من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تتمة (٢٠)
بإدالة الكفر، لم تجد ولا قلامة ظفر، فمن سلمت له نفسه التي هي رأس ماله، وعياله وأطفاله اللذان هما من أعظم آماله، وكل أو جل أو أقل رياشه، وأسباب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه، ثم وجد مع ذلك سبيلاً إلى الخلاص، في حال مياسرة ومساهلة دون تعصب واعتياص، بعد أن ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص، فما أحقه حينئذٍ وأولاه، أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه، على ما أسداه غليه من رفده وخيره، ومعافاته مما ابتلي به كثير من غيره، ويرضى بكل إيراد وإصدار، تتصرف فيهما الأحكام الإلهية والأقدار، فالدهر غدار، والدنيا دار مشحونة بالأكدار، والقضاء لا يرد، ولا يصد، ولا يغالب، ولا يطالب، والدائرات تدور، ولا بد من نقص وكمال للبدور، والعبد مطيع لا مطاع، وليس يطاع إلا المستطاع، وللخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيبٍ للأذهان عن مداه انقطاع.
ومالي والتكلف لما لا أحتاج إليه من هذا القول، بين يدي ذي الجلالةالمجادة والفضل والطول فله من العقل الأرجح، ومن الخلق الأسجح، ما لا تلتاط معه تهمتي بصفره، ولا تنفق عنده وشاية الواشي لا عد من نفره، ولا فاز قدحه بظفره، والمولى يعلم أن الدنيا تلعب باللاعب، وتجر براحتها إلى المتاعب، وقديماً للأكياس من الناس خدعت، وانحرفت عن وصالهم أعقل ما كانوا وقطعت، وفعلت بهم ما فعلت بيسار الكواعب تلك التي جبت وجدعت، ولئن رهصت وهصرت، فقد نبهت وبصرت، ولئن قرعت وأمعضت، لقد ارشدت ووعظت، ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة، ورميها لنا في غمرةٍ أي غمرة، أيام قلبت لنا ظهر المجن، وغيم أفقها المصحي وادجن، فسرعان ما عاينا حبالها منيتة، ورأينا منه مالم نحتسب كما تقوم الساعة بغتة، فمن استعاذ من شيء
فليستعذ مما صرنا إليه من الحور بعد الكور، والانحطاط من النجد إلى الغور:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ تتنصّف فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلّب تاراتٍ بنا وتصرّف
وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقاً، وجرعتنا من صاب الأوصاب كأساً دهاقاً، ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب، المنفتح حين سدت الأبواب، ولك نلبس غير لباس نعمائكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب، وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان، وعند الشدائد تمتاز السيوف في الأجفان من الأجفان، ووجه الله تعالى يبقى وكلّ من عليها فانٍ، وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول: حسبي هذا وكفان.
ولا ريب في اشتمال العلم الكريم، على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم، من الأخذ باليد عند زلة القدم، وقرع الأسنان وعض البنان من الندم، ديناً تدينت حتى مع اختلاف الأديان، وعادة اطردت فيهم على تعاقب الأزمان والأحيان.
ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها، وأعطى من أمانه المؤكد فيه خطه بأيمانه ما يقنع النفوس ويكفيها، فلم نر ونحن من سلالة الأحمر، مجاورة الصفر، ولا سوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر، ما وجدنا عن ذلك مندوحة ولو شاسعة، وأمنا من المطالب المشاغب حمة شرٍ لنا لاسعة، وادكرنا أي ادكار، قول الله تعالى المنكر لذلك غاية الإنكار " ألم تكن أرض الله واسعة " وقول الرسول، ﵊، المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام " أنا بريء من مؤمن مع كافر لا تتراءى ناراهما " وقول الشاعر الحاث على
حث المطية، المتثاقلة عن السير في طريق منجاتها البطية:
وما أنا والتلدّد نحو نجد ... وقد غصّت تهامة بالرجال ووصلت أيضاً من الشرق إلينا، كتبٌ كريمة المقاصد لدينا، تستدعي الانحياز إلى تلك الجنبات، وتتضمن ما لا مزيد عليه من الرغبات، فلم نختر إلا دارنا التي كانت دار آبائنا من قبلنا، ولم نرتض الإنضواء إلا لمن بحبله وصل حبلنا، وبريش نبله ريش نبلنا، إدلالاً على محل إخاء متوارث لا عن كلالة، وامتثالاً لوصاة أجداد لأنظارهم وأقدارهم أصالة وجلالة، إذ قد روينا عمن سلف من أسلافنا، في الإيصاء لمن يخلف بعدهم من أخلافنا، أن لا يبتغوا إذا دهمهم داهم بالحضرة المرينية بدلاً، ولا يجدوا عن طريقها في التوجه إلى فريقها معدلاً، فاخترقنا إلى الرياض الأريضة الفجاج، وركبنا إلى البحر الفرات ظهر البحر الأجاج، فلا غرو أن نرد منه على ما يقر العين، ويشفي النفس الشاكية من ألم البين، ومن توصل هذا التوصل، وتوسل بمثل ذلك التوسل، تطارحاً على سدة أمير المؤمنين، المحارب للمحاربين، والمؤمن للمستأمنين، فهو الخليق الحقيق بأن يسوغ أصفى مشاربه، ويبلغ أوفى مآربه، على توالي الأيام والشهور والسنين، ويخلص من الثبور إلى الحبور، ويخرج من الظلمات إلى النور، خروج الجنين، ولعل شعاع سعادته يفيض علينا، ونفحة قبول إقباله تسري إلينا، فتخامرنا أريحية تحملنا على أن نبادر، لإنشاد قول الشريف الرضي في الخليفة القادر:
عطفاً أمير المؤمنين فإنّنافي دوحة العلياء لا نتفرّق
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌأبداً، كلانا في المعالي معرق
إلاّ الخلافة ميّزتك، فإنّنيأنا عاطلٌ منها وأنت مطوّق
لا بل الأحرى بنا والأحجى، والأنجح لسعينا والأرجى، أن نعدل عن هذا المنهاج، ويقوم وافدنا بين يدي علاه مقام الخاضع المتواضع الضعيف المحتاج، وينشد ما قال في الشيرازي ابن حجاج:
الناس يفدونك اضطراراًمنهم، وأفديك باختياري
وبعضهم في جوار بعضٍوأنت حتى أموت جاري
فعش لخبزي وعش لمائي ... وعش لداري وأهل داري ونستوهب من الوهاب تعالى جلت أسماؤه، وتعاظمت نعماؤه، رحمةً تجعل في يد الهداية أعنتها، وعصمةً تكون في مواقف المخاوف جنتنا، وقبولاً يعطف علينا نوافر القلوب، وصنعاً يسني لنا كل مرغوب ومطلوب، ونسأله وطالما بلغ السائل سؤالاً ومأمولاً، متاباً صادقاً على موضوع الندم محمولاً، ثم عزاءً حسناً وصبراً جميلاً، عن أرض أورثها من شاء من عباده معقباً لهم ومديلاً، وسادلاً عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولاً " سنة الله التي قد خلت من قيل ولن تجد لسنة الله تبديلاً " فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيراً، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، لم نستطع عن مورده صدوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
ألا وإن لله سبحانه، في مقامكم العلي الذي أيده وأعانه، سراص من النصر يترجم عنه لسان من النصل، وترجع فروع البشائر الصادقة، بالفتوحات المتلاحقة، من قاعدته المتأصلة، إلى أصل، فبمثله يجب اللياذ، والعياذ، ولشبهه يحق الالتجاء، والارتجاء، ولأمر ما آثرناه واخترناه، بعد أن استرشدنا الله سبحانه واستخرناه، ومنه ﷻ نرغب أن يخير لنا ولجميع المسلمين ويأوينا من حمايته ووقايته إلى معقل منيع وجناب رفيع أمين، آمين آمين، ونرجو أن يكون ربنا، الذي هو في جميع الأمور حسبنا، قد خار لنا حيث أرشدنا وهدانا،
وساقنا توفيقه وحدانا، إلى الإستجارة بملك حفي، كريم وفي، أعز جاراً من أبي داوود، وأحمى أنفاً من الحارث بن عباد، يشهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والباد، إن أغاث ملهوفاً فما الأسود ابن قنان يذكر، وإن أنعش حشاشة هالكٍ فما كعب بنم مامة على فعله وحده يشكر، جليسه كجليس القعقاع ابن شور، ووذاكره كمذاكر سفيان المنتسب من الرباب إلى ثور، إلى التحلي بأمهات الفضائل، التي أضدادها أمهات الرذائل، وهي الثلاث: الحكمة والعدل والعفة التي تشملها الثلاثة الأقوال والأفعال والشمائل، وينشأ منها ما شئت من عزم وحزم، وعلم وحلم، وتيقظ وتحفظ، واتقاء وارتقاء، وصول وطول، وسماح ونائل، فبنور حلاه المشرق، يفتخر المغرب على المشرق، وبمحتده السامي خطره في الأخطار، وبيته الذي ذكره في النباهة والنجابة قد طار، يباهي جميع ملوك الجهات والأقطار، وكيف لا وهو الرفيع المنتمى والنجار، الراضع من الطهارة صفو ألبان، الناشئ من السراوة وسط أحجار، في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم، وسراوة أسرة المملكة التي أكنافها حرم، وذؤابة الشرف التي مجاذبتها لم ترم، من معشر أي معشر بخلوا إن وهبوا ما دون أعمارهم، وجبنوا إن لم يحموا سوى ذمارهم، بنو مرين، وما أدراك ما بنو مرين:
سمّ العداة وآفة الجزر ...
النازلون بكلّ معتركٍ ... والطيبون معاقد الأزر لهم من الهفوات انتفاء، وعندهم من السير النبوية اكتفاء، انتسبوا إلى بر
ابن قيس، فخرجوا في البر عن القيس، ما لهم القديم المعروف، قد نفد في سبيل المعروف، وحديثهم الذي نقلته رجال الزحوف، من طرق القنا والسيوف، على الحسن من المقاصد موقوف، تحمد من صغيرهم وكبيرهم ولدنهم، فلله آباء أنجبوهم وأمهات ولدنهم:
شمّ الأنوف من الطراز الأوّل ... إليهم في الشدائد الاستناد وعليهم في الأزمات المعول، ولهم في الوفاء والصفاء والاحتفاء والعناية والحماية والرعاية الخطو الواسع والباع الأطول، كأنما عناهم بقوله جرول:
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البناوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
وتعذلني أبناء سعدٍ عليهموما قلت إلاّ بالتي علمت سعد وبقوله الوثيق مبناه، البليغ معناه:
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا يزيحون عن النزيل كل نازح قاصم، وليس له منهم عائب ولا واصم، فهم أحق بما قاله في منقر قيس بن عاصم:
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن حلاهم هذه الغريزة التي ليست باستكراه ولا جعل، وأمير المؤمنين دام نصره قسيمهم فيها حذو النعل بالنعل، ثم هو عليهم وعلى من سواهم بالأوصاف الملوكية مستعل، ارفض مزنهم منه عن غيث ملثٍ يمحو آثار اللزبة، وانشق غيلهم منه عن ليث ضارٍ متقبض على براثنه للوثبة، فقل لسكان الفلا: لا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم، فلا يبالي السرحان المواشي سواء مشى إليها النقرى أو الجفلى، بل يصدمهم صدمة تحطم منهم كل عرنين، ثم يبتلع بعد أشلائهم المعفرة ابتلاع التنين، فهو كما عرفوه، وعهدوه وألفوه، أخو المنايا، وابن جلا وطلاع الثنايا، مجتمع أشده، قد احتنكت سنه وبان رشده، جاد مجد، محتزم بحزام الحزم مشمر عن ساعد الجد:
لا يشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل أسدي القلب آدمي الرواء، لابس جلد النمر يزوي العناد والنواء:
وليس بشاوي عليه دمامة ... إذا ما سعى يسعى بقوس وأسهم ولكنه يسعى عليه مفاضة دلاص كأعيان الجراد المنظم
فالنجاء النجاء سامعين له طائعين، والوحى الوحى لاحقين به خاضعين، قبل أن تساقوا إليه مقرنين في الأصفاد، ويعيا الفداء بنفائس النفوس والأموال على الفاد، حينئذ يعض ذو الجهل والفدامة، على يديه حسرة وندامة، إذا رأى
أبطال الجنود، تحت خوافق الرايات والبنود، قد لفحتهم نار ليست بذات خمود، وأخذتهم صاعقة مثل صاعقة الذين من قبلهم عاد وثمود، زعقات تؤز الكتائب أزاً، وهزاً محققاً للخيل بعد المد المشبع للأعنة همزاً، وسلاً للهندية سلاً وهزاً للخطية هزاً، حتى يقول النسر للذئب: " هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً "، ثق خليفة الله بذاك، في كل من رام أذى رعيتك أو أذاك، فتلك عادة الله ﷾ في ذوي الشقاق والنفاق، الذين يشقون عصا المسلمين ويقطعون طريق الرفاق، وينصبون حبائل البغي والفساد في جميع النواحي والآفاق، فلم يجعلهم الله ﷿ من الآمنين، أنى وكيف وقد أفسدوا وخانوا وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، وها نحن قد وجهنا إلى كعبة مجدكم وجوه صلوات التقديس والتعظيم، بعدما زينا معاطفها باستعطافكم بدر سناء أبهى من در العقد النظيم، منتظمين في سلك أوليائكم، متشرفين بخدمة عليائكم، ولا فقد عزة ولا عدمها، من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها، وإن المترامى على سنائكم، لجدير بحرمتكم واعتنائكم، وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصناً حصيناً، عاش بقية عمره محروساً من الضيم مصوناً، وقد قيل في بعض الكلام: من قعدت به نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام، ومولانا أيده الله تعالى ولي ما يزفه إلينا من مكرمة بكر، ويصنعه لنا من صنيع حافل يخلد في صحائف حسن الذكر، ويروي معنعن حديث حمده، وشكره طرس عن قلم عن بنان عن لسان عن فكر، وغيره من ينام عن ذلك فيوقظ، ويسترسل مع الغفلة حتى يذكر ويوعظ، وما عهد منذ وجد إلا سريعاً إلى داعي الندى والتكرم، بريئاً من الضجر بالمطال والتبرم، حافظاً للجار الذي أوصى النبي، ﷺ، بحفظه، مستفرغاً وسعه في رعيه المستمر ولحظه، آخذاً من حسن الثناء في جميع الأوقات والآناء بحظه:
فهو من دوحة السنا فرع عزليس يحتاج مجتنيه لهز
كفه في الأمحال أغزر وبلوذراه في الخوف أمنع حرز
حلمه يسفر اسمه لك عنهفتفهم يا مدعي الفهم لغزي
لا تسله شيئاً ولا تستنلهنظرة منه فيك تغني وتجزي
فنداه هو الفرات الذي قدعام فيه الأنام عوم الأوز
وحماه هو المنيع الذي ترجع عنهالخطوب مرجع عجز
فدعوا ذهنه يزاول قوليفهو أدرى بما تضمن رمزي
دام يحيا بكل صنع ومل ... ويعافى من كل بؤس ورجز وكأنا به قد عمل على شاكلة جلاله، من مد ظلاله، وتمهيد حلاله، وتلقى ورودنا بحسن تهلله واستهلاله، وتأنيسنا بجميل قبوله وإقباله، وإيرادنا على حوض كوثره المترع بزلاله، والله سبحانه يسعد مقامه العلي ويسعدنا به في حله وارتحاله، ومآله وحاله، ويؤيد جنده المظفر ويؤيدنا بتأييده على نزال عدوه واستنزاله، وهز الذوابل لإطفاء ذباله، وهو ﷾ المسؤول أن يريه قرة العين في نفسه وأهله وخدامه وأمواله، وأنظاره وأعماله، وكافن شؤونه وأحواله، وأحق ما نصل بالسلام وأولى، على المقام الجليل مقام الخليفة المولى، أزكى الصلاة والسلام على خاتمة أنبياءه وأرساله، سيدنا ومولانا محمد، ﷺ وعلى جميع أصحابه وآله، صلاة وسلاماً دائمين أبداً موصولين بدوام الأبد واتصاله، ضامنين لمجددهما ومرددهما صلاح فاسد أعماله، وبلوغ غاية آماله، وذلك بمشيئة الله تعالى وإذنه وفضله وإفضاله، انتهى.
[ترجمة محمد العربي كاتب الرسالة نقلاً عن الوادي آشي]
وكاتب هذه الرسالة على لسان السلطان المخلوع، قال الوادي آشي في حقه:
إنه إمام الصناعة، وفارس حلبة القرطاس واليراعة، وواسطة عقد البلاغة والبراعة الذي قطف الكمال لما نور، ورتب محاسن البديع في درر فقره وطور، وغرف من بحر عجاج، واقتطف من خاطر وهاج، أبو عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي، وما أحسن قوله فيمن قد ظفر به المسلمون:
ألا رب مغرور تنصر ضلةفحاق به شؤم الضلال وشره
فإن يرتفع عند النصارى بالابتدا ... فكم عندنا من حرف حبل يجره وقال الوادي آشي أيضاً في موضع آخر ما نصه: ولشاعر العصر، ومالك زمامي النظم والنثر، والفقيه العالم المتقن المتفنن العارف الأوحد النبيه النبل، سيدي محمد العربي وصلى الله تعالى رفعة قدره، وحرس من غير الأيام أشعة بدره:
الحب في جمهور أنوارهفأين الإخوان والأحباب
وأين أين الإجتماعات، قدتهيأت لهن الأسباب
وأين بنت الجبن مهما بدتطارت إليها شوقاً الباب
وأين الألبان لأكوابهافي برم الأرز تسكاب
واللحم بالبسباس قد ألفتلطبخه في القدر الأحطاب
والعود ذو دندنة يطبيآثارها للطاري دبداب
وملح الأصوات قد طورحتوجاء معبدٌ وزرياب
وفض للهو ختام ولميسد في وجه الهوى باب
وقيل للوقار قم قبل أنتسلب عنك الآن الاثواب
وكلّ إنسانٍ وما يشتهيليس على مناه حجاب
مسترسلاً ليس له عذلكلا ولا عليه رقاب
في راحة خلعت أرسانهالمثلها تعصر الأعناب
فكل بستان قد استأسدتفيه النواوير والاعشاب
وأطلع التراب أدواحهكأنها العرب الاتراب
لما تحلت بحلى زهرهاداخلها بالحسن الاعجاب
عرائس ليس لها في سوىماية أو ينية خطاب
أيام تبدي ثمرات بدافي جنباتهن الارطاب
كأنه في العيتن يافوت أوكأنه في الفم جلاب
هيهات هيهات أمان لهاخلب برق لك خلاب
ما حوت الرؤوس أمثالهافكيف تحويهن الأذناب
قد عاق عن ذلك دهر بهتعدم الأفراح والأطراب
يروم الإنسان غلاباً لهوالدهر للإنسان غلاب وقال رحمه الله تعالى لما نزل النصارى لمحاصرة غرناطة:
بالطبل في كل يوموبالنفير نراع
وليس من بعد هذاوذاك إلا القراع
يا رب جبرك يرجومن هيض منه الذراع
لا تسلبني صبراً ... منه لقلب ادراع وله رحمه الله تعالى في الموشحات اليد الطولى، فمن ذلك قوله:
بدر أهل الزمانالرفيع القدر
لا تزل في أمانمن كسوف البدر
هل يصح الأمانمن شبيه البدر
وهو مثل الزمانمنتم للغدر
لم يغر الأغرغير غمر جاهل
عيشه الحلو مروهو فيه ناهل
والصبا الغض مروهو عنه ذاهل
مرشف البهرمانفوق ثغر الدرر
مطمع للأمانباقتراب الدر وعارض رحمه الله تعالى بهاتين الموشحتين الموشحة المشهورة:
ضاحك عن جمانسافر عن بدر
ضاق عنه الزمانوحواه صدري وممن عارض هذه الموشحة ابن أرقم إذ قال:
مبسم البهرمانفي المحيا الدري
صاد قلبي وبانوأنا لم أدري والإنصاف أن معارضة العربي أحسن من هذه
وله أيضاً معارضتان غير ماتقدم: الأولى قوله:
بان لي ثم بانذا خدود حمر
ينثني مثل بانفي ثياب خضر والثانية قوله:
هل لمرآك ثانفي ثناه الدري
أو لحوباه ثانعن هواها العذري
يا مليحاً جلاعن محيا جميل
همت فيه ولاهيمان جميل
مل قليلاً إلىمن إليك يميل
عاشق فيك فانكاتم للسر
لك منه مكان ... في صميم الصدر ومن نظم العربي المذكور لما عرض عليه السلطان رياسة كتابه من قصيدة:
أوجه سعدى انحط عنه اللثامأم بدر أفق فض عنه الغمام
أم أنا في حالي لا عقل ليأم حلم قد لاح لي في المنام
يا لك مرأى من رأى حسنههيج للقلب غراماً فهام
كأنما أقبس نور البهامن وجه مولانا الإمام الهمام
ابن أبي الحسن الأسرى الذيقد كان للأملاك مسك الختام
ضرغام قد أنجب شبهاً لهفي صدق بأس ومضاء اعتزام
حام وسام فأفاعيلهتنقلها أبناء سام وحام
دام له النصر الذي جاءهوالسيف من طلى أعاديه دام
فيا أمير المؤمنين الذيله بعروة اليقين اعتصام
أبشر بجد مقبل لم يؤلإلى انصراف لا ولا لانصرام
وعزة لم يفض بنيانهاإلى انهداد لا ولا لانهدام
لله منك ملك جندهزهر النجوم وهو بدر التمام ومنها:
يطرب من مادحه مثلمايطرب قلب الصب سجع الحمام
فيفعل الشعر بأعطافهما ليس تفعل بهن المدام
وإن حكى في حسنه يوسفاًفمدحه يشبه زهر الكمام ومنها:
فداره ليست ببغدادهممع أنها تدعى بدار السلام ومنها:
أسأله الإعفاء من كل ماأعجز عن حمل له والتزام ومنها:
مستشفعاً له بخير الورىمحمد عليه أزكى السلام ومنها:
وكل إنسان وما اختارهورب ذي عذر قد أضحى يلام وآخرها:
فالحمد لله على أن غداللشمل بعد الانصداع التئام ولنختم هذه الترجمة بقوله:
جز بالبساتين والرياض فماأبهج مرئيها وأحلاه
واعجب بها للنبات ولتك فيأسفله ناظراً وأعلاه
وقدس الله عند ذاك وقل ... سبحانه لا إله إلا هو سبحان وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والحمد لله رب العالمين.
انتهى المجلد الرابع
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع