من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (١٤)
قطعةً من كبده:
ولكنه صوب العقول إذا انبرت ... سحائب منه أعقبت بسحائب وقد استعمل الحريري هذا في مقاماته عندما يذكر طلوع الفجر، وهو من القدرة على الكلام، وأرى الخطيب ابن نباتة ممن لا يلحق في هذا الباب، فإنه أملى مجلدة معناها من أولها إلى آخرها: يأيها الناس اتقوا الله واحذروه فإنكم إليه راجعون، وهذا أمر بارع معجز، والناس يذهلون عن هذه النكتة فيه، انتهى كلام الصفدي ملخصاً.
وقال في الوافي، بعد ذكره جملةً من أحوال ابن زيدون، ما نصه: وقال بعض الأدباء: من لبس البياض، وتختم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو، وتفقه للشافعي، وروى شعر ابن زيدون، فقد استكمل الظرف. وكان يسمى بحتري المغرب لحسن ديباجة نظمه، وسهولة معانيه، انتهى.
رجع إلى كلام أهل الأندلس:
وكان الأديب المحدث أبو الربيع سليمان بن علي الشلبي الشهير بكثير يهوى من يتجنى عليه ويقول: إنه أبرد من الثلج، فخاطبه كثير بقوله:
يا حبيباً له كلامٌ خلوبقلّبت في لظى هواه القلوب
كيف تعزو إلى محبّك برداًومن الحبّ في حشاه لهيب
أنت شمسٌ وقلت إني ثلجٌفلهذا إذا طلعت أذوب
وقال ابن مهران مما يشتمل على أربعة أمثال:
المال زينٌ، والحياة شهيّةٌ،والجود يفقر، والشجاعة تقتل
والبخل عيبٌ، والجبان مذمّمٌ،والقصد أحكم، والتوسط أجمل وقال ابن السيد البطليوسي متغزلاً:
نفسي الفداء لجؤذرٍ حلو اللّمىمستحسن بصدوده أضناني
في فيه سمطا جوهرٍ يروي الظمالو علّني ببروده أحياني ويخرج من هذه القطعة عدة قطع
وقال ابن صارة مضمناً:
إلى كم ينفر الدينار منّيويطلب كفّ من عنه يحيد
ألم أنشده في وادي هياميبه لو كان يعطفه النشيد
حبيبي أنت تعلم ما أريدولكن لا ترقّ ولا تجود
وكم غنّيت حين تنكبتنيمنىً شيطانها أبداً مريد
" يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما يريد " وقال ذو الرياستين أبو مروان عبد الملك بن رزين:
بالله إن لم تزدجريا مشبه البدر المنير
لأسرّحنّ نواظريفي ذلك الورد النضير
ولآكلنّك بالمنىولأشربنّك بالضمير وقال ابن عبد ربه:
اشرب على المنظر الأنيقوامزج بريق الحبيب ريقي
واحلل وشاح الكعاب رفقاًخوفاً على خصرها الرقيق
وقل لمن لام في التصابي ... خلّ قليلاً عن الطريق وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً من بلاغة أهل الأندلس في الجد والهزل ما فيه مقنع لمن اقتصر عليه.
ومن حكاياتهم في عدم احتمال الضيم والذل والوصف بالأنفة: أنه لما ثار أيوب بن مطروح في المائة الخامسة في الفتنة على ملك غرناطة عبد الله بن بلقين بن حبوس وخاض بحار الفتنة حتى رماه موجها فيمن رمى على الساحل، وحصل فيما بث عليهم يوسف بن تاشفين من الحبائل، وكانت له همة وأنفة عظيمة، وخلع عن إمارته، وحصل في حبالته، أدخل رأسه تحته، فانتظر من حضر معه أن يتكلم أو يخرج رأسه، فلم يكن إلا قليل حتى وقع ميتاً، رحمه الله تعالى.
ولما ثار الميورقي بإفريقية على بني عبد المؤمن الثورة المشهورة، وخدمه جملة من أعيان أهل الأندلس، وكان من جملتهم مالك بن محمد بن سعيد العنسي، كتب عنه من رسالة: وبعد، فإنا لا نحتاج لك إلى برهان على أمير لسانه الحسام، وأيده التأييد الرباني الذي لا يرام، قد نصب خيامه
بالبراح، ولم يتخذ سوراً غير سمر القنا وبيض الصفاح، له من العزم ردء ومن الرأي كمين:
إذا صدق الحسام ومنتضيه ... فكلّ قرارةٍ حصنٌ حصين وهو من القوم الذين لا يجورون على جار، ولا يرحلون بخزية ولا يتركون من عار، دينهم دين التقوى، وإن كنت من ذلك في شك فاقدم علينا حتى يصح لك اختبار الذهب بالسبك، وأنت بالخيار في الظعن والإقامة، فإن حللت نزلت خير منزل، وإن رحلت ودعت أفضل وداع، وسرت في كنف السلامة، إذ قد شهرنا بأنا لا نقيد إلا بالإحسان، وأن ندع لاختياره كل إنسان.
ومن حكايات أهل الأندلس في الجود والفضل ومكارم الأخلاق: أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد، فأدخلت عليه جملة من دنانير السكة، فأمر له بخريطتين منها، وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصع بنفيس الدر، فقال أبو العرب: ما يحمل هذه الدنانير إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر له به، فقال:
أعطيتني جملاً جوناً شفعت بهحملاً من الفضّة البيضاء لو حملا
نتاج جودك في أعطان مكرمةٍلا قدّ تعرف من منعٍ ولا عقلا
فاعجب لشأني فشأني كله عجبٌرفّهتني فحملت الحمل والجملا ومن نظم أبي العرب المذكور:
إلام اتباعي للأماني الكواذبوهذا طريق المجد بادي المذاهب
أهمّ ولي عزمان: عزمٌ مشرّقٌوآخر يثني همّتي للمغارب
ولا بدّ لي أن أسأل العيس حاجةًتشقُّ على أخفاقها والغوارب
إذا كان أصلي من ترابٍ فكلّها ... بلادي وكلّ العالمين أقاربي وذكر الحافظ الحجاري في " المسهب " أنه سأل عمه أبا محمد عبد الله بن إبراهيم عن أفضل من لقي من أجواد تلك الحلبة، فقال: ياابن أخي، لم يقدر أن يقضي لي الاستمطار بهم، في شباب أمرهم قد هرم، وساءت بتغير الأحوال ظنونهم، وملوا الشكر، وضجروا من المروءة، وشغلتهم المحن والفتن، فلم يبق فيهم فضل للإفضال وكانوا كما قال أبو الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم فإن يكن أتاه على الهرم فإنا أتيناه وهو في سياق الموت، ثم قال: ومع هذا فإن الوزير أبا بكر ابن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، كان يحمل نفسه ما لا يحمله الزمان، ويبسم في موضع القطوب، ويظهر الرضى في حالة الغضب، ويجهد ألا ينصرف عنه أحدٌ غير راضٍ، فإن لم يستطع الفعل عوض عنه القول. قلت له: فالمعتمد بن عباد كيف رأيته فقال: قصدته وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في غزوته للنصارى المشهورة، فرفعت له قصيدة منها:
لا روّع الله سرباً في رحابهموإن رموني بترويعٍ وإبعاد
ولا سقاهم على ما كان من عطشٍإلا ببعض ندى كفّ ابن عباد
ذي المكرمات التي مازلت تسمعهاأنس المقيم وفي الأسفار كالزاد
يا ليت شعري ماذا يرتضيه لمنناداه يا موئلي في جحفل النادي
فلما انتهيت إلى هذا البيت قال: أما ما أرتضيه لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان، وأمر خادماً له فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن، فإني انصرفت به المرية، وكان يعجبني سكناها والتجارة بها، لكونها ميناء لمراكب التجار من مسلم وكافر، فتجرت فيها فكان إبقاء ماء وجهي على يديه، رحمة الله تعالى عليه. ثم أخذ البطاقة وجعل يجيل النظر والفكر في القصيدة، وانا مترقب لنقده، لكونه في هذا الشأن من أئمته، وكثيراً ما كان الشعراء يتحامونه لذلك إلا من عرف من نفسه التبريز، ووثق بها، إلى أن انتهى إلى قولي:
لا سقاهم على ما كان من عطش ... إلا ببعض ندى كف ابن عبّاد فقال: لأي شيء بخلت عليهم أن يسقوا بكفه فقلت: إذن كان يلحقني من النقد ما لحق ذا الرمة في قوله:
ولا زال منهلاًّ بجرعائك القطر ... وكان طوفان نوح أهون عليهم من ذلك، فتألقت غرته، وبدت مسرته، وقال: إنا لله على أن لم يعنا الزمان على مكافأة مثلك. قال: وكنت ممن زاره بسجنه بأغمات، وحملتني شدة الحمية له والامتعاض لما حل به أن كتبت على حائط سجنه متمثلاً:
فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل ثم تفقدت الكتابة بعد أيام، فوجدت تحت البيت: لذلك سجناه:
ومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ... تصيّده الضرغام فيما تصيدا فما أدرى من جاوب بذلك، ثم عدت له ووجدته قد محي، وأعلمت بذلك ابن عباد، فقال: صدق المجاوب، وأنا الجاني على نفسه، والحافر بيده لرمسه، ولما أردت وداعه أمر لي بإحسان على قدر ما استطاع، فارتجلت:
آليت لا أقبل إحسانكموالدّهر فيما قد عراكم مسي
ففي الذي أسلفتم غنيةٌوإن يكن عندكم قد نسي قال: وفيه أقول من قصيدة:
يا طالب الإنصاف من دهرهطلبت أمراً غير معتاد
فلو يكون العدل في طبعه ... لما عدا ملك ابن عبّاد وللحجاري المذكور كتاب في البديع سماه " الحديقة " وأنشد لنفسه فيه:
وشادنٍ ينصف من نفسهأمنّني من سطوة الدهر
ينام للشرب على جنبهويصرف الذنب إلى الخمر وله في فرس:
ومستبقٍ يّحار الطّرف فيهويسلم في الكفاح من الجماح
كأنّ أديمه ليلٌ بهيمٌتحجّل باليسير من الصباح
إذا احتدم التسابق صار جرماً ... تقلّب بين أجنحة الرياح وكتب أبو العلاء إدريس بن أزرق إلى ابن رشيق ملك مرسية، وقد طالت إقامته عند ابن عبد العزيز:
ألا ليت شعري هل أعود إلى الذيعهدت من النّعمى لديكم بلا جهد
فوالله مذ فارقتكم ما تخلّصتمن الدهر عندي ساعةٌ دون ما كدّ
فمنّوا بإذنٍ كي أطير إليكم ... فلا عار في شوقٍ إلى المال والمجد ووقف بعض أعدائه على هذه الأبيات، فوشى بها إلى ابن عبد العزيز قاصداً ضرره، وكان ذلك في محفل ليكون أبلغ، فقال: والله لقد ذكرتني أمره، ولقد أحسن الدلالة على حاله، فإن الرجل كريم، وعلينا موضع اللوم، لا عليه، ووالله لأوسعنه مالاً ووجداً بقدر وسعي، ثم أخذ في الإحسان إليه حتى برّ يمينه، رحمه الله تعالى:
هكذا هكذا تكون المعاليطرق الجدّ غير طرق المزاح ولنذكر جملة من بني مروان بالأندلس فنقول:
قال محمد بن هشام المرواني صاحب كتاب " أخبار الشعراء ":
وروضةٍ من رياض الحزن حالفهاطلٌّ أطلت به في أفقها الحلل
كأنما الورد فيما بينها ملكٌ ... موفٍ ونوّارها من حوله خول وكان في مدة الناصر، وأدخل عليه يوماً ليذاكره، فاستحسنه، وأمره بالتزام بينه ليؤدبهم بحسن أدبه، ويتخلقوا بخلقه، فاستعفى من ذلك، وقال: إن الفتيان لا يتعلمون إلا بشدة الضبط والقيد والإغلاظ، وأنا أكره أن أعامل بذلك أولاد الخليفة فيكرهوني، وقد يحقد لي بعضهم ذلك إلى أن يقدر على النفع والضرر.
قالوا: وكان يتعشق المستنصر بالله ولي عهد الناصر وهو غلام، وله فيه:
متّع بوجهك جفنييا كوكباً فوق غصن
يا من تحجّب حتّىعن كلّ فكرٍ وأذن
وخامر الخوف فيهفما يجول بذهن
فليس للطّرف والقلب غير دمعٍ وحزن
فإنّني ذو ذنوبٍوأنت جنّة عدن وقال أخوه أحمد بن هشام:
قطعت اللّيالي بارتجاء وصالكموما نلت منكم غير متّصل الهجر
وما كنت أدري ما التصبر قبلكمفعّلمتموني كيف أقوى على الصبر
وما كنت ممّن يعلق الصبر فكرة ... ولكن خشيت الصبر يذهب بالعمر ومن حكاياتهم في علو الهمة: أنه كان سبب قراءته واجتهاده أنّه حضر مجلساً فيه القائد أحمد بن أبي عبدة، وهو غلام، فاستخبره القائد، فرآه بعيداً من الأدب والظرّف، ورأى له ذهناً قابلاً للصلاح، فقال: أيّ سيف لو كانت عليه حلية! فقامت من هذه الكلمة قيامته، وثابت له همة ملوكية عطف بها على الأدب والتعلم، إلى أن صار ابن أبي عبدة عنده كما كان هو عند ابن أبي عبدة أولاً، فحضر بعد ذلك معه، وجالا في مضمار الأدب، فرأى ابن أبي عبدة جواداً لا يشق غباره، فقال: ما هذا أين هذا مما كان فقال: عن كلمتك عملت في فكري ما أوجب هذا، فقال: والله إن هذه حلية تليق بهذا السيف، فجزاك الله عن همتك خيراً.
ثم قال له: سر، إن لي عليك حقاً إذ بعثتك على التأديب والتميز، فإذا حضرنا في جماعة فلا تتطاول على تقصيري، وحافظ على أن لا أسقط من العيون بإرباء غيري علي، فقال: لك ذلك وزيادة.
وكان المنذر ابن الأمير عبد الرحمن الأوسط سيء الخلق في أول
أمره، كثير الإصغاء إلى أقوال الوشاة، مفرط القلق مما يقال في جانبه، معاقباً على ذلك لمن يقدر على معاقبته، مكثر التشكي ممن لا يقدر عليه لوالده الأمير عبد الرحمن، فطال ذلك على الأمير، فقال لوكيل خاص به عارف بالقيام بما يكلفه به: الموضع الفلاني الذي بالجبل الفلاني المنقطع عن العمران تبني فيه الآن بناء أسكن فيه ابني المنذر، وأوصاه بالاجتهاد فيه، ففرغ منه، وعاد إليه، فقال له: تعلم المنذر أني أمرته بالانفراد فيه، ولاتترك أحداً من أصحابه ولا أصحاب غيره يزوره، ولا يتكلم معه البتة، فإذا ضجر من ذلك وسألك عنه فقل له: هكذا أمر أبوك، فتولى الثقة ذلك على ما أمر به، ولما حصل المنذر في ذلك المكان وبقي وحده، وفقد خوله ومن كان يستريح إليه، ونظر إلى ماسلبه من الملك ضجر، فقال للثقة: عسى أن يصلني غلماني وأصحابي أتأنس بهم، فقال له الثقة: إن الأمير أمر أن لا يصلك أحد، وأن تبقى وحدك لتستريح مما يرفع لك أصحابك من الوشاية، فعلم أن الأمير قصد محنته بذلك وتأديبه، فاستدعى دواة وكتب إلى أبيه: إني قد توحشت في هذا الموضع توحشاً ما عليه من مزيد، وعدمت فيه من كنت آنس إليه، وأصبحت مسلوب العز فقيد الأمر والنهي، فإن كان ذلك عقاباً لذنبٍ كبير ارتكبته وعلمه مولاي ولم أعلمه فإني صابر على تأديبه، ضارع إليه في عفوه وصفحه:
وإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر، لا عارٌ بما فعل الدهر فلما وقف الأمير على رقعته، وعلم أن الأدب بلغ به حقه، استدعاه فقال له: وصلت رقعتك تشكو ما أصابك من توحش الانفراد في ذلك الموضع، وترغب أن تأنس بخولك وعبيدك وأصحابك، وإن كان لك ذنب يترتب عليه
أن تطول سكناك في ذلك المكان، ومافعلت ذلك عقاباً لك، وإنما رأيناك تكثر الضجر والتشكي من القال والقيل، فأردنا راحتك بأن نحجب عنك سماع كلام من يرفع لك وينم، حتى تستريح منهم، فقال له: سماع ما كنت أضجر منه أخف علي من التوحد والتوحش والتخلي مماأنا فيه من الرفاهية والأمر والنهي، فقال له: فإذ قد عرفت وتأدبت فارجع إلى ما اعتدته، وعول على أن تسمع كأنك لم تسمع، وترى كأنك لم تر، وقد قال النبي ﷺ " لو تكاشفتم ما تدافنتم "، واعلم أنك أقرب الناس إلي وأحبهم في، وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكار علي، وسخط لما أفعله في جانبك أو جانب غيرك، ما لو أطلعني الله تعالى عليه لساءني، لكن الحمد لله الذي حفظ ما بين القلوب بستر بعضها عن بعض فيما يجول فيها، وإنك لذو همة ومطمح، ومن يكن هكذا يصبر ويغض ويحمل، ويبدل العقاب بالثواب، ويصير الأعداء من قبيل الأصحاب، ويصبر من الشخص على ما يسوء، فقد يرى منه بعد ذلك ما يسر، ولقد يخف علي اليوم من قاسيت من فعله وقوله، ولو قطعتهم عضواً عضواً لما ارتكبوه مني ما شفيت فيهم غيظي، ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال، لا سيما عند الاقتدار، أولى، ونظرت إلى جميع من حولي ممن يحسن ويسيء فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض، ونظرت إلى المسيء يعود محسناً، والمحسن يعود مسيئاً، وصرت أندم على من سبق له مني عقاب، ولا أندم على من سبق له مني ثواب، فالزم يا بني معالي الأمور، وإن جماعها في التغاضي، ومن لا يتغاضى لا يسلم له صاحب، ولا يقرب منه جانب، ولا ينال ما تترقى إليه همته، ولا يظفر بأمله، ولا يجد معيناً حين يحتاج إليه، فقبل المنذر يده وانصرف، ولم يزل يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلق بالخلق الجميل، وبلغ ما أوصاه
به أبوه، ورفع قدره.
ومن شعره في ابن عم له:
ومولىً أبى إلاّ أذاي وإنّنيلأحلم عنه وهو بالجهل يقصد
توددته فازداد بعداً وبغضةًوهل نافعٌ عند الحسود التودد وقوله:
خالف عدوك فيماأتاك فيه لينصح
فإنما ينبغي أن ... تنام عنه فتربح ومن كرم نفسه أن أحد التجار أهدى له جارية بارعة الحسن، واسمها طرب، ولها صنعة في الغناء حسنة، فعندما وقع بصره على حسنها ثم أذنه على غنائها أخذت بمجامع قلبه، فقال لأحد خدامه: ماترى أن ندفع لهذا التاجر عوضاً عن هذه الجارية التي وقعت منا أحسن موقع فقال: تقدر ما تساوي من الثمن وتدفع له بقدرها، فقومت بخمسمائة دينار، فقال المنذر للخديم: ما عندك فيما ندفع له فقال: الخمسمائة، فقال: إن هذا للؤم، رجل أهدى لنا جارية، فوقعت منا موقع استحسان، نقابله بثمنها، ولو أنه باعها من يهودي لوجد عنده هذا، فقال له: إن هؤلاء التجار لؤماء بخلاء، وأقل القليل يقنعهم، فقال: وإنا كرماء سمحاء، فلا يقنعنا القليل لمن نجود عليه، فادفع له ألف دينارٍ، واشكره على كونه خصنا بها، وأعلمه بأنها وقعت منا موقع رضى.
وفيها يقول:
ليس يفيد السرور والطربإن لم تقابل لواحظي طرب
أبهت في الكأس لست أشربهاوالفكر بين الضلوع يلتهب
يعجب مني معاشرٌ جهلوا ... ولو رأوا حسنها لما عجبوا وقال له أبوه يوماً: إن فيك لتيهاً مفرطاً، فقال له: حق لفرعٍ أنت أصله أن يعلو، فقال له: يابني إن العيون تمج التائه، والقلوب تنحرف عنه، فقال: ياأبي لي من العز والنسب وعلو المكان والسلطان ما يجمل من ذلك، وإني لم أر العيون إلا مقبلة علي، ولا الأسماع إلا مصغية إلي، وإن لهذا السلطان رونقاً يرنقه التبذل، وعلواً يخفضه الانبساط، ولا يصونه ويشرفه إلا التيه والانقباض، وإن هؤلاء الأنذال لهم ميزان يسبرون به الرجل منا، فإن رأوه راجحاً عرفوا له قدر رجاحته، وإن رأوه ناقصاً عاملوه بنقصه، وصيروا تواضعه صغراً، وتخضعه خسةً، فقال له أبوه: لله أنت فابق وما رأيت.
وكان له أخ أديب أيضاً اسمه المطرف بن عبد الرحمن الأوسط، ومن شعره:
أفنيت عمري في الشّرب والوجوه الملاح
ولم أضيّع أصيلاًولا اطلاع صباح
أحيي الليالي سهداًفي نشوةٍ ومراح
ولست أسمع ماذايقول داعي الفلاح والعياذ بالله من هذا الكلام، وحاكي الكفر ليس بكافر
وعتبه أحد إخوانه على هذا القول فقال: إني قلته وأنا لا أعقل، ولم أعلم أنه يحفظ عني، وأنا أستغفر الله تعالى منه، والذي يغفر الفعل أكرم من
أن يعاقب على القول.
ومن جيد شعره قوله:
يا أخي فرّقت صروف اللياليبيننا غير زورة الأحلام
فغدونا بعد ائتلافٍ وقربٍ ... نتناجى بألسن الأقلام وقال أخوهما الثالث هشام بن عبد الرحمن فيمن اسمه ريحان:
أحبك يا ريحان ما عشت دائماًولو لامني في حبك الإنس والجان
ولولاك لم أهو الظّلام وسهدهولا حبّبت لي في ذرا الدار غربان
وما أعشق الريحان إلاّ لأنّهشريكك في اسمٍ فيه قلبي هيمان
على أنّه لم يكمل الظرف مجلسٌإذا لم يكن فيه مع الراح ريحان وله فيه:
إذا أنا مازحت الحبيب فإنّماقصدت شفاء الهمّ في ذلك المزح
فما العيش إلاّ أن أراه مضاحكاً ... كما ضحك الليل البهيم عن الصبح وقال أخوهم الرابع يعقوب بن عبد الرحمن:
إذا أنا لم أجد يوماً وقوميلهم في الجود آثار عظام
فمن يرجى لتشييد المعالي ... إذا قعدت عن الخير الكرام ومدحه بعض الشعراء، فأمر له بمال جزيل، فلما كان مثل ذلك الوقت جاءه بمدح آخر، فقال أحد خدام يعقوب: هذا اللئيم له دين عندنا جاء يقتضيه فقال الأمير: يا هذا، إن كان الله تعالى خلقك مجبولاً على كره رب الصنائع
فاجر على ما جبلت عليه نفسك، ولا تكن كالأجرب يعدي غيره، وإن هذا الرجل قصدنا قبل، فكان منا له ما أنس به وحمله على العودة، وقد ظن فينا خيراً، فلا نخيب ظنه، والحديث أبداً يحفظ القديم، وقد جاءنا على جهة التهنئة بالعمر، ونحن نسأل الله تعالى أن يطيل عمرنا حتى يكثر ترداده، ويديم نعمنا حتى نجد ماننعم به عليه، ويحفظ علينا مروءتنا حتى يعيننا على التجمل معه، ولا يبلينا بجليس مثلك يقبض أيدينا عن إسداء الأيادي، وأمر للشاعر بما كان أمر له به قبل، وأوصاه بالعود عند حلول لك الأوان ما دام العمر.
وقال أخوهم الخامس الأمير محمد ابن الأمير عبد الرحمن لأخيهم السادس أبان وقد خلا معه على راحة: هل لك أمل نبلغك إياه فقال: لم يبق لي أملٌ إلاّ أن يديم الله تعالى عمرك ويخلد ملكك، فأعجب ذلك الأمير، وقال: ما مالت إليك نفسي من باطل، وكان واحد منهما يهيم بالآخر، وفي ذلك يقول أبان:
يا من يلوم ولا يدري بمن أنا مفتونٌ لو ابصرته ما كنت تلحاني
من مازجت روحه روحي وشاطرني ... يا حسنه حين أهواه ويهواني وكان للأمير محمد ابن الأمير عبد الرحمن ثلاثة أولاد نجباء: القاسم، والمطرف، ومسلمة، ولهم أخ رابع اسمه عثمان.
فمن نظم القاسم في عثمان أخيه، وقد زاره فاستسقاه ماء، فأبطأ عليه غلامه لعلة لم يقبلها القاسم:
الماء في دار عثمان له ثمنوالخبز شيء له شأن من الشّان
فاسلح على كلّ عثمان مررت بهغير الخليفة عثمان بن عفان وله:
شغلت بالكيمياء دهريفلم أفد غير كلّ خسر
إتعاب فكرٍ، خداع عقلٍ ... فساد مالٍ، ضياع عمر وقال شقيقه المطرف، ويعرف بابن غزلان، وهي أمه، وكانت مغنية بديعة محسنة عوادة أديبة:
هل أتّكي مشرفاً على نهرٍأرمي بطرفي إليه من قصري
عند أخٍ لو دهته حادثةٌأعطيته ما أحبّ من عمري وقال أخوهما مسلمة:
إنّ شيباً وصبوةً لمحالأولم يأن أن يكون زوال
فدع النفس عن مزاحٍ ولهوٍ ... تلك حالٌ مضت وجاءتك حال وكان يقول: إني لا أفارق إلا من اختار مفارقتي، ومن خادعني انخدعت له، وأريته أني غير فطن بخداعه، ليعجبه أمره، وأدخل عليه مسرة بنفسه ورأيه.
وقال محمد ابن الأمير منذر ابن الأمير محمد في جاريته الأراكة:
قل للأراكة قد زاد بالدنوّ اشتياقي
وهاج ما بي إليهاتمثّلي للعناق
وإنّني وبقلبيجمرٌ جرى في المآقي
طويت ما بي ليومٍيكون فيه التلاقي
فإن أعد لاجتماعٍحرّمت يوم افتراق
لا يعرف الشوق إلاّ ... من ذاق طعم الفراق وقال عبد الله بن الناصر، وقد أهدى له سعيد بن فرج ياسميناً أبيض وأصفر، وكتب معه:
مولاي قد أرسلت نحوك تحفةًبمراد ما أبغيه منك تذكّر
من ياسمين كاللّجين تبرجتبيضاً وصفراً والسماح يعبّر فأجابه بما نصه:
أتاك تفسيري ولمّا يحلعني على أضغاث أحلام
فاجعله رسماً دائماً زائراً ... منك ومنّي غرّة العام وبعث إليه بهذين البيتين مع ملء الطبق من دنانير ودراهم، فقال ابن فرج:
قد سمعنا بجود كعبٍ وحاتمما سمعنا جوداً مدى العمر لازم
فدعائي بأن تدوم دعاءٌلي لا زال طول ما عشت دائم
ما سمعنا كمثل هذا اختراعاً ... هكذا هكذا تكون المكارم وتشبه هذه الحكاية حكاية اتفقت لبعض ملوك إفريقية، وذلك أن رجلاً
أهدى له في قادوس ورداً أحمر وأبيض، فأمر أن يملأ له دراهم، فقالت له جارية من جواريه: إن رأى الأمير أن يلون ما أعطاه، حتى يوافق ما أهداه، فاستحسن ذلك الأمير، وامر أن يملأ دنانير ودراهم.
وكان المرواني المذكور يساير أحد الفقهاء الظرفاء، فمرا بجميل، فمال عبد الله بطرفه على وجهه، وظهر ذلك لمسايره، فتبسم، ففهم عبد الله عنه، فقال: إن هذه الوجوه الحسان خلابة، ولكنا لا نتغلغل في نظرها، ولا ندعي العفة عنها بالجملة، وفيها اعتبار وتذكار بالحور العين التي وعد الله تعالى، فقال له الفقيه: احتج لروحك بما شئت. فقال: أوما هي حجة تقبل فقال الفقيه: يقبلها من رق طبعه، وكاد يضيق عن الصبر وسعه، فقال: وأراك شريكاً لي، فقال: ولولا ذلك للمتك، فأطرق عبد الله ساعة ثم أنشد:
أفدي الذي مرّ بي فمال لهلحظي ولكن ثنيه غضبا
ما ذاك إلا مخاف منتقدٍ ... فالله يعفو ويغفر الذنبا فقال له الفقيه: إن كنت ثنيت لحظك خوف انتقادي فإني أدعوه إليك حتى تملأ منه، ولا تنسب إلي ما نسبت، فتبسم عبد الله وقال: ولا هذا كله، وقال له: إن مثلك في الفقهاء لمعدوم، فقال له: ما كنت إلا أديباً، ولكني لما رأيت سوق الفقه بقرطبة نافقة اشتغلت به، فقال له: ومن عقل المرء أن لايفني عمره فيما لا ينفقه عصره.
وكان عبد الله المذكور يسمى الزاهد، فبايع قوماً على قتل والده الناصر وأخيه الحكم المستنصر ولي العهد، فأخذ يوم عيد الأضحى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فذبح بين يديه، رحمه الله تعالى.
وقال أخوه أبو الأصبغ عبد العزيز بن الناصر، وقد دخل ابن له
الكتاب، فكتب أول لوح، فبعثه إلى أخيه الحكم المستنصر ملك الأندلس، ومعه:
هاك يا مولاي خطّامطّه في اللوح مطّا
ابن سبعٍ في سنيهلم يطق للوح ضبطا
دمت يا مولاي حتىيلد ابن ابنك سبطا وله:
زارني من همت فيه سحراًيتهادى كنسيم السّحر
أقبس الصبح ضياء ساطعاًفأضا والفجر لم ينفجر
واستعار الروض منه نفحةًبثّها بين الصّبا والزهر
أيّها الطّالع بدراً نّيراً ... لا حللت الدهر إلاّ بصري وكان مغرىً مغرماً بالخمر والغناء، فقطع الخمر، فبلغه أن المستنصر لما بلغه تركه الخمر قال: الحمد لله الذي أغنانا عن مفاتحته، ودله على ما نريد منه، ثم قال: لو ترك الغناء لكمل خيره، فقال: والله لا تركته حتى تترك الطيور تغريدها، ثم قال:
أنا في صحّة وجاه ونعمىهي تدعو لهذه الألحان
وكذا الطير في الحدائق تشدو ... للذي سرّ نفسه بالقيان وقال أخوه محمد بن الناصر لما قدم أخوهما المستنصر من غزوة:
قدمت بحمد الله أسعد مقدموضدّك أضحى لليدين وللفم
لقد حزنت فيها السبق إذ كنت أهله ... كما حاز " بسم الله " فضل التقدّم وأما أخوهما محمد بن عبد الملك بن الناصر فقال الحجاري فيه: إنه لم يكن في ولد الناصر ممن لم يل الملك أشعر منه ومن ابن أخيه، وكتب إلى العزيز صاحب مصر:
ألسنا بني مروان كيف تبدّلتبنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منّا تهلّلت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر وكان جواب العزيز له: أما بعد فإنك علمتنا فهجوتنا، ولو علمناك لهجوناك.
وله في الصنوبر:
إن الصنوبر حصنٌلديه حرزٌ وباس
خفّت من أجل إرهاب من عداه تراس
كأنّما هو ضدٌّ ... لما حواه الرئاس وبعض سيوف الأندلس محفور صدر الرئاس على صورة قشور الصنوبر إلاّ أن تلك ناتئة وهذه محفورة، وقال:
أتاني وقد خطّ العذار بخدّهكما خطّ في ظهر الصفيحة عنوان
تزاحمت الألحاظ في وجناتهفشقت عليه للشقائق أردان
وزدت غراماً حين لاح كأنّماتفتّح بين الورد والآس سوسان
وقال:
لئن كنت خلاّع العذار بشادنٍوكأسٍ فإنّي غير نزر المواهب
وإنّي لطعّانٌ إذا اشتجر القناومقحم طرفي في صدور الكتائب
وإنّي إذا لم ترض نفسي بمنزلٍوجاش بصدري الفكر جمّ المذاهب
جليدٌ يودّ الصخر لو أنّ صبرهكصبري على ما نابني للنّوائب
وأسري إلى أن يحسب الليل أنّني ... لطول مسيري فيه بعض الكواكب وأما ابن أخيه مروان بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن الناصر فكان في بني أمية شبه عبد الله بن المعتز في بني العباس، بملاحة شعره وحسن تشبيهه.
ومن شعره القصيدة المشهورة:
غصنٌ يهتزّ في دعص نقايجتني منه فؤادي حرقا
سال لام الصدغ في صفحتهسيلان التّبر وافى الورقا
فتناهى الحسن فيه إنّمايحسن الغصن إذا ما أورقا ومنها:
أصبحت شمساً وفوه مغرباًويد الساقي المحيّي مشرقا
فإذا ما غربت في فمهتركت في الخدّ منه شفقا
ومنها:
وكأن الورد يعلوه النّدى ... وجنة المحبوب تندى عرقا قالوا: وهذا النمط قد فاق به أهل عصره، ويظن أنّه لا يوجد لأحد منهم أحلى وأكثر أخذاً بمجامع القلوب من قوله:
ودّعت من أهوى أصيلاً، ليتنيذقت الحمام ولا أذوق نواه
فوجدت حتى الشمس تشكو وجدهوالورق تندب شجواها بهواه
وعلى الأصائل رقّةٌ من بعدهفكأنها تلقى الذي ألقاه
وغدا النسيم مبلّغاً ما بيننافلذاك رقّ هوىً وطاب شذاه
ما الروض قد مزجت به أنداؤهسحراً بأطيب من شذا ذكراه
والزهر مبسمه ونكهته الصّباوالورد أخضله النّدى خدّاه
فلذاك أولع بالرّياض لأنّهاأبداً تذكّرني بمن أهواه ولله قوله:
وعشيٍّ كأنّه صبح عيدٍجامعٍ بين بهجةٍ وشحوب
هبّ فيه النسيم مثل محبٍّمستعيراً شمائل المحبوب
ظلت فيه ما بين شمسين هذيفي طلوعٍ وهذه في غروب
وتدلّت شمس الأصيل ولكنشمسنا لم تزل بأعلى الجيوب
ربّ هذا خلقته من بديعٍمن رأى الشمس أطلعت في قضيب
أي وقتٍ قد أسعف الدهر فيهوأجابت به المنى عن قريب
قد قطعناه نشوةً ووصالاًوملأناه من كبار الذنوب
حين وجه السعود بالبشر طلقٌليس فيه أمارةٌ للقطوب
ضيّع الله من يضيّع وقتاًقد خلا من مكدّرٍ ورقيب
وبات عند أحد رؤساء بني مروان، فقدّم إليه ذلك الرئيس قدحاً من فضة فيه راح أصفر، وقال: اشرب وصف فداك ابن عمك، فقام إجلالاً وشرب صائحاً بسروره، ثم قال: الدواة والقرطاس، فأحضرا، فكتب:
اشرب هنيئاً لا عداك الطربشرب كريم في العلا منتخب
وافاك بالراح وقد ألبستبرد أصيلٍ معلماً بالحبب
في قدحٍ لم يك يسقى بهغير أولي المجد وأهل الحسب
ما جار إذ سقّاك من كفّهفي جامد الفضة ذوب الذهب
فقم على رأسك براً به ... واشرب على ذكراه طول الحقب ويحكى أنه لما قتل أباه وقد وجده مع جارية له كان يهواها سجنه المنصور ابن أبي عامر مدة، إلى أن رأى في منامه النبي، ﷺ، يأمره بإطلاقه فأطلقه، فمن أجل ذلك عرف بالطليق.
وقال أحمد ابن سليمان بن أحمد بن [عبد الرحمن بن] عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر في ابن حزم لما عاداه علماء عصره:
لما تحلّى بخلقٍكالمسك أو نشر عود
نجل الكرام ابن حزمٍوقام في العلم عودي
فتواه جدّد ديني ... جدواه أورق عودي وله في أبي عامر ابن المظفر بن عامر من قصيدة يمدحه بها:
بأبي عامرٍ وصلت حباليفزماني به زمانٌ سعيد
فمتى زدت فيه وداً وشكراًفنداه وقد تناهى يزيد
كيف لي وصفه وفي كلّ يومٍ ... منه في المكرمات معنى جديد وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج:
وكم من حديث للنبي أبانهوألبسه من حسن منطقه وشيا
وكم مصعب للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولاً بعدما كان قد أعيا وقال عبيد الله بن محمد المهدي، وهو من حسنات بني مروان، ويعرف بالأقرع:
أقول لآمالي ستبلغ إن بدامحيّا ابن عطّافٍ ونعم المؤمل
فقالت دعاني كلّ يومٍ تعلّلٌفقلت لها: إن لاح يفنى التعلل
لئن كان مني كلّ حينٍ ترحّلٌفإني إن أحلل به لست أرحل
فتىً ترد الآمال في بحر جوده ... وليس على نعمى سواه المعوّل وقال هذه في الوزير ابن عطاف، فضن عليه حتى برجع الجواب، فكتب إليه بقصيدة منها:
أيّها الممكن من قدرتهلا يراك الله إلاّ محسنا
إنّما المرء بما قدّمهفتخيّر بين ذمٍّ وثنا
لا تكن بالدهر غرّاً وإذاكنت فانظر فعله في ملكنا
كل ما خوّلت منه ذاهبٌوالذي تصحب منه الكفنا
مدّ كفّاً نحو كفٍّ طالماأمطرت فيه السحاب الهتّنا
أو أرحني بجوابٍ مؤيسٍفمطال البرّ من شرّ العنا
فلم يعطه شيئاً، وكان له كاتب فتحيل في خمسين درهماً فأعطاها له، فلما سمع الوزير بذلك طرده، وقال له: من أنت حتى تحمل نفسك هذا وتعطيه قال: فوالله ما لبث إلا قليلاً حتى مات الوزير، وتزوج الكاتب بزوجته، وسكن في داره، وتخول في نعمته، فحملني ذلك على أن كتبت بالفحم في حائط داره:
أيا دار قولي أين ساكنك الذيأبى لؤمه أن يترك الشكر خالدا
تسمّى وزيراً والوزارة سبّةٌلمن قد أبى أن يستفيد المحامدا
وولّى ولكن ليس يبرح ذمّهفها هو قد أرضى عدوّاً وناقدا
وأضحى وكيلٌ كان يأنف فعلهنزيلك في الحوض الممنّع واردا
جزاءً بإحسانٍ لذا وإساءةٍ ... لذاك، وساعٍ ورّث الحمد قاعدا والمثل السائر في هذا " ربّ ساعٍ لقاعد ".
وقال سليمان بن المرتضى بن محمد بن عبد الملك بن الناصر، وكان في غاية الجمال، ويلقب بالغزال:
قدم الربيع عليك بعد مغيبفتلقّه بسلافةٍ وحبيب
فصلٌ جديدٌ فلتجدّد حالةًيأتي الزمان بها على المرغوب
الجوّ طلقٌ فالقه بطلاقةٍوإذا تقطّب فالقه بقطوب
لله أيامٌ ظفرت بها ومنأهواه منقادٌ بغير رقيب وله:
لي في كفالات الرماح لو أنهاوفّت ضمانٌ يبلغ الآمالا
وكّلت دهري في اقتضاء ضمانها ... ضناً به أن لا يحول فحالا وكان مولعاً بالفكاهة والنادر، محباً في الظرفاء، وكان يلتزم خدمته المضحك
المشهور بالزرافة، ويحضر معه، ولعبوا في مجلس سليمان لعبة أفضوا فيها إلى أن تقسموا اثنين اثنين،
كل شخص ورفيقه، فقال سليمان: ومن يكون رفيقي: فقال له المضحك: يا مولاي، وهل يكون رفيق الغزال إلا الزرافة فضحك منه على عادته. ودخل عليه وهو قاعد في رحبة قصره، وقد أطل عذاره، فقال له: ما تطلب الزرافة فقال: ترعى الحشيش، وأشار إلى عذاره، فقال له: اعزب لعنك الله!
ومر سليمان به يوماً وهو سكران، وقد أوقف ذكره وجعل يقول له: ماذا رأيت في القيام في هذا الزمان أما رأيت كل ملك قام كيف خلع وقتل والله إنك سيء الرأي، فقال له سليمان: وبم لقبت هذا الثائر فقال: يا مولاي بصفته القائم، فقال: ويحتاج إلى خاتم فقال: نعم ويكون خاتم سليمان، فقال له: أخزاك الله، إن الكلام معك لفضيحة.
وقال سعيد بن محمد المرواني، وقد هجره المنصور بن أبي عامر مدة لكلام بلغه عنه، فدخل المجلس غاصٌ، وأنشد:
مولاي مولاي أما آن أنتريحني بالله من هجركا
وكيف بالهجر وأنى به ... ولم أزل أسبح في بحركا فضحك ابن أبي عامر على ما كان يظهره من الوقار، وقام وعانقه وعفا عنه، وخلع عليه.
وله:
والبدر في جوّ السماء قد انطوىطرفاه حتى عاد مثل الزورق
فتراه من تحت المحاق كأنّماغرق الكثير وبعضه لم يغرق وهو مأخوذ من قول ابن المعتز:
وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثقلته حمولةٌ من عنبر وقال قاسم بن محمد المرواني يستعطف المنصور بن أبي عامر، وقد سجنه لقول صدر عنه:
ناشدتك الله العظيم وحقّهفي عبدك المتوسّل المتحرّم
بوسائل المدح المعاد نشيدهافي كلّ مجمع موكبٍ أو موسم
لا تستبح مني حمىً أرعاكه ... يا من يرى في الله أحمى محتمي وقال الأصم المرواني يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بجبل الفتح معارضاً بائية أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتببقصيدة طويلة منها:
ما للعدا جنّةٌ أوقى من الهربأين المفرّ وخيل الله في الطلب
وأين يذهب من في رأس شاهقةٍإذا رمته سماء الله بالشّهب ومنها:
وطود طارق قد حلّ الإمام بهكالطّور كان لموسى أيمن الرّتب
لو يعرف الطّود ما غشّاه من كرمٍلم يبسط النور فيه الكفّ للسّحب
ولو تيقّن بأساً حلّ ذروتهلصار كالعين من خوفٍ ومن رهب
منه يعاود هذا الفتح ثانيةًأضعاف ما حدّثوا في سالف الحقب
ويلبس الدين غضّاً ثوب عزّتهكأنّ أيام بدرٍ عنه لم تغب وقال في نارنجة:
وبنت أيكً دنا من لثمها قزحٌفصار منه على أرجائها أثر
يبدو لعينيك منها منظرٌ عجبٌزبرجدٌ ونضارٌ صاغه المطر
كأنّ موسى نبيّ الله أقبسهناراً وجرّ عليها كفّه الخضر وقال:
وشادنٍ قلت له صف لنابستاننا هذا ونارنجنا
فقال لي بستانكم جنّةٌومن جنى النارنج ناراً جنى وقال في زلباني:
لله سفّاحٌ بدا لي مسحراًفأفاد علم الكيميا بيمينه
ذهّبت فضة خدّه بلواحظيوكذاك تفعل ناره بعجينه وقال، وقد نزل في فندق لا يليق بمثله:
يا هذه لا تفنّدينيأن صرت في منزلٍ هجين
فليس قبح المحلّ ممّايقدح في منصبي وديني
فالشمس علويّةٌ ولكنتغرب في حمأةٍ وطين
وقال أحمد المرواني:
حلفت بمن رمى فأصاب قلبيوقلّبه على جمر الصدود
لقد أودى تذكّره بجسميولست أشكّ أن النفس تودي
فقيدٌ وهو موجودٌ بقلبيفواعجبا بموجودٍ فقيد وقال الأصبغ القرشي يرثي ابن شهيد وهو من أصحابه:
نأى من به كان السرور مواصلاًوأسلم قلبي للصّبابة والفكر ومنها:
لعمرك ما يجدي النعيم إذا نأتوجوههم عني ولا فسحة العمر وقال سليمان بن عبد الملك الأموي:
وذي جدل أطال القول منهبلا معنى وقد خفي الصواب
فقلت أجيبه فازداد رداًفقلت له قد ازدحم الجواب
ولم أر غير صمتي من مريحٍإذا ما لم يفد فيه الخطاب وقال أبو يزيد ابن العاصي:
عابه الحاسد الذي لام فيهأن أرى فوق خدّه جدريّا
إنّما وجهه هلال تمامٍجعلوا برقعاً عليه الثريا وله:
إذا شئت أن يصفو صديقك فاطرحنزاع الذي يبديه في الهزل والجدّ
وإن كنت من أخلاقه في جهنمٍفأنزله من مثواك في جنّة الخلد
إلى أن يتيح الله من لطف صنعهفراقاً جميلاً فاجعل العذر في البعد
وليكن هذا آخر ما نورده من كلام بني مروان رحمهم الله تعالى.
ولنرجع إلى أهل الأندلس جملة، فنقول:
أمر الحجاج المنصفي أن يكتب على قبره:
قالت لي النفس: أتاك الرّدىوأنت في بحر الخطايا مقيم
هلا ادّخرت الزاد قلت: اقصري ... لا يحمل الزاد لدار الكريم وقد ذكرنا هذين البيتين في غير هذا الموضع.
وقال ابن مرج الكحل: اجتمعنا في حانوت بعض الأطباء بإشبيلية، فأضجرناه بكثرة جلوسنا عنده، وتعذرت المنفعة عليه من أجلنا، فأنشدنا:
خفّفوا عنّا قليلاًربّ ضيقٍ في براح
هل شكوتم من سقامٍأو جلسنا للصحاح فأضفت إليهما ثالثاً، وأنشدته إياه على سبيل المداعبة:
إن أتيتم ففرادى ... ذاك حكم المستراح ودخل أبو محمد غانم بن وليد مجلس باديس بن حبوس، فوسّع له على ضيق كان فيه، فقال:
صيّر فؤادك للمحبوب منزلةًسمّ الخياط مجالٌ للمحبّين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين ودخل على أبي جعفر اللمائي بعض أصحابه عائداً في علته التي مات فيها، وجعل يروح عليه بمروحة، فقال أبو جعفر على البديهة:
روّحني عائدي فقلت له:لا لا تزدني على الذي أجد
أما ترى النار وهي خامدةٌ ... عند هبوب الرياح تتقد وقال الأعلم: ليكن محفوظك من النظم مثل قول ابن القبطرنة:
دعاك خليلك واليوم طلوعارض وجه الثرى قد بقل
لقدرين فاحا وشمّامةٍوإبريق راحٍ ونعم المحل
ولو شاء زاد ولكنهيلام الصديق إذا ما احتفل وقال أبوعامر ابن ينق الشاطبي:
ما أحسن العيش لو أن الفتى أبداًكالبدر يرجو تماماً بعد نقصان
إذ لا سبيل إلى تخليد مأثرةٍإذ لا سبيل إلى تخليد جثمان وقال أبو الحسن اللورقي:
عجباً لمن طلب المحامد وهو يمنع ما لديه
ولباسط آمالهللغير لم يبسط يديه
لم لا أحبّ الضيف أوأرتاح من طربٍ إليه
والضّيف يأكل رزقه ... عندي ويحمدني عليه وقال أبو عيسى ابن لبون، وهو من قواد المأمون بن ذي النون:
نفضت كفّي من الدنيا وقلت لهاإليك عنّي فما في الحقّ أغتبن
من كسر بيتي لي روضٌ ومن كتبيجليس صدقٍ على الأسرار مؤتمن
أدري به ما جرى في الدهر من خبرٍفعنده الحقّ مسطورٌ ومختزن
وما مصابي سوى موتي ويدفننيقومٌ وما لهم علمٌ بمن دفنوا وقال أبو عامر ابن الحمارة:
ولي صاحبٌ أحنو عليه وإنّهليوجعني حيناً فلا أتوجّع
أقيم مكاني ما جفاني وربمايسائلني الرّجعى فلا أتمنّع
كأني في كفّيه غصن أراكةٍتميل على حكم النسيم وترجع وقال أبو العباس ابن السعود:
تبّاً لقلب عن الأحباب منصرفٍيهوى أحبّته ما خالس النظرا
مثل السّجنجل فيه الشخص تبصره ... حتى إذا غاب لم يترك به أثرا ومرض أبو الحكم ابن غلندة، فعاده جماعة من أصحابه فيهم
فتى صغير السن، فوفّاه من بره ماأوجب تغيرهم، ففطن لذلك وأنشد ارتجالاً:
تكثّر من الإخوان للدهر عدّةًفكثرة درّ العقد من شرف العقد
وعظّم صغير القوم وابدأ بحقّهفمن خنصري كفّيك تبدأ بالعقد [ثم نظر إليهم وأنشدهم ارتجالاً قوله:
مغيث أيوب والكافي لذي النونيحلّني فرجاً بالكاف والنّون
كم كربة من كروب الدهر فرّجهاعني ولم ينكشف وجهي لمن دوني] وقال القاضي أبو موسى ابن عمران:
ما للتجارب من مدىًوالمرء منها في ازدياد
قد كنت أحب ذا العلامن حاز علماً واستفاد
فإذا الفقيه بغير مالٍ كالخباء بلا عماد
شرف الفتى بنضارهإنّ الفقير أخو الجماد
ما العلم إلا جوهرٌقد بيع في سوق الكساد وقال أبو بكر ابن الجزار السرقسطي:
إياك من زلل اللسان فإنّماعقل الفتى في لفظه المسموع
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع