قد غلب عليه الشعر أيضاً، وكان من خبره في الوصول إلى الأندلس أنه كان تلميذاً لإسحاق الموصلي ببغداد، فتلقف من أغانيه استراقاً، وهدي من فهم الصناعة وصدق العقل مع طيب الصوت وصورة الطبع إلى ما فاق به إسحاق، وإسحاق لا يشعر بما فتح عليه، إلى أن جرى بالرشيد مع إسحاق خبره المشهور في الاقتراح عليه بمغنٍ غريب مجيد للصنعة، لم يشتهر مكانه إليه، فذكر له تلميذه هذا، وقال: إنه مولىً لكم، وسمعت له نزعات حسنة، ونغمات رائقة ملتاطة بالنفس، إذا أنا وقفته على ما استغرب منها وهو من اختراعي واستنباط فكري، أحدث أن يكون له شأن، وقال الرشيد: هذا طلبتي، فأحضرنيه لعل حاجتي عنده، فأحضره، فلما كلمه الرشيد أعرب عن نفسه

بأحسن منطق وأوجز خطاب، وسأله عن معرفته بالغناء، فقال: نعم أحسن منه ما يحسنه الناس، وأكثر ما أحسنه لا يحسنونه، مما لا يحسن إلا عندك ولا يدخر إلا لك، فإن أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك، فأمر بإختصار عود أستاذه إسحاق، فلما أدني إليه وقف عن تناوله، وقال: لي عود نحته بيدي وأرهفته بإحكامي، ولا أرتضي غيره، وهو بالباب، فليإذن لي أمير المؤمنين في استدعائه، فأمر بإدخاله إليه، فلما تأمله الرشيد وكان شبيهاً بالعود الذي دفعه قال له: ما منعك أن تستعمل عود أستاذك فقال: إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي غنيته بعوده، وإن كان يرغب في غنائي فلا بد لي من عودي، فقال له:ما أراهما إلا واحداً، فقال: صدقت يا مولاي، ولا يؤدي النظر غير ذلك، ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده ومن جنس خشبه فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه، وأوتاري من حرير لم يغزل بماء سخن يكسبها أناثه ورخاوة، وبمها ومثلثها اتخذتهما من مصران شبل أسد، فلها في الترنم والصفاء والجهارة والحدة أضعاف ما لغيرها من مصران سائر الحيوان، ولها من قوة الصبر على تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها، فاستبرع الرشيد وصفه وأمره بالغناء، فجس، ثم اندفع فغناه:

يا أيّها الملك الميمون طائره ... هارون راح إليك الناس وابتكروا فأتم النوبة، وطار الرشيد طرباً، وقال لإسحاق: والله لولا أني أعلم من صدقك لي على كتمانه إياك لما عنده وتصديقه لك من أنك لم تسمعه قبل لأنزلت بك العقوبة لتركك إعلامي بشأنه، فخذه إليك واعتن بشأنه، حتى أفرغ له، فإن لي فيه نظراً، فسقط في يد إسحاق، وهاج به من داء الحسد ما غلب صبره، فخلا بزرياب وقال: يا علي، إن الحسد أقدم الأدواء وأدواها، والدنيا فتانة، والشركة في الصناعة عداوة، لا حيلة في حسمها وقد مكرت بي فيما انطويت عليه من إجادتك وعلو طبقتك، وقصدت منفعتك

فإذا أنا قد أتيت نفسي من مأمنها بإدنائك، وعن قليل تسقط منزلتي، وترتقي أنت فوقي، وهذا ما لا أصاحبك عليه ولو أنك ولدي، ولولا رعيي لذمة تربيتك لما قدمت شيئاً على أن أذهب نفسك، يكون في ذلك ما كان، فتخير في ثنتين لا بد لك منهما: إما أن تذهب عني في الأرض العريضة لا أسمع لك خبراً بعد ذلك الأيمان الموثقة، وأنهضك لذلك بما أردت من مال وغيره، وإما أن تقيم على كرهي ورغمي مستهدفاً إلي، فخذ الآن حذرك مني فلست والله أبقي عليك، ولا أدع اغتيالك باذلاً في ذلك بدني ومالي، فاقض قضاءك. فخرج زرياب لوقته، وعلم قدرته على ما قال، واختار الفرار قدامه، فأعانه إسحاق على ذلك سريعاً، وراش جناحه، فرحل عنه، ومضى يبغي مغرب الشمس، واستراح قلب إسحاق منه.

وتذكر الرشيد بعد فراغه من شغل كان منغمساً فيه، فأمر إسحاق بحضوره، فقال: ومن لي به يا أمير المؤمنين ذاك غلام مجنون يزعم أن الجن تكلمه وتطارحه ما يزهى به من غنائه، فما يرى في الدنيا من يعد له، وما هو إلا أن أبطأت عليه جائزة أمير المؤمنين وترك استعادته، فقدر التقصير به والتهوين بصناعته، فرحل مغاضباً ذاهباً على وجهه مستخفياً عني، وقد صنع الله تعالى في ذلك لأمير المؤمنين، فإنه كان به لمم يغشاه ويفرط خطبه، فيفزع من رآه، فسكن الرشيد إلى قول إسحاق، وقال: على ما كان به فقد فتنا منه سرور كثير.

ومضى زرياب إلى المغرب فنسي بالمشرق خبره، غذ لم يكن اسمه شهر هنالك شهرته بالصقع الذي قطنه ونزعت إليه نفسه وسمت به همته، فأم أمير الأندلس الحكم المباين لمواليه، وخاطبه وذكر له نزاعه إليه واختباره إياه ويعلمه بمكانه من الصناعة التي ينتحلها وسأله الإذن في الوصول إليه، فسر الحكم بكتابه وأظهر له من الرغبة فيه والتطلع إليه وإجمال الموعد ما تمناه، فسار زرياب نحوه بعياله وولده، وركب بحر الزقاق إلى الجزيرة الخضراء، فلم يزل بها حتى توالت عليه الأخبار بوفاة الحكم، فهم بالرجوع إلى العدوة، فكان معه منصور

اليهودي المغني رسول الحكم إليه، فثناه عن ذلك ورغبه في قصد القائم مقام الحكم، وهو عبد الرحمن ولده، وكتب إليه بخبر زرياب، فجاءه كتاب عبد الرحمن يذكر تطلعه إليه والسرور بقدومه عليه، وكتب إلى عماله على البلاد أن يحسنوا إليه ويوصلوه إلى قرطبة، وأمر خصياً من أكابر خصيانه أن يتلقاه ببغال ذكور وإناث وآلات حسنة، فدخل هو وأهله البلد ليلاً صيانةً للحرم، وأنزله في دار من أحسن الدور، وحمل إليها جميع ما يحتاج إليه، وخلع عليه، وبعد ثلاثة أيام استدعاه، وكتب له في كل شهر بمائتي دينار راتباً، وأن يجرى على بنيه الذين قدموا معه - وكانوا أربعة: عبد الرحمن، وجعفر، وعبيد الله، ويحيى - عشرون ديناراً لكل واحد منهم كل شهر، وأن يجرى على زرياب من المعروف العام ثلاثة آلاف دينار، منها لكل عيد ألف دينار، ولكل مهرجان ونوروز خمسمائة دينار، وأن يقطع له من الطعام العام ثلاثمائة مدي ثلثاها شعير وثلثها قمح، وأقطعه من الدور والمستغلات بقرطبة وبساتينها ومن الضياع ما يقوم بأربعين ألف دينار. فلما قضى له سؤله وأنجز موعوده وعلم أن قد أرضاه وملك نفسه استدعاه، فبدأ بمجالسته على النبيذ وسماع غنائه، فما هو إلا أن سمعه فاستهوله واطرح كل غناء سواه، وأحبه حباً شديداً وقدمه على جميع المغنين، وكان لما خلا به أكرمه غاية الإكرام وأدنى منزلته وبسط أمله، وذاكره في أحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء، فحرك منه بحراً زخر عليه مده، فأعجب الأمير به وراقه ما أورده، وحضر وقت الطعام فسرفه بالأكل معه هو وأكابر ولده، ثم أمر كاتبه بأن يعقد له صكاً بما ذكرناه آنفاً، ولما ملك قلبه واستولى عليه حبه فتح له باباً خاصاً يستدعيه منه متى أراده.

وذكر أن زرياباً ادعى أن الجن كانت تعلمه كل ليلة ما بين نوبة إلى

صوت واحد، كان يهب من نومه سريعاً فيدعو بجاريتيه غزلان وهنيدة، فتأخذان عودهما، ويأخذ هو عوده، فيطارحهما ليلته ويكتب الشعر ثم يعود عجلاً إلى مضجعه، وكذلك يحكى عن إبراهيم الموصلي في لحنه البديع المعروف بالماخوري أن الجن طارحته إياه، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.

وزاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه، إذ لم يزل العود ذا أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع، فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطف معنى وأكمل فائدة، وذلك أن الزير صبغ أصفر اللون، وجعل في العود بمنزلة الصفراء من الجسد، صبغ الوتر الثاني بعده أحمر، وهو من العود مكان الدم من الجسد، وهو في الغلظ ضعف الزير، ولذلك سمي مثنى، وصبغ الوتر الرابع أسود، وجعل من العود مكان السوداء من الجسد، وسمي البم، وهو أعلى أوتار العود، وهو ضعف المثلث الذي عطل من الصبغ وترك أبيض اللون، وهو من العود بمنزلة البلغم من الجسد، وجعل ضعف المثنى في الغلظ، ولذلك سمي المثلث، فهذه الأربعة من الأوتار مقابلة للطبائع الأربع تقضي طبائعها بالعتدال، فالبم حار يابس يقابل المثنى وهو حار رطب وعليه تسويته، والزير حار يابس يقابل المثلث وهو حار رطب، قوبل كل طبع بضده حتى اعتدل واستوى كاستواء الجسم بأخلاطه، إلا أنه عطل من النفس، والنفس مقرونة بالدم، فأضاف زرياب من أجل ذلك إلى الوتر الأوسط الدموي هذا الوتر الخامس الأحمر الذي اخترعه بالأندلس، ووضعه تحت المثلث وفوق المثنى، فكمل في عوده قوى الطبائع الأربع، وقام الخامس المزيد مقام النفس في الجسد.

وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر، معتاضاً به من مرهف الخشب، فأبرع في ذلك للطف قشر الريشة ونقائه وخفته على

الأصابع وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمته إياه.

وكان زرياب عالماً بالنجوم وقسمة الأقاليم السبعة واختلاف طبائعها وأهويتها وتشعب بحارها وتصنيف بلادها وسكانها، مع ما سنح له من فك كتاب الموسيقى، مع حفظه لعشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها، وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلفها.

وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب، ولطف المعاشرة، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يجده أحد من أهل صناعته، حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوباً إليه معلوماً به: فمن ذلك أنه دخل إلى الأندلس وجميع من فيها من رجل أو امرأة يرسل جمته مفروقاً وسط الجبين عاماً للصدغين والحاجبين، فلما عاين ذوو التحصيل تحذيفه هو وولده ونساؤه لشعورهم، وتقصيرها دون جباههم، وتسويتها مع حواجبهم، وتدويرها إلى آذانهم، ولإسبالها إلى أصداغهم - حسبما عليه اليوم الخدم الخصية والجواري - هوت إليه أفئدتهم، واستحسنوه. ومما سنه استعمال المرتك المتخذ من المرداسنج لطرد ريح الصنان من مغابنهم، ولا شيء يقوم مقامه، وكانت ملوك الأندلس تستعمل قبلة ذرور الورد وزهر الريحان وما شاكل ذلك من ذوات القبض والبرد، فكانوا لا تسلم ثيابهم من وضر، فدلهم على تصعيدها بالملح، وتبييض لونها، فلما جربوه أحمدوه جداً. وهو أول من اجتنى بقلة الهليون المسماة بلسانهم الإسفراج، ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله. ومما اخترعوه من الطبيخ اللون المسمى عندهم بالتفايا، وهو مصطنع بماء الكزبرة

الرطبة محلى بالسنبوسق والكباب، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب.

ومما أخذه عنه الناس بالأندلس تفضيلة آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة، وإيثاره فرش أنطاع الأديم اللينة الناعمة على ملاحف الكتان، واختياره سفر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية إذ الوضر يزول عن الأديم بأقل مسحة، ولبسه كل صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به، فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس للباس البياض وخلعهم للملون من يوم مهرجان أهل البلد المسمى عندهم بالعنصرة الكائن في ست بقين من شهر يونية الشمسي من شهورهم الرومية، فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية ويلبسون بقية السنة الثياب الملونة، ورأى أن يلبسوا في الفصل الذي بين الحر والرد المسمى عندهم الربيع من مصبغهم جباب الخز والملحم والمحرر والدراريع التي لا بطائن لها لقربها من لطف ثياب البياض الظهائر التي ينتقلون إليها لخفتها وشبهها بالمحاشي، ثياب العامة، وكذا رأى أن يلبسوا في آخر الصيف وعند أول الخريف المحاشي المروية والثياب المصمتة وما شاكلها من خفائف الثياب الملونة ذوات الحشو والبطائن الكثيفة، وذلك عند قرس البرد في الغدوات، إلى أن يقوى البرد فينتقلوا إلى أثخن منها من الملونات، ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا إلى صنوف الفراء.

واستمر بالأندلس أن كل من افتتح الغناء قيبدأ بالنشيد أول شدوه بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأهزاج تبعاً لمراسم زرياب. وكان إذا تناول الإلقاء على تلميذ يعلمه أمره بالقعود على الوساد المدور المعروف بالمسورة، وأن يشد صوته جداً إذا كان قوي الصوت، فإن كان لينه أمره أن يشد على بطنه عمامة، فإن ذلك مما يقوي الصوت، ولا يجد متسعاً في الجوف

عند الخروج على الفم، فإن كان ألص الأضراس لا يقدر على أن يفتح فاه، أو كانت عادته زم أسنانه عند النطق، راضه بأن يدخل في فيه قطعة خشب عرضها ثلاث أصابع يبيتها في فمه ليالي حتى ينفرج فكاه، وكان إذا أراد أن يختبر المطبوع الصوت المراد تعليمه من غير المطبوع أمره أن يصيح بأقوى صوته: ياحجام، أو يصيح: آه، ويمد بها صوته، فإن سمع صوته بهما صافياً ندياً قوياً مؤدياً لا يعتريه غنة ولا حبسة ولا ضيق نفس عرف أن سوف ينجب وأشار بتعليمه، وإن وجده خلاف ذلك أبعده.

وكان له من ذكور الولد ثمانية: عبد الرحمن وعبيد الله ويحيى وجعفر ومحمد وقاسم وأحمد وحسن. ومن الإناث ثنتان: علية وحمدونة. وكلهم غنى ومارس الصناعة، واختلفت بهم الطبقة، فكان أعلاهم عبد الله ويتلوه عبد الرحمن، لكنه ابتلي من فرط التيه وشدة الزهو وكثرة العجب بغنائه والذهاب بنفسه بما لم يكن له شبه فيه، وقلما يسلم مجلس حضوره من كدر يحدثه، ولا يزال يجترىء على الملوك، ويستخف بالعظماء، ولقد حمله سخفه على أن يحضر يوماً مجلس بغض الأكابر الأعاظم في أنس قد طاب به سروره، وكان صاحب قنص تغلب عليه لذته، فاستدعى بازياً كان كلفاً به كثير التذكر له، فجعل يمسح أعطافه ويعدل قوادمه ويرتاح لنشاطه، فسأله عبد الرحمن أن يهبه له، فاستحيا من رده وأعطاه إياه مع ضنه به، فدفعه عبد الرحمن إلى غلامه ليعجل به إلى منزله، وأسر إليه فيه بسر لم يطلع عليه، فمضى لشأنه، ولم يلبث أن جاءه بطيفورية مغطاة مكرمة بطابع مختوم عليها من فضة، فغذا به لون مصوص قد اتخذ من البازي بعد ذبحه على ما حده لأهله، وذهب إلى الإنتقال عليه في شرابه، وقال لصاحب المجلس: شاركني في نقلي هذا فإنه شريف المركب بديع الصنعة، فلما رآه الرجل أنكر صفته وعاب

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.