من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (٧)
إن يصدق الطير ننك لميسا ...
فمن نحن حتّى نأبى أن نسمع مثل هذا والله لا نشذ عن السلف الصالح، أنشدني ما وقع لك غير متكلف، فلم يمدني خاطري إلى غير قولي من شعر أمجن فيه:
أبطأت عنّي، وإنيلفي اشتياقٍ شديد
وفي يدي لك شيءقد قام مثل العمود
لو ذقته مرة لم ... تعد لهذا الصدود فتبسم الشيخ وقال: أما كان في نظمك أطهر من هذا فقلت له: ما وفقّت لغيره، فقال: لا بأس عليك، فأنشدني غيره، ففكرت إلى أن أنشدته قولي:
ولمّا وقفت على ربعهمتجرعت وجدي بالأجرع
وأرسل دمعي شرار الدموعلنارٍ تأجّج في الأضلع
فقال عذولي، لمّا رأىبكائي: رفقاً على الأدمع
فقلت له: هذه سنّةٌ ... لمن حفظ العهد في الأربع قال: فرأيت الشيخ قد اختلط، وجعل يجيء ويذهب ثمّ أفاق وقال: أعد بحقّ آبائك الكرام، فأعدت فأعاد ما كان فيه وجعل يردده، فقلت له: لو علمت أن هذا يحركك ما أنشدتك إيّاه، فقال: وهل حرك مني إلاّ خيراً وعظة يا بني إن هذه القلوب المخلاة لله كالورق التي جفت، وهي مستعده لهبوب الرياح، فإن هبّ عليها أقلّ ريحٍ لعب بها كيف شاء، وصادف منها طوعه، فأعجبني منزعه، وتأنست به، ولم أر عنده ما يعتاد من هؤلاء المتدينين من الإنجماح والانكماش، بل ما زال يبسطني ويحدثني بأخبار فيها هزل، ويذكر لي من تاريخ بني أمية وملوكها ما أرتاح له، ولا أعلم أكثره، فلمّا كثر تأنسي به
أهويت إلى يده كي أقبّلها، فضمها بسرعة، وقال: ما شأنك فقلت: راغباً لك في أن تنشدني شيئاً من نظمك، فقال: أما نظمي في زمان الصبا فكان له وقت ذهب، ويجب للنظم أن يذهب معه، وأمّا نظمي في هذا الوقت فهو فيما أنا بسبيله، وهو يثقل عليك، فقلت له: إن أنصف سيدي الشيخ نفعنا الله تعالى به أنشدني من نظم صباه، ومن نظم شيخوخته، فيأخذ كلانا بحظه، فضحك وقال: ما أعصيك وأنت ضيف وقريب ولك حرمة أدب ووسيلة قصد، ثمّ أنشدني وقد بدا عليه الخشوع وخنقته العبرة:
ثق بالذي سوّاك منعدمٍ فإنّك من عدم
وانظر لنفسك قبل قرع السنّ من فرط الندم
واحذر وقيت من الورىواصحبهم أعمى أصم
قد كنت في تيهٍ إلىأن لاح لي أهدى علم
فاقتدت نحو ضيائهحتّى خرجت من الظّلم
لكن قناديل الهوى ... في نور رشدي كالحمم قال: فوالله لقد أدركني فوق ما أدركه، وغلب على خاطري بما سمعت من هذه الأبيات، وفعلت بي من الموعظة غاية لم أجد منها التخلص إلاّ بعد حين، فقال لي الشيخ: إن هذه يقظة يرجى معها خيرك، والله مرشدك ومنقذك، ثمّ قال لي: يا بني هذا ما نحن بسبيله الآن، فاسمع فيما مضى والله وليّ المغفرة، وإنّا لنرجو منه غفران الفعل، فكيف القول، وأنشد:
أطلّ عذارٌ على خدّهفظنّوا سلوّي عن مذهبي
وقالوا غرابٌ لوشك النوىفقلت اكتسى البدر بالغيهب
وناديت قلبي أين المسيروبدر الدجى حلّ في العقرب
فقال ولو رمت عن حبّه ... رحيلاً عصيت ولم أذهب قال: فسمعت ما يقصر عنه صدور الشعراء، وشهدت له بالتقدم، وقلت له: لم أر أحسن من نظمك في جدٍّ ولا هزل، ثمّ قلت له: أأرويه عنك فقال: نعم، ما أرى به بأساً بعد اطلاع من يعلم السرائر، على ما في الضمائر، فما قدر هذه الفكاهة في إغضاء من يغفر الكبائر، ويغضي عن العظائم قال: فقلت له: فإن أسبغت عليّ النعمة بزيادة شيء من هذا الفن فعلت ما تملك به قلبي آخر الدّهر، فقال: يا بني لا ملك قلبك غير حب الله تعالى، ثمّ قال: ولا أجمع عليك ردّ قول ومنعاً، وأنشد:
أيها الشادن الذيحسنه في الورى غريب
لحظ ذاك الجمال يطفىء ما بي من اللهيب
وعليه أحوم دهري ولكنّني أخيب
كلّما رمت زورةً ... قيّض الله لي رقيب قال: فمازج قلبي من الرقة واللطافة لهذا الشعر ما أعجز عن التعبير عنه، فقلت له: زدني زادك الله تعالى خيراً، فأنشدني:
ما كان قلبي يدري قدر حبّكمحتّى بعدتم فلم يقدر على الجلد
وكنت أحسب أنّي لا أضيق بهذرعاً فما حان حتّى فتّ في عضدي
ثمّ استمرّت على كرهٍ مريرتهفكاد يفرق بين الروح والجسد
عساكم أن تلاقوا باللقا رمقي ... فليس لي مهجةٌ تقوى على الكمد ثمّ قال: حسبك، وإن كلفتني زيادة فالله حسبك، فقلت له: قد وكلتني إلى كريم غفور رحيم، فبالله إلاّ مازدتني، وأكببت لأقبّل رجليه، فضمهما وأنشد:
لله من قال لمّاشكوت فيه نحولي
أمّا السبيل لوصولٍفما له من وصول
فقلت حسبي التماحٌبحسن وجهٍ جميل
وجهٌ تلوح عليهعلامةٌ للقبول
فقال دعني فهذاتعرّضٌ للفضول
فقلت عاتب وخاطب ... بالأمن أهل العقول فملأ سمعي عجائب، وبسط أنسي، وكتبت كل ما أنشدني، ثمّ قلت له: لولا خوفي من التثقيل عليك لم أزل أستدعي منك الإنشاد حتّى لا تجد ما تنشد، فقال: إن عدت إن شاء الله تعالى إلى هنا تذكرت، وأنشدتك، فما عندي ممّا أضيفك غير ما سمعت، وما تراه، ثمّ قام وجاء من بيت آخر في داره بصحفة فيها حساً من دقيق وكسور باردة، فجعل يفتّ فيها، ثمّ أشار إليّ أن أشرب فشبت ثم شرب إلى أن أتينا على آخرها، ثمّ قال لي: هذا غذاء عمك نهاره، وإنه لنعمة من الله تعالى أستديم بشكرها اتصالها، قال: فقلت له: يا عم، ومن أين عيشك فقال: يا بني، عيشي بتلك الشبكة أصطاد بها في سواحل البحر ما أقتات به، ولي زوجة وبنت يعود من غزلهما مع ذلك ما نجد فيه معونة، وهذا مع العافية والاستغناء عن النّاس خيرٌ كثير، جعلنا الله تعالى ممّن يلقاه على حالة يرضاها، وختم لنا بخاتمة لا يخاف معها فضيحة. قال: فتركته وقمت وفي نيّتي أن أعود إلى زيارته، ونويت أن يكون ذلك بعد أيّام خوف التثقيل، فعدت إليه بعد ثلاثة أيّام، فنقرت الباب، فكلمتني المرأة بلسان عليه أثر حزن، وقالت: إن الشيخ خرج إلى الغزو، وذلك بعد انفصالك عنه بيوم، ناله كالجنون، فقلت له: ما شأنك فقال: أريد أن أموت شهيداً في الغزو، وهؤلاء جيران لي قد
عزموا على الغزو، وأنا إن شاء الله تعالى ماضٍ معهم، ثمّ احتل في سيفٍ ورمح وتوّجه معهم، وقال: نفسي هي التي قتلتني بهواها، أفلا أقتصّ منها فأقتلها قال: فقلت لها: ومن خلف للنظر في شأنكم فقالت: ليس ذلك لك، فالذي خلقنا لا نحتاج معه إلى غيره، فأدركني من جوابها روعة، وعلمت أنها مثله زهداً وصلاحاً، فقلت: إني قريبه، ويجب أن عليّ أن أنظر في حالكم بعده، فقالت: يا هذا إنك لست بذي محرم، ولنا من العجائز من ينظر منا ويبيع غزلنا ويتفقد أحوالنا، فجزاك الله تعاىل عنّا خيراً، انصرف عنّا مشكوراً، فقلت لها هذه دراهم خذوها تستعينوا بها، فقالت ما اعتدنا أن نأخذ شيئاً من غير الله تعالى، وما كان لنا أن نخلّ بالعادة، فانصرفت نادماً على ما فاتني من الاستكثار من شعر الشيخ والتبرك بزيادة دعائه، ثمّ عدت بعد ذلك لدياره سائلاً عنه، فقالت لي المرأة: إنه قد قبله الله تعالى، فعلمت أنه قد قتل، فقلت لها: أقتل فقرأت: " ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله الآية " فانصرفت معتبراً من حاله، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به. وكانت للمروانيين بالأندلس يد عليا، في الدين والدنيا.
انتهى.
وقال محمد بن أيوب المرواني، لمّا كلّف قوماً حاجة له سلطانية فما نهضوا بها فكلّفها رأس بني مروان القائد سعيد بن المنذر، فنهض بها:
نهضت بما سألتك غير وانٍوقد صعبت لسالكها الطريق
وليس يبين فضل المرء إلاّ ... إذا كلّفته ما لا يطيق وعتبه يوماً سعيد بن المنذر في كونه يتعرض لمدح خدام بني مروان، فقال له: أعز الله تعالى القائد الوزير، إنكم جعلتموني ذنباً وجعلوني رأساً، والنفس تتوق إلى من يكرمها وإن كان دونها أكثر منها إلى من يهينها وإن كان فوقها
وإني من هذا وهذا في أمر لا يعلمه إلاّ الذي أبلاني به، ويا ويح الشجيّ من الخليّ، وأنا الذي أقول فيما يتخلل هذا المنزع:
نسبت لقومٍ ليتني نجل غيرهمفلي نسبٌ يعلو وحظي يسفل
أقطّع عمري بالتعلّل والمنىوكم يخدع المرء اللبيب التعلّل
فما لي مكانٌ أرتضيه لهمّةولا مال منه أستعفّ وأفضل
ولكنني أقضي الحياة تجمّلاً ... وهل يهلك الإنسان إلاّ التجمّل فقال له: سعيد قصدنا لومك فعطف اللائمة علينا، ونحن أحق بها، وسننظر إن شاء الله تعالى فيما يرفع اللوم عن الجانبين، ثمّ تكلم مع الناصر في شأنه، فأجرى له رزقاً أغناه عن التكفف، فكانت هذه من حسنات سعيد وأياديه.
وقال المطرف بن عمر المرواني يمدح المظفر بن المنصور بن أبي عامر:
إنّ المظفّر لا يزال مظفّراًحكماً من الرحمن غير مبدّل
وهو الأحقّ بكلّ ما قد حازهمن رفعةٍ ورياسةٍ وتفضّل
تلقاه صدراً كلمّا قلّبته ... مثل السنان بمحفلٍ وبجحفل وحضر يوماً مع شاعر الأندلس في زمانه ابن دراج القسطليّ، فقال له القسطليّ: أنشدني أبياتك التي تقول فيها " على قدر ما يصفو الخليل يكدّر ".
فأنشده:
تخيّرت من بين الأنام مهذّباًولم أدر أني خائبٌ حين أخبر
فمازجني كالراح للماء، واغتدىعلى كل ما جشّمته يتصبر
إلى أن دهاني إذ أمنت غرورهسفاهاً وأدّاني لما ليس يذكر
وكدّر عيشي بعد صفوٍ، وإنما ... على قدر ما يصفو الخليل يكدّر فاهتزّ القسطليّ وقال: والله إنّك في هذه الأبيات لشاعر، وأنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير:
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدهم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل ولكن جعل نفسه فاعلاً وعرّضت نفسك لأن يقال: إنّك مفعول، فقال: ومن أين يلوح ذلك فقال القسطليّ: من قولك " وأدّاني لما ليس يذكر " فما يظن في ذلك إلاّ أنّه أداك إلى موضع فعل بك فيه، فاغتاظ الأموي وقال: بني مروان يحملنا على أن نخرق العادة في الحمل على مكارمهم، فسكن غيظه.
وكتب المرواني المذكور إلى صاحب له يستعير منه دابة يخرج عليها للفرجة والخلاعة: أنهض الله تعالى سيدي بأعباء المكارم، إنّ هذا اليوم قد تبسم أفقه، بعدما بكى ودقه، وصقلت أصداء أوراقه، وفتحت أحداق حدائقه، وقام نوره خطيباً على ساقه، وفضضت غدرانه، وتوّجت أغصانه، وبرزت شمسه من حجابها، بعدما تلفعت بسحابها، وتنبّه في أرجاء الروض أرج النسيم، وعرف في وجهه نضرة النعيم، وقد دعا كلّ هذا ناظر أخيك إلى أن يجيله في هذه المحاسن، ويجددّ نظره في المنظر الذي هو غير مبتذل والماء الذي هو غير آسن، والفحص اليوم أحسن ما ملح، وأبدع ما حرن فيه وجمح، فجد لي بإعارة ما أنهض عليه لمشاهدته ويرفع عني خجل الابتذال، بمناكفة الأنذال، لا زلت نهّاضاً بالآمال، مسعفاً بمراد كل خليل غير مقصر ولا آل.
وكتب الأمير هشام بن عبد الرحمن إلى أخيه عبد الله المعروف بالبلنسي حين فرّ كتاباً يقول في بعض فصوله: والعجب من فرارك دون أن
ترى شيئاً. فخاطبه بجواب يقول فيه: ولا تتعجب من فراري دون أن أرى شيئاً؛ لأنني خفت أن أرى ما لا أقدر على الفرار بعده، ولكن تعجب مني أن حصلت في يدك بعدما أفلتّ منك.
وقال له وزيره أحمد بن شعيب البلنسي: أليس من العار أن يبلغ بك الخور من هذا الصبي أن تجعل بينك وبينه البحر، وتترك بلاد ملكك وملك أبيك فقال: ما أعرف ما تقول، وكل ما وقي به إتلاف النفس ليس بعار، بل هو محض العقل، وأوّل ما ينظر الأديب في حفظ رأسه، فإذا نظر في ذلك نظر فيما بعده.
وقال عبد الله بن بعد العزيز الأموي ويعرف بالحجر:
اجعل لنا منك حظّاً أيها القمرفإنما حظّنا من وجهك النظر
رآك ناسٌ فقالوا: إنّ ذا قمرٌفقلت: كفّوا فعندي منهما الخبر
البدر ليس بغير النّصف بهجته ... حتّى الصباح وهذا كلّه قمر وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج:
وكم من حديثٍ للنبيّ أبانهوألبسه من حسن منطقه وشياً
وكم مصعبٍ للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولاً بعدما كان قد أعيا وحكي أنه دخل بعض شعراء الأندلس على الفقيه سعيد بن أضحى، وكان من أعيان غرناطة، فمدحه بقصيدة، ثمّ بموشّحة، ثمّ بزجل، فلم
يعطه شيئاً، بل شكا إليه فقراً، حتّى إنه بكى، فأخذ الدواة والقرطاس وكتب ووضع بين يديه:
شكا مثال الذي أشكوه من عدمٍوساءه مثل ما قد ساءني فبكى
إنّ المقلّ الذي أعطاك دمعتهنعم الجواد فتىً أعطاك ما ملكا وقال ابن خفاجة:
نهرٌ كما سال اللّمى سلسالوصباً بليلٌ ذيلها مكسال
ومهبّ نفحة روضةٍ مطلولةٍفيها لأفراس النسيم مجال
غازلته والأقحوانة مبسمٌوالآس صدغٌ والبنفسج خال وقال:
وساقٍ كحيل الطّرف في شأو حسنهجماحٌ، وبالصبر الجميل حران
ترى للصّبا ناراً بخدّيه لم يثرلها من سوادي عارضيه دخان
سقانا وقد لاح الهلال عشيّةًكما اعوجّ في درع الكميّة سنان
عقاراً نماها الكرم فهي كريمةٌولم تزن بابن المزن فهي حصان
وقد جال من جون الغمامة أدهمٌله البرق سوطٌ والعنان عنان
وضمّخ ردع الشمس نحر حديقةعليه من الطّلّ السقيط جمان
ونمّت بأسرار الرياض خميلةٌلها النّور ثغرٌ والنسيم لسان
وقال في وصف فرس أصفر، ولم يخرج عن طريقته:
وأشقرٍ تضرم منه الوغىبشعلةٍ من شعل الباس
من جلّنارٍ ناضرٍ لونهوأذنه من ورق الآس
يطلع للغرة في شقرةٍحبابةً تضحك في الكاس وقال أبو بكر يحيى بن سهل اليكي يهجو:
أعد الوضوء إذا نطقت بهمستعجلاً من قبل أن تنسى
واحفظ ثيابك إن مررت بهفالظلّ منه ينجّس الشّمسا وقال ابن اللّبّانة:
أبصرته قصّر في المشيهلمّا بدت في خدّه لحيه
قد كتب الشّعر على خدّه ... " أو كالّذي مرّ على قريه " وقال الوزير الكاتب أبو محمد [ابن] عبد الغفور الإشبيلي في الأمير أبي بكر سير من أمراء المرابطين، وكتب بها إليه في غزاة غزاها:
سر حيث سرت يحلّه النّواروأراك فيه مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةٌوغمامةٌ لا ديمةٌ مدرار
تنفي الهجير بظلّها وتنيم بالرشّ القتام وكيف شئت تدار
وقضى الإله بأن تعود مظفّراًوقضت بسيفك نحبها الكفّار
هذا غير ما تمناه الجعفي حيث قال: حيث ارتحلت وديمة، وما تكاد تنفذ معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر، ونعتها بمدرار، فكان ذلك أبلغ في الإضرار، وما أحسن قول القائل:
فسر ذا رايةٍ خفقت بنصرٍوعد في جحفلٍ بهج الجمال
إلى حمصٍ فأنت بها حليٌّ ... تغاير فيه ربّات الحجال وقال الحجاري في " المسهب ": كتبت إلى القاضي أبي عبد الله محمد اللوشي أستدعي منه شعره لأكتبه في كتابي، فتوقّف عن ذلك وانقبض عني، فكتبت إليه:
يا مانعاً شعره عن سمع ذي أدبنائي المحلّ بعيد الشخص مغترب
يسير عنك به في كلّ متّجهٍكما يمرّ نسيم الريح بالعذب
إنّي وحقّك أهلٌ أن أفوز بهواسأل فديتك عن ذاتي وعن أدبي فكان جوابه:
يا طالباً شعر من لم يسم في الأدبماذا تريد بنظم غير منتخب
إنّي وحقّك لم أبخل به صلفاًومن يضنّ على جيدٍ بمخشلب
لكنني صنت قدري عن روايتهفمثلّه قلّ عن سامٍ إلى الرّتب
خذه إليك كما أكرهت مضطرباً ... محلّلاً ذمّ مولاه مدى الحقب قال: ثمّ كتب لي ممّا أتحفني به من نظمه محاسن أبهى من الأقمار، وأرقّ من نسيم الأسحار.
وقال صالح بن شريف في البحر وهو أحسن ما قيل فيه:
البحر أعظم ممّا أنت تحسبهمن لم ير البحر يوماً ما رأى العجبا
طامٍ له حببٌ طافٍ على زرقٍمثل السّماء إذا ما ملّئت شهبا وقال أيضاً:
ما أحسن العقل وآثارهلو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسهكما يصون الحرّ أسراره
لا سيّما إن كان في غربةٍيحتاج أن يعرف مقداره وقال ابن برطله:
خطوب زماني ناسبتني غرابةًلذلك يرميني بهنّ مصيب
غريبٌ أصابته خطوبٌ غريبةٌ ... " وكلّ غريبٍ للغريب نسيب " وهذا من أحسن التضمين، الذي يزري بالدّرّ الثمين.
ودخل ابن بقيّ الحمّام وفيه الأعمى التّطيلي فقال له: أجز:
حمّامنا كزمان القيظ محتدمٌوفيه للبرد صرٌّ غير ذي ضرر فقال الأعمى:
ضدّان ينعم جسم المرء بينهماكالغصن ينعم بين الشمس والمطر ولا يخفى حسن ما قال الأعمى
وقد ذكر في " بدائع البدائه " البيتين معاً منسوبين إلى ابن بقيّ، ولنذكر كلامه برمته لما اشتمل عليه من الفوائد، ونصه: ذكر ابن بسام قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التّطيلي المعروف بالأعمى وأبو بكر ابن بقيّ الحمام، فتعاطيا العمل فيه، فقال الأعمى:
يا حسن حمّامنا وبهجتهمرأى من السحر كلّه حسن
ماءٌ ونارٌ حواهما كنفٌكالقلب فيه السرور والحزن ثمّ أعجبه المعنى فقال:
ليس على لهونا مزيدولا لحمّامنا ضريب
ماء وفيه لهيب نارٍكالشمس في ديمةٍ تصوب
وابيّض من تحته رخامٌكالثلج حين ابتدا يذوب وقال ابن بقيّ:
حمّامنا فيه فصل القيظالبيتين
فقال الأعمى وقد نظر فيه إلى فتّى صبيح:
هل استمالك جسم ابن الأمير وقدسالت عليه من الحمّام أنداء
كالغصن باشر حرّ النار من كثبٍفظلّ يقطف من أعطافه الماء [وصف حمّام مشرقي]
قلت: تذكرت هنا عند ذكر الحمّام ما حكاه بدر الدين الحسن بن زفير الإربلي المتطبب إذ قال: رأيت في بغداد في دار الملك شرف الدين هرون ابن
الوزير الصحب شمس الدين محمد الجويني حمّاماً متقن الصنعة، حسن البناء، كثير الأضواء، قد احتفّت به الأزهار والأشجار، فأدخلني إليه سائسه، وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى المنشىء الإربلي، وكان سائس هذا الحمّام خادماً حبشياً كبير السن والقدر، فطاف بي عليه، وأبصرت مياهه وشبابيكه وأنابيبه المتخذ بعضها من فضة مطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوّت بأصوات طيبة، ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض إلى بركة حسنة الإتقان، ثمّ منها إلى البستان، ثمّ أراني نحو عشر خلوات، كلّ خلوة صنعتها أحسن من صنعة أختها، ثمّ انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد، ففتحه، ودخل بي إلى دهليز طويل كلّه مرخم بالرخام الأبيض الساذج، وفي صدر الدهليز خلوة مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة أنفس إذا كانوا قعوداً وتسع اثنين إذا كانوا نياماً، ورأيت من العجائب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالاً لا فرق بينه وبين صقال المرآة، يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها، ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وصفر وخضر ومذهبة وكلّها متخذة من بلّور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر، فأما الأخضر فيقال إنّه حجارة تأتي من الروم، وأما المذهب فزجاج ملبس بالذهب، وتلك الصورة في غاية الحسن والجمال، على هيئات مختلفة في اللون وغيره، وهي ما بين فاعل ومفعول به، إذا نظر المرء إليها تحركت شهوته، وقال لي الخادم السائس: هذا صنع على هذه الصفة لمخدومي، حتّى إنّه إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على أعجاز بعض تتحرك شهوته سريعاً، فيبادر إلى مجامعة من يحبه.
قال الحاكي: وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي دخلت إليها هي مخصوصة بهذا الفعل، إذا أراد الملك شرف الدين هرون الاجتماع في الحمّام بمن يهواه من الجواري الحسان والصور الجميلة والنساء الفائقات الحسن لم يجتمع به إلاّ في هذه
الخلوة، من أجل أنه يرى كل محاسن الصور الجميلة مصوّرة في الحائط ومجسمة بين يديه، ويرى كل منهما صاحبه على هذه الصفة، ورأيت في صدر الخلوة رخام مضلع وعليه أنبوب مركب في صدره، وأنبوب آخر برسم الماء البارد، والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر، وعن يمين الحوض ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الندّ والعود، وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموالٌ كثيرة، وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة: من أي شيء صنعت فقال لي: ما أعلم.
قال الحاكي: فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة، ولا بأحسن من ذلك الحمّام، مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما، فإنه لم تتكرر رؤيتي لهما، ولا اتفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما، وفي الذي ذكرت كفاية.
انتهى.
[دار جمال الملك البغدادي]
ولمّا اتصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دوراً أخرى إلى جانبها، وهدم الكل وأنشأ داره الكبيرة، وأعانه الخليفة في بنائها، وأطلق له أموالاً وآلات البناء، وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرّة وأجريت الدار بالذهب، وصنع فيها الحمّام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يميناً خرج ماء حار وإن فركه شمالاً خرج ماء بارد، وكان على إيوان الدار مكتوباً:
إن عجب الراءون من ظاهريفباطني لو علموا أعجب
شيّدني من كفّه مزنةٌيهمل منها العارض الصّيّب
ودبجت روضة أخلاقهفيّ رياضاً نورها مذهب
صدرٌ كسا صدري من نورهشمساً على الأيّام لا تغرب وكتب على الطرز:
ومن المروءة للفتىما عاش دارٌ فاخره
فاقنع من الدنيا بهاواعمل لدار الآخره
هاتيك وافيةٌ بماوعدت، وهذي ساخره وكتب على النادي:
ونادٍ كأن جنان الخلودأعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزمان أن لا تلمّ به موثقا
فأضحى يتيه على كلّ مابنى مغرباً كان أو مشرقا
تظلّ الوفود به عكفّاًوتمسي الضيوف به طرّقا
بقيت له يا جمال الملوك والفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمانووقّيت فيه الذي يتقّى [أشعار للمشارقة في الحمّام]
وعلى ذكر الحمّام فما أحكم قول ابن الوردي فيما أظن:
وما أشبه الحمّام بالموت لامرىءٍتذكر؛ لكن أين من يتذكر
يجرّد عن أهلٍ ومالٍ وملبسٍويصحبه من كلّ ذلك مئزر
وقال الشهاب بن فضل الله:
وحمّامكم كعبةٌ للوفودتحجّ إليه حفاةً عراه
يكرر صوت أنابيبه ... كتاب الطهارة باب المياه وقد تمثل بهذين البيتين البرهان القيراطي في جواب كتاب استدعاه فيه بعض أهل عصره إلى الحمّام، وافتتح الجواب بقوله:
قد أجبنا وأنت أيضاً فصبّحت بصبحي سوالفٍ وسلاف
وبساقٍ يسبي العقول بساقٍوقوامٍ وفق العناق خلافي ووصله بنثرٍ تمثل فيه بالبيتين كما مر
ولبعضهم:
إن حمّامنا الذي نحن فيهأيّ ماءٍ به وأيّة نار
قد نزلنا به على ابن معينٍوروينا عنه صحيح البخار [ي] وألغز بعضهم في الحمّام بقوله:
ومنزل أقوامٍ إذا ما تقابلواتشابه فيه وغده ورئيسه
ينفّس كربي إذ ينفّس كربهويعظم أنسي إذ يقلّ أنيسه
إذا ما أعرت الجوّ طرفاً تكاثرت ... على من به أقماره وشموسه رجع إلى ما كنّا فيه من كلام أهل الأندلس، فنقول:
وكان محمد بن خلف بن موسى البيري متكلماً متحققاً برأي الأشعرية، وذاكراً لكتب الأصول في الاعتقاد، مشاركاً في الأدب، مقدماً في الطب، ومن نظمه يمدح إمام الحرمين رحمه الله تعالى:
حبّ حبرٍ يكنى أباً للمعاليهو ديني ففيه لا تعذلوني
أنا والله مغرمٌ بهواه ... عللوني بذكره عللّوني وكتب أبو الوليد ابن الجنان الشاطبي يستدعي بعض إخوانه إلى مجلس أنس بما صورته: نحن في مجلس أغصانه الندامة، وغمامه الصهباء، فبالله إلاّ ما كنت لروض مجلسنا نسيماً، ولزهر حديثنا شميماً، وللجسم روحاً، وللطيب ريحاً، وبيننا عذراء زجاجتها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة، إذا طاف بها معصم الساقي فوردة على غصنها، أو شربها مقهقهةً فحمامة على فننها، طافت علينا طوفان القمر على منازل الحلول، فأنت وحياتك إكليلنا وقد آن حلولها في الإكليل. انتهى.
وقال أبو الوليد المذكور:
فوق خدّ الورد دمعٌمن عيون السّحب يذرف
برداء الشمس أضحىبعدما سال يجفّف [حكاية مشرقية عن الورد والياسمين]
وتذكرت هنا بذكر الورد ما حكاه الشيخ أبو البركات هبة الله بن محمد النصيبي المعروف بالوكيل، وكان شيخاً ظريفاً فيه آداب كثيرة، إذ قال:
كنت في زمن الربيع والورد في داري بنصيبين، وقد أحضر من بستاني من الورد والياسمين شيء كثير، وعملت على سبيل الولع دائرة من الورد تقابلها دائرة من الياسمين، فاتفق أن دخل علي شاعران كانا بنصيبين أحدهما يعرف بالمهذب والآخر يعرف بالحسن ابن البرقعيدي، فقلت لهما: اعملا في هاتين الدائرتين، ففكرّا ساعة ثمّ قال المهذب:
يا حسنها دائرةًمن ياسمينٍ مشرق
والورد قد قابلهافي حلّةٍ من شفق
كعاشقٍ وحبّهتغامزا بالحدق
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من فرق قال: فقلت للحسن: هات، فقال: سبقني المهذب إلى ما لمحته في هذا المعنى، وهو قولي:
يا حسنها دائرةًمن ياسمينٍ كالحلي
والورد قد قابلهافي حلّةٍ من خجل
كعاشقٍ وحبّهتغامزا بالمقل
فاحمرّ ذا من خجلٍ ... واصفرّ ذا من وجل قال: فعجبت من اتفاقهما في سرعة الاتحاد، والمبادرة إلى حكاية الحال.
انتهى.
وما ألطف قول بعضهم:
أرى الورد عند الصبح قد مدّ لي فماًيشير إلى التقبيل في حالة اللّمس
وبعد زوال الشمس ألقاه وجنةًوقد أثّرت في وسطها قبلة الشمس
وقال ابن ظافر في " بدائع البدائه ": اجتمع الوزير أبو بكر ابن القبطرنة والأديب أبو العباس ابن صارة الأندلسيان في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فقال ابن القبطرنة:
هذي البسيطة كاعبٌ أبرادهاحلل الربيع وحليها النّوّار فقال ابن صارة:
وكأنّ هذا الجوّ فيها عاشقٌقد شفّه التعذيب والإضرار ثم قال ابن صارة أيضاً:
وإذا شكا فالبرق قلبٌ خافقٌوإذا بكى فدموعه الأمطار فقال ابن القبطرنة:
من أجل ذلّة ذا وعزة هذهيبكي الغمام وتضحك الأزهار [بديهة ابن ظافر]
وتذكرت هنا ما حكاه ابن ظافر في الكتاب المذكور أنّه اجتمع مع القاضي الأعز يوماً فقال له ابن ظافر: أجز:
طار نسيم الروض من وكر الزّهرفقال الأعز:
وجاء مبلولالجناح بالمطر انتهى
ويعجبني قول ابن قرناص:
أظنّ نسيم الروض والزهر قد روىحديثاً ففاحت من شذاه المسالك
وقال دنا فصل الربيع فكلّهثغورٌ لما قال النسيم ضواحك رجع إلى الأندلسيين:
وما أرق قول ابن الزقاق:
ورياضٍ من الشقائق أضحتيتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منهازهراتٍ تفوق لون الراح
قلت: ما ذنبها فقال مجيباً:سرقت حمرة الخدود الملاح وقال أبو إسحاق ابن خفاجة:
تعلقته نشوان من خمر ريقهله رشفها دوني ولي دونه السكر
ترقرق ماءً مقلتاي ووجههويذكي على قلبي ووجنته الجمر
أرقّ نسيبي فيه رقّة حسنهفلم أدر أيٌّ قبلها منهما السحر
وطبنا معاً شعراً وثغراً كأنّما ... له منطقي ثغرٌ ولي ثغره شعر وقال أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز:
وقائلةٍ: ما بال مثلك خاملاًأأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنّنيلما لم يحوزه من المجد حائز
وما فاتني شيء سوى الحظّ وحدهوأما المعالي فهي عندي غرائز وقال:
جدّ بقلبي وعبثثمّ مضى وما اكترث
وا حربا من شادنٍفي عقد الصبر نفث
يقتل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث وقال البليغ الفاضل يحيى بن هذيل أحد أعيان شعراء الأندلس:
نام طفل النبت في حجر النّعامىلاهتزاز الطّلّ في مهد الخزامى
وسقى الوسميّ أغصان النّقافهوت تلثم أفواه الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجىوغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيّاً ثملٍقد سقته راحة الصبح مداما
حوله الزهر كؤوسٌ قد غدتمسكة الليل عليهنّ ختاما وتذكرت هنا قول الآخر، وأظنّه مشرقيّاً:
بكر العارض تحدوه النّعامىفسقاك الريّ يا دار أماما
وتمشّت فيك أرواح الصّبايتأرّجن بأنفاس الخزامى
قد قضى حفظ الهوى أن تصبحيللمحبين مناخاً ومقاما
وبجرعاء الحمى قلبي، فعجبالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترحّل فتحدّث عجباًأنّ قلباً سار عن جسمٍ أقاما
قل لجيران الغضا آهاً علىطيب عيش بالغضا لو كان داما
حمّلوا ريح الصّبا من نشركمقبل أن تحمل شيحاً وثماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما وخرج بعض علماء الأندلس من قرطبة إلى طليطلة، فاجتاز بحريز بن عكاشة الشجاع المشهور الذي ذكرنا في هذا الباب ما يدل على شجاعته وقوته وأيده، بقلعة رباح، فنزل بخارجها في بعض جنباتها، وكتب إليه:
يا فريداً دون ثانوهلالاً في العيان
عدم الراح فصارتمثل دهن البلسان فبعث إليه بها، وكتب معها:
جاء من شعرك روضٌجاده صوب اللسان
فبعثناها سلافاًكسجاياك الحسان [أشعار لابن شهيد]
وقال الوزير أبو عامر ابن شهيد يتغزل:
أصباحٌ شيم أم برقٌ بداأم سنا المحبوب أورى زندا
هبّ من مرقده منكسراًمسبلاً للكمّ مرخٍ للرّدا
يمسح النعسة من عيني رشاًصائدٍ في كلّ يومٍ أسدا
أوردته لطفاً آياتهصفوة العيش وأرعته ددا
فهو من دلٍّ عراه زبدةٌمن مريجٍ لم تخالط زبدا
قلت هب لي يا حبيبي قبلةتشف من عمك تبريح الصّدى
فانثنى يهتزّ من منكبهمائلاً لطفاً وأعطاني اليدا
كلّما كلّمني قبّلتهفهو إمّا قال قولاً ردّدا
كاد أن يرجع من لثمي لهوارتشاف الثغر منه أدردا
وإذا استنجزت يوماً وعدهأمطل الوعد وقال: اصبر غدا
شربت أعطافه ماء الصّباوسقاه الحسن حتّى عربدا
فإذا بتّ به في روضةٍأغيد يقرو نباتاً أغيدا
قام في الليل بجيدٍ أتلعٍينفض اللّمّة من دمع الندى
ومكانٍ عازبٍ عن جيرةأصدقاءٍ وهم عين العدا
ذي نباتٍ طيّبٍ أعراقهكعذار الشّعر في خدّ بدا
تحسب الهضبة منه جبلاً ... وحدور الماء منه أبردا وقال يرثي القاضي ابن ذكوان، نجيب ذلك الأوان، وقد افتنّ في الآداب، وسنّ فيها سنّة ابن داب، وما فارق ربع الشباب شرخه، ولا استمجد في الكهولة عفاره ولا مرخه، وكان لأبي عامر هذا قسيم نفسه، ونسيم أنسه:
ظننّا الذي نادى محقّاً بموتهلعظم الذي أنحى من الرّزء كاذبا
وخلنا الصباح الطّلق ليلاً وأنّناهبطنا خداريّاً من الحزن كاربا
ثكلنا الدّنى لمّا استقلّ وإنمّافقدناك يا خير البريّة ناعبا
وما ذهبت إذ حلّ في القبر نفسهولكنّما الإسلام أدبر ذاهبا
ولمّا أبى إلاّ التحمّل رائحاًمنحناه أعناق الكرام ركائبا
يسير به النعش الأعزّ وحولهأباعد كانوا للمصاب أقاربا
عليه حفيفٌ للملائك أقبلتتصافح شيخاً ذاكر الله تائبا
تخال لفيف الناس حوله ضريحهخليط قطاً وافى الشريعة هاربا
إذا ما امتروا سحب الدموع تفرعتفروع البكا عن بارق الحزن لاهبا
فمن ذا لفصل القول يسطع نورهإذا نحن ناوينا الألدّ المناوبا
ومن ذا ربيع المسلمين يقوتهمإذا الناس شاموها بروقاً كواذبا
فيا لهف قلبي آهٍ ذابت حشاشتيمضى شيخنا الدّفّاع عنّا النوائبا
ومات الذي غاب السرور لموتهفليس وإن طال السّرى منه آيبا
وكان عظيماً يطرق الجمع عندهويعنو له ربّ الكتيبة هائبا
وذا مقولٍ عضب الغرارين صارمٍيروح به عن حومة الدين ضاربا
أبا حاتمٍ صبر الأديب فإنّنيرأيت جميل الصبر أحلى عواقبا
وما زلت فينا ترهب الدهر سطوةًوصعباً بها نعي الخطوب المصاعبا
سأستعتب الأيّام فيك لعلّهالصحّة ذاك الجسم تطلب طالبا
لئن أفلت شمس المكارم عنكم ... لقد أسأرت بدراً لها وكواكبا قال في " المطمح ": ودبّت إلى أبي عامر ابن شهيد أيّام العلويين عقارب، برئت بها منه أباعد وأقارب، واجهه بها صرف قطوب، وانبرت إليه منها خطوب، نبا لها جنبه عن المضجع، وبقي بها ليالي يأرق ولا يهجع، إلى أن أعلقت في الاعتقال آماله، وعقلته في عقال أذهب ماله، فأقام مرتهناً، ولقي وهناً، وقال:
قريبٌ بمحتلّ الهوان مجيديجود ويشكو حزنه فيجيد
نعى صبره عند الإمام فيا لهعدوّ لأبناء الكرام حسود
وما ضرّه إلاّ مزاحٌ ورقّةٌثنته سفيه الذكر وهو رشيد
جنى ما جنى في قبّة الملك غيرهوطوّق منه بالعظيمة جيد
وما فيّ إلاّ الشّعر أثبته الهوىفسار به في العالمين فريد
أفوه بما لم آته متعرضاًلحسن المعاني تارةً فأزيد
فإن طال ذكري بالمجون فإنّهاعظائم لم يصبر لها جليد
وهل كنت في العشاق أول عاقلٍهوت بحجاه أعينٌ وخدود
فراقٌ وشجوٌ واشتياقٌ وذلةوجبّار حفّاظٍ عليّ عتيد
فمن يبلغ الفتيان أنّي بعدهممقيمٌ بدار الظالمين وحيد
مقيمٌ بدارٍ ساكنوها من الأذىقيامٌ على جمر الحمام قعود
ويسمع للجنّان في جنباتهابسيطٌ كترجيع الصّدى ونشيد
ولست بذي قيدٍ يرنّ، وإنّماعلى اللحظ من سخط الإمام قيود
وقلت لصدّاح الحمام وقد بكىعلى القصر إلفاً والدّموع تجود
ألا أيّها الباكي على من تحبّهكلانا معنّىً بالخلاء فريد
وهل أنت دانٍ من محبٍّ نأى بهعن الإلف سلطانٌ عليه شديد
فصفّق من ريش الجناحين واقعاًعلى القرب حتّى ما عليه مزيد
وما زال يبكيني وأبكيه جاهداًوللشوق من دون الضّلوع وقود
إلى أن أبكى الجدران من طول شجوناوأجهش بابٌ جانباه حديد
أطاعت أمير المؤمنين كتائبٌتصرّف في الأموال كيف تريد
فللشمس عنها بالنهار تأخّرٌوللبدر شحنا بالظلام صدود
ألا إنّها الأيام تلعب بالفتىنحوسٌ تهادى تارةً وسعود
وما كنت ذا أيدٍ فأذعن ذا قوىًمن الدهر مبدٍ صرفه ومعيد
وراضت صعابي سطوةٌ علويةٌلها بارقٌ نحو الندى ورعود
تقول التي من بيتها كفّ مركبيأقربك دانٍ أم مداك بعيد
فقلت لها أمري إلى من سمت به ... إلى المجد آباء له وجدود ثمّ قال: ولزمته آخر عمره علّة دامت به سنين، ولم تفارقه حتّى تركته يد جنين، وأحسب أن الله أراد بها تمحيصه، وإطلاقه من ذنب كان قنيصه، فطهره تطهيراً، وجعل ذلك على العفو له ظهيراً، فإنّها أقعدته حتّى حمل في المحفّة، وعاودته حتّى غدت لرونقه مشتفّة، وعلى ذلك فلم يعطل لسانه، ولم يبطل إحسانه، ولم يزل يستريح إلى القول، ويزيح ما كان يجده من الغول، وآخر شعر قاله قوله:
ولمّا رأيت العيش لوّى برأسهوأيقنت أن الموت لا شكّ لاحقي
تمنّيت أنّي ساكنٌ في عباءةٍبأعلى مهبّ الريح في رأس شاهق
أردّ سقيط الطّلّ في فضل عيشتيوحيداً وأحسو الماء ثني المعالق
خليليّ من ذاق المنيّة مرّةًفقد ذقتها خمسين، قولة صادق
كأني وقد حان ارتحالي لم أفزقديماً من الدنيا بلمحة بارق
فمن مبلغٌ عنّي ابن حزمٍ وكان لييداً في ملمّاتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارقٌوحسبك زاداً من حبيبٍ مفارق
فلا تنس تأبيني إذا ما ذكرتنيوتذكار أيّامي وفضل خلائقي
وحرّك له بالله من أهل فننّاإذا غيبوني كلّ شهمٍ غرانق
عسى هامتي في القبر تسمع بعضهبترجيع شادٍ أو بتطريب طارق
فلي في ادّكاري بعد موتي راحةٌفلا تمنعوها لي علالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدّمت ... ذنوبي به ممّا درى من حقائق وكان أبو مروان عبد الملك بن غصن مستولياً على وزارة ابن عبيدة ولسانه ينشد:
وشيّدت مجدي بين أهلي ولم أقلألا ليت قومي يعلمون صنيعي وهجا ابن ذي النون بقوله:
تلقبت بالمأمون ظلماً، وإنّنيلآمن كلباً حيث لست مؤمّنه
حرامٌ عليه أن يجود ببشرهوأما الندى فاندب هنالك مدفنه
سطور المخازي دون أبواب قصره ... بحجّابه للقاصدين معنونه فلمّا تمكّن منه المأمون سجنه، فكتب إلى ابن هودٍ من أبيات:
أيا راكب الوجناء بلّغ تحيّةًأمير جذامٍ من أسيرٍ مقيّد
ولمّا دهتني الحادثات ولم أجدلها وزراً أقبلت نحوك أعتدي
ومثلك من يعدي على كلّ حادثٍرمى بسهامٍ للردى لم ترصد
فعلّك أن تخلو بفكرك ساعةًلتنقذني من طول همٍّ مجدّد
وها أنا في بطن الثرى وهو حاملٌفيّسر على رقبى الشفاعة مولدي
حنانيك ألفاً بعد ألفٍ فإنّنيجعلتك بعد الله أعظم مقصدي
وأنت الذي يدري إذا رام حاجةًتضلّ بها الآراء من حيث يهتدي
فرّق له ابن هود، وتحيّل حتّى خلّصه بشفاعته، فلمّا قدم عليه أنشده:
حياتي موهوبةٌ من علاكاوكيف أرى عادلاً عن ذراكا
ولو لم يكن لك من نعمةٍعليّ وأصبحت أبغي سواكا
لناديت في الأرض هل مسعفٌ ... مجيبٌ فلم يصغ إلاّ نداكا فطرب ابن هود، وخلع عليه ثوب وزارته، وجعله من أعلام سلطنته وإمارته.
وقال المنصور بن أبي عامر للشاعر المشهور أبي عمر يوسف الرمادي: كيف ترى حالك معي فقال فوق قدري ودون قدرك، فأطرق المنصور كالغضبان، فانسلّ الرمادي وخرج وقد ندم على ما بدر منه، وجعل يقول: أخطأت، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق، ما كان ضرّني لو قلت له: إنّي بلغت السماء، وتمنطقت بالجوزاء، وأنشدته:
متى يأت هذا الموت لا يلف حاجةًلنفسي إلا قد قضيت قضاءها لا حول ولا قوة إلاّ بالله
ولمّا خرج كان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور، فوجد فرصة فقال: وصل الله لمولانا الظفر والسعد، إنّ هذا الصنف صنف زور وهذيان لا يشكرون نعمة، ولا يرعون إلاًّ ولا ذمّة، كلاب من غلب، وأصحاب من أخصب، وأعداء من أجدب، وحسبك منهم أن الله ﷻ يقول فيهم " والشّعراء يتّبعهم الغاوون ... إلى مالا يفعلون "، والابتعاد منهم أولى من الاقتراب، وقد قيل فيهم: ما ظنّك بقوم الصدق يستحسن إلاّ منهم فرفع المنصور رأسه، وكان محبّاً في أهل الأدب والشعر، وقد اسودّ وجهه، وظهر فيه الغضب المفرط، ثمّ قال: ما بال أقوام يشيرون في شيء لم يستشاروا فيه، ويسيئون الأدب بالحكم فيما
لا يدرون أيرضي أم يسخط وأنت أيّها المنبعث للشرّ دون أن يبعث، قد علمنا غرضك في أهل الأدب والشعر عامة، وحسدك لهم، لأن الناس كما قال القائل:
من رأى الناس له فض ... لاً عليهم حسدوه وعرفنا غرضك في هذا الرجل خاصّة، ولسنا إن شاء الله تعالى نبلّغ أحداً غرضه في أحد، ولو بلّغناكم بلغنا في جانبكم، وإنّك ضربت في حديد بارد، وأخطأت وجه الصواب، فزدت بذلك احتقاراً وصغاراً، وإنّي ما أطرقت من خطاب الرمادي إنكاراً عليه، بل رأيت كلاماً يجلّ عن الأقدار الجليلة، وتعجبت من تهدّيه له بسرعة، واستنباطه له على قلّته من الإحسان الغامر ما لا يستنبطه غيره بالكثير، والله لو حكّمته في بيوت الأموال لرأيت أنّها لا ترجح ما تكلّم به قلبه ذرة، وإيّاكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص قبل أن يؤخذ معه فيه، ولا تحكموا علينا في أوليائنا ولو أبصرتم منّا التغيّر عليهم، فإنّنا لا نتغير عليهم بغضاً لهم وانحرافاً عنهم، بل تأديباً وإنكاراً، فإنّا من نريد إبعاده لم نظهر له التغير، بل ننبذه مرّة واحدة، فإن التغير إنّما يكون لمن يراد استبقاؤه، ولو كنت مائل السمع لكل أحد منكم في صاحبه لتفرقتم أيدي سبا، وجونبت أنا مجانبة الأجرب، وإنّي قد أطلعتكم على ما في ضميري فلا تعدلوا عن مرضاتي، فتجنبوا سخطي بما جنيتموه على أنفسكم؛ ثمّ أمر أن يردّ الرمادي وقال له: أعد عليّ كلامك، فارتاع، فقال: الأمر على خلاف ما قدرت، الثواب أولى بكلامك من العقاب، فسكن لتأنيسه، وأعاد ما تكلّم به، فقال المنصور: بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدر لكلام استحسنه منه، وقد أمرنا لك بما لا يقصر عن ذلك ما هو أنوه وأحسن عائدة؛ وكتب له بمال وخلع وموضع يتعيّش منه، ثمّ ردّ رأسه إلى المتكلّم في شأن الرمادي،
وقد كان يغوص في الأرض لو وجد لشدة ما حلّ به ممّا رأى وسمع، وقال: والعجب من قوم يقولون الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب، نعم ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها، ولا أيادٍ يرغب في نشرها، فأين الذين قيل فيهم:
على مكثريهم رزق من يعتريهموعند المقلّين السماحة والبذل وأين الذي قيل فيه:
إنّما الدنيا أبو دلفٍبين مبداه ومحتضره
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع