تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الثاني في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر (٤)

ومن كلامه في " نفاضة الجراب "، وقد ذكر وزير المغرب محمد بن علي مسعود ما ملخصه: " وانه مجنون، أحول العين، وحش النظرة، يظن به الغضب في حال الرضى، يهيج به المرار فيكمن زماناً خلف كلة مرقده، يدخل إليه وعاء الحاجتين خوفاً من إصحاره إلى فضاء منزله، وتوحشه من أهله وولده، إلى أن تضعف سورة المرة فيخف أمره، قد باين زوجه مع انسحاب رواق الشبيبة، وتوفر داعية الغبطة، لحلف جره الوسواس السوداوي، نستدفع بالله سر بلائه، فاستعان مستوزره منه برأي الفضل بن سهل ويحيى بن خالد وأمثالهما، تدارك الله رمق الإسلام بلطفه "؛ انتهى.

[في عتاب ابن أبي رمانة]

ولما دخل لسان الدين رحمه الله تعالى مدينة مكناسة الزيتون تأخر قاضيها الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي رمانة عن لقائه يوم وصوله،

فكتب إليه بما نصه:

جفا ابن أبي رمانة وجه مقدميونكب عني معرضاً وتحاماني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جفا ابن أبي رمانة وجه مقدمي»
وحجب عني حبه غير جاهلبأني ضيف والمبرة من شأني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جفا ابن أبي رمانة وجه مقدمي»

ولكن رآني مغربياً محققاً ... وأن طعامي لم يكن حب رمان زيارة القاضي أصلحه الله لمثلي ممن لا يخافه ولا يرجوه، تجب من وجوه: أولها كوني ضيفاً، ممن لا يعد على الاختبار زيفاً، ولا تجر مؤانسته حيفاً، فضلاً عن أن تشرع رمحاً أو تسل سيفاً؛ وثانيها أني أمت إليه من الطلب بنسب، بين موروث ومكتسب، وقاعدة الفضل قد قررها الحق وأصلها، والرحم كما علم تدعو لمن وصلها؛ وثالثها المبدأ في هذا الغرض، ولكن الواو لا ترتب إلا بالعض، وهو اقتفاء سنن المولى أيده الله في تأنيسي، ووصفه إياي بمقربي وجليسي؛ ورابعها - وهو عدة كيسي، وهزبر خيسي، وقافية تجنيسي، ومقام تلويني وتلبيسي - مودة رئيس هذا الصنف العلمس ورئيسي، فليت شعري ما الذي عارض هذه الأصول الأربعة، ورجح مذاهبها المتبعة، إلا أن يكون عمل أهل المدينة ينافيها، فهذا بحسب النفس ويكفيها، وإن تعذر لقاء أو استدعاء، وعدم طعام أو وعاء، ولم يقع نكاح ولا استرعاء، فلم يتعذر عذر يقتضيه الكرم، والمنصب المحترم، فالجلة إلى التماس الحمد ذات استباق، والعرف بين الله والناس باق، والغيرة على لسان مثله مفروضة، والأعمال معروضة، والله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة، وإن كان لدى القاضي في ذلك عذراً فليفده، وأولى الأعذار به أنه لم يقصده، والسلام "؛ انتهى.

ويعني بالمولى السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني، وبرئيس

هذا الصنف العلامة الخطيب أبا عبد الله ابن مرزوق، رحم الله الجميع.

[رسالته إلى ابن مرزوق ينصحه برفض الدنيا]

ومن كلام لسان الدين - رحمه الله تعالى - رسالة في أحوال خدمة الدولة ومصائرهم، وتنبيههم على النظر في عواقب الرياسة بعيون بصائرهم، عبر فيها عن ذوق ووجدان، وليس الخبر كالعيان، وخاطب بها الإمام الخطيب عين الأعيان، سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق، وكأنه - أعني لسان الدين - أشار ببعض فصولها إلى نفسه، ونطق بالغيب في نكبته التي قادته إلى رمسه، وكان ذلك منه عندما أراد التخلي عن خدمة الملوك، والتحلي بزينة أهل التصوف والسلوك، فلم يرد الله أن تكون مهجته نائية عن ساحة الظلمة خارجة، وأراد سامحه الله وغفر له عمراً وأراد الله خارجة، وصورة ما قال رحمه الله تعالى:

" وأحسست منه - يعني ابن مرزوق - في بعض كتبه الواردة إلي إلى الدنيا وحنيناً لما بلاه من غرورها، فحملني الطور الذي ارتكبته في هذه الأيام - بتوفيق الله - على أن أخاطبه بهذه الرسالة، وحقها أن يجعلها خدمة الملوك ممن ينسب إلى نبل، ويلم بمعرفة، مصحفاً يدرسه، وشعاراً يلتزمه، وهي: سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافأة، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت الصفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرفات، أطلقك الله من أسر كل الكون كما أطلقك من أسلا بعضه، وزهدك في سمائه الفانية وفي أرضه، وحقر الحظ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه، اتصل بي الخبر السار من تركك لشانك، وإجناء الله تعالى إياك ثمرة إحسانك، وانجياب ظلام الشدة الحالك، عن أفق حالك، فكبرت، وفي الفرج من بعد الشدة اعتبرت، لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر، إنما هو فيء، وظل ليس له من الأمر شيء، ونسأله جل وعلا أن يجعلها آخر عهدك بالدنيا

وبنيها، وأول معارج نفسك التي تقربها من الحق وتدنيها، وكأني والله أحس بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادتها ولا حول ولا قوة إلا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله تعالى في عالم الإنسان، والآلة لبث العدل والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللسان، فأقول: " ليت شعري ما الذي غبط سيدي في الدنيا، وأن بلغ من زبرجها الرتبة العليا، ونفرض المثال بحال إقبالها، ووصل حبالها، وخشوع جبالها، وضراعة سبالها، ألتوقع المكروه صباحاً ومساء، وارتقاب الحوالة التي تديل من النعيم البأساء، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤساء ألترتب العتب التقصير في الكتب، وضغينة جار الجنب، وولوع الصديق بإحصاء الذنب ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري ألاستهدافك للمضار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضبطها ركبة السروج، وسرحة المروج، ونجوم السماء ذات البروج ألتقليدك التقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاءها الوجود، ولا يكفيها الركوع للملك والسجود ألقطع الزمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيم تكبد، وعجاجة شر تلبد، وأقبوحة تخلد وتؤبد ألوزير يصانع ويدارى، وذي حجة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويمارى، وعورة لا توارى ألمباكرة كل قرن حاسد، وعدو مستأسد، وسوق للإنصاف والشفقة كاسد، وحال فاسد ألوفود تتزاحم بسدتك مكلفة لك غير ما في طوقك، فإن لم يقع الإسعاف قلبت عليك السماء من فوقك ألجلساء بابك، لا يقطعون زمان رجوعك وغيابك، إلا بقبيح اغتيابك، فالتصرفات تمقت، والقواطع توقت، والألاقي تبث، والسعايات تحث، والمساجد يشتكى في حلقها البث، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المأمور، ليس له شهوة ولا غضب، ولا أمل في الملك

ولا أرب، ولا موجدة لأحد كامنة، وللشر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرة، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة ولا طفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرف كيدك، وأنك علة حيفه، ومسلط سيفه:

" الشرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخلهم الوجود أخبث ما فيه، واختارهم السفيه فالسفيه إذ الخير يستره الله تعالى عن الدول ويخفيه، ويقنعه بالقليل فيكفيه، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة، ويفتحون عليك القول ويسدون طرق السلامة، وليس لك في أثناء هذه إلا ما لا يعوزك مع ارتفاعه، ولا يفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيم، وخديم يقعد ويقيم، وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورائه سوء القضا، وجاء يحلق عليه سيف منتضى وإذا بلغت النفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، واللجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك، فكيف تنسب إلى نبل، أو تسير من السعادة في سبل وإن وجدت في القعود بمجلس التحية، بعض الأريحية، فليت شعري أي شيء زادها، أو معنى أفادها إلا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، وموجهة العدو المستأسد، أو شعرت ببعض الإيناس، في الركوب بين الناس، ما التذت إلا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور جاذب، إنما راكبت من يحدق إلى الحلية والبزة، ويستطيل مدة العزة، ويرتاب إذا حدثت بخبرك، ويتتبع بالنقد والتجسس مواقع نظرك، ويمنعك من مسايرة أنيسك، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشر لك ولرئيسك، وأي راحة لمن لا يباشر قصده، ويمشي إذا شاء وحده

ولو صح في هذه الحال لله تعالى حظ وهبه زهيداً، وعين الرشد عملاً حميداً، لساغ الصاب، وخفت الأوصاب، وسهل المصاب، لكن الوقت أشغل، والفكر أوغل، والزمن قد عمرته الحصص الوهمية، واستنفدت منه الكمية، أما ليله ففكر أو نوم، وعتب بجراء الضرائر ولوم، وأما يومه فتدبير

وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ولغط لا يدخل فيه حكم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير؛ ووالله يا سيدي ومن فلق الحب، وأخرج الأب، وذرأ من مشى ومن دب، وسمى نفسه الرب، لو تعلق المال الذي يجره هذا القدح، ويوري سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لما ورثه عقب، ولا خلص به محتقب، ولا فاز به سافر ولا منتقب، والشاهد الدول، والمشائيم الأول:

فأين الرباع المقتناة وأين الديار المبتناة وأين الحوائط المغترسات وأين الذخائر المختلسات وأين الودائع المؤملة وأين الأمانات المحملة تأذن الله بتتبيرها، وإدناء نار التبار من دنانيرها، فقلما تلقى أعقابهم إلا أعراء الظهور، مترمقين لجرايات الشهور، متعللين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عنها آباؤهم، وعرف منها إباؤهم، وشم من مقاصيرها عنبرهم وكبائهم، ولم تسامحهم الأيام إلا في إرث محرر، أو حلال مقرر، وربما محقه الحرام، وتعذر منه المرام.

" هذه - أعزك الله - حال قبولها مع الترفيه، ومالها المرغوب فيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العز مستوفيه، وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، ومطبق يحجب الهواء، ويطيل في التراب الثواء، وثعبان قيد يعض الساق، وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدو الفاسق، فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق، مع الأفول والشروق. فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرة، أو ما يساوي جرعة حال مرة واحسرتا للأحلام ضلت، وللأقدام زلت، ويا لها مصيبة جلت.

" ولسيدي أن يقول: حكمت باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدنيا بين خلانها وأكفائها، وتناسي عدم وفائها، فأقول: الطبيب بالعلل أدرى، والشفيق بسوء الظن مغرى، وكيف لا وأنا أقف على السحاءات بخط يد سيدي

من مطارح الاعتقال، ومثاقف النوب الثاقل، وخلوات الاستعداد، للقاء الخطوب الشداد، ونوشى الأسنة الحداد، وحيث يجمل بمثله أن لا في غير الخضوع لله تعالى بناناً، ولا يثني لمخلوق عناناً، وأتعرف أنها قد ملأت الجو والدو، وقصدت الجماد والبو، تقتحم أكف أولي الشمات، وحفظة المذمات، وأعوان النوب الملمات، زيادة في الشقاء، وقصداً برياً من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التجاوز على أغرب من العنقاء، ومن النفاق على أشهر من البلقاء، فهذا يوصف بالإمامة، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلف الدعاء وليس منت أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن السموم، وكتب النجوم، المذموم من العلوم، هلاكان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتاً، وأعتقد أن الله قد جعل لزمان الخير والشر ميقاتاً، وأنا لا نملك موتاً ولا نشوراً ولا حياتاً، وأنا اللوح قد حصر الأشياء محواً وإثباتاً، فكيف نرجو لما منع منالاً أو نستطيع مما قدر إفلاتاً أفيدونا ما يرجع العقيدة المتقررة فنتحول إليه، وبينوا لنا الحق نعول عليه.

" الله لله يا سيدي في النفس المرشحة، والسلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرحلة بعد حث السير، ودع الدنيا لبنيها فما أوكس حظوظهم، وأخس لحوظهم، وأقل متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم:

ما ثم إلا ما رأيت، وربما تعيي السلامه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما ثم إلا ما رأيت»
والناس إما جائرأو حائر يشكو ظلامه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما ثم إلا ما رأيت»
وإذا أردت العز لاترزأ بني الدنيا قلامه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما ثم إلا ما رأيت»
والله ما احتقب الحريص سوى الذنوب أو الملامه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما ثم إلا ما رأيت»
هل ثم شك في المعاد الحق أو يوم القيامه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما ثم إلا ما رأيت»
قولوا لنا ما عندكمأهل الخطابة والإمامه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما ثم إلا ما رأيت»

" وإن رميت بأحجاري، وأوجرت المر من أشجاري، فوالله ما تلبست اليوم منها بشيء قديم ولا حديث، ولا استأثرت بطيب فضلاً عن خبيث، وما أنا إلا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعداً قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفر من الأسد، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي - ولله الحمد - من الطمع والحسد، فلم أبق عادة إلا قطعتها، ولا جنة للصبر إلا أدرعتها، أما اللباس فالصوف، وأما الزهد فيما بأيدي الخلق فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصدقة مصروف، ووالله لو علمت أن حالي هذه تتصل، وعراها لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يحيرني الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمت أسفا، وحسبي الله وكفى.

" ومع هذا يا سيدي فالموعظة تتلقى من لسان الوجود، والحكمة ضالة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلها المذموم ولا المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافئ عني بعض يدك، أو تنهي في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النفس قليلاً لك من غير شرط ولا ثنيا، فلما ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النصيحة المفرغة في قالب الجفاء، لمن لا يثبت عين الصفاء، ولا يشيم بارقة الوفاء، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنسين بها المنهمكين، وينظر عوارها القادح بعين اليقين، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور، تبين لي أنني قد كافيت صنيعتك المتقدمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، وأمحضت لك النصح الذي يعز بعز الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحيي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب، وقلبك من النصب، ويحقر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت.

" كل من تقع عينك عليه فهو حقير قليل، وفقير ذليل، لا يفضلك

بشيء إلا باقتفاء رشد أو ترك غي، أثوابه النبيهة يجردها الغاسل، وعروة عزه يفصلها الفاصل، وما له الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعين للسلف، ولا مصير المجموع إلا إلى التلف، ولا صح من الهياط والمياط، والصياح والعياط، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخباط، والاستكثار والاغتباط، والغلو والاشتطاط، وبناء الصرح وعمل الساباط، ورفع العمد وإدارة الفسطاط، إلا أمل يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوة، ثم نفس يصعد، وسكرات تتردد، وحسرات لفراق الدنيا تتجدد، ولسان يثقل، وعين تبصر الفراق وتمقل ﴿قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون﴾ (ص:) ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده، فالإضراب والإضراب، والتراب التراب.

" وإن اعتذر سيدي بقلة الجلد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزاق، وبيده من التسبب ما يتكفل بإمساك أرماق، أين النسخ الذي يتبلغ الإنسان بأجرته، في كن حجرته لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرته. السؤال والله أقوم طريقاً، وأكرم رفيقاً، من يد تمتد إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يؤمن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السوء المعشار، ثم طلب عند الشدة ففضح، وبان شؤمه ووضح، اللهم طهر منها أيدينا وقلوبنا، وبلغنا من الانصراف إليك مطلوبنا وعرفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلا خيرك، يا الله.

" وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في اجتلابها إضبارة، أو لبس منها شارة، أو تشوف لخدمة إمارة، أن لا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغتروا بسمة ولا خلق ولا لباس، فما عدا عما بدا تقضى العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضر وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقر القرار، وتلازم

الأذكار، وتشام الأنوار، وتستجلى الأسرار ثم يقع الشهود الذي يذهب معه الإخبار، ثم يحق الوصول الذي إليه من كل ما سواه الفرار، وعليه المدار.

" وحق الحق الذي ما سواه فباطل، والفيض الرحماني الذي ربابه الأبد هاطل، ما شابت مخاطبتي لك شائبة تريب، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب للحبيب، فتحمل جفائي الذي حملت عليه، ولا تظن بي غيره، وأن لم تعذرني مكاشفة سيادتك بهذا النث، في الأسلوب الرث، فالحق اقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في موجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفسي في النفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشهوات مزاحم، فكيف لي اليوم مع الشيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب إنما أنا اليوم على كل من عرفني كل ثقيل، وسيف العدل في كفي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النفوس في القبول سوا، ولا لكل مرض دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني - حملك الله تعالى - على الجادة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوة الصالحة، والسلام ".

انتهت الرسالة البديعة في بابها، الآتية من الموعظة بلبابها، ذات النصيحة الصريحة التي يتعين على كل عاقل خصوصاً من يريد خدمة الملوك التمسك بأسبابها.

[تعليقات ابن مرزوق وابن لسان الدين على الرسالة]

قلت: وقد رأيت بخط الأمام العلامة الخطيب ابن مرزوق على هامش قول لسان الدين أول الكلام " وأحسست منه في بعض كتبه إلى آخره " ما صورته: توهم ما لا يقع، بل لما تجلت عني سحب النكبة والامتحان جزمت بالرحلة، وعزمت على النقلة، ونفرت عن خدمة السلطان، وملازمة الأوطان، قال ابن

مرزوق: والعجب كل العجب أن جميع ما خاطبني به - أبقاه الله تعالى - تحلى به اجمع، وابتلي بما منه حذر، فكأنه خاطب نفسه وأنذرها بما وقع له، فلله تعالى يحسن له الخاتمة والخلاص؛ انتهى.

وكتب تحت كلام ابن مرزوق هذا بخطه ابن لسان الدين علي، ما نصه: صدق والله سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق، كان الله تعالى له، قاله ولده ابن المؤلف؛ انتهى.

قلت: وهذا الذي قاله ابن مرزوق كان في حياة ابن الخطيب، ولذلك دعا له بالبقاء، وبحسن الخاتمة والخلاص، وقد أسفر الغيب عن محنته، ثم قتله على الوجه الذي وصفه في الرسالة، إذ قال: وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، ومطبق يحجب الهواء، ويطيل في التراب الثواء، وثعبان قيد يعض الساق، وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدو الفاسق، فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق، مع الأفول والشروق. فإنه رحمه الله تعالى حصل له ما ذكر، ثم اغتاله ليلاً وخنقه في محبسه عدوه الفاسق سليمان بن داود، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، فلله تعالى يثيبه بهذه الشهادة.

[مرثية المنجنيقي]

وقد تذكرت هنا مرثية ابن صابر المنجنيقي، وهي:

هل لمن يرتجي البقاء خلودوسوى الله كل شيء يبيد
للشاعر ابن صابر المنجنيقي، من قصيدة «هل لمن يرتجي البقاء خلود»
والذي كان من تراب وإن عاش طويلاً إلى التراب يعود
للشاعر ابن صابر المنجنيقي، من قصيدة «هل لمن يرتجي البقاء خلود»
فمصير الأنام طراً لما صار إليه آباؤهم والجدود
أين حوا أم أين آدم إذ فاتهما الملك والثوا والخلود
أين هابيل أين قابيل إذ هـذا لهذا معاند وحسود
أين نوح ومن نجا معه بالفلك والعالمون طراً فقيد
أسلمته الأيام كالطفل للموت ولم يغن عمره الممدود
أين عاد بل أين جنة عادإرم، أين صالح وثمود
للشاعر ابن صابر المنجنيقي، من قصيدة «هل لمن يرتجي البقاء خلود»
أين إبراهيم الذي شاد بيت الله فهو المعظم المقصود
أين إسحاق أين يعقوب أم أين بنوه وعدهم والعديد
حسدوا يوسف أخاهم فكادوهـ ومات الحساد والمحسود
وسليمان في النبوة والملك قضى مثلما قضى داود
ذهبا بعدما أطاع لذا الخلق وهذا له ألين الحديد
وابن عمران بعد آياته التسع وشق الخضم فهو صعيد
والمسيح ابن مريم وهو روح الله كادت تقضي عليه اليهود
وقضى سيد النبيين والهادي إلى الحق أحمد المحمود
وبنوه وآله الطاهرون الزهر صلى عليهم المعبود
ونجوم السماء منتثراتبعد حين وللهواء ركود
ولنار الدنيا التي توقد الصخر خمود وللمياه جمود
وكذا للثرى غداة يقوم الناس منها تزلزل وهمود
هذه الأمهات نار وتربوهواء رطب وماء برود
سوف تفنى كما فنينا فلا يبقى من الخلق والد ووليد
لا الشقي الغوي من نوب الأيام ينجو ولا السعيد الرشيد
للشاعر ابن صابر المنجنيقي، من قصيدة «هل لمن يرتجي البقاء خلود»
ومتى سلت المنايا سيوفاًفالموالي حصيدها والعبيد [العبرة من مراث أخرى]

وأما قصيدة ابن عبدون الأندلسي التي رثى بها بني الأفطس وذكر فيها

كثيراً من الملوك الذين أبادهم الدهر وطحنهم برحاه وصيرهم أثراً بعد عين ففيها ما يوقظ النوام، وأولها:

الدهر يفجع بعد العين بالأثرفما البكاء على الأشباح والصور وبالجملة فالأمر كما قال ابن الهبارية:
الموت لا يبقيأحد لا والداً ولا ولد
للشاعر ابن الهبارية، من قصيدة «لا درع اوقى من اجل»

مات لبيد ولبد ... وخلد الفرد الصمد ﴿كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، اللهم اختم لنا بالحسنى، وردنا إليك رداً جميلاً.

وتذكرت هنا أيضاً مرثية على روي مرثية المنجنيقي السابقة منها:

أين أهل الديار من قوم نوحثم عاد من بعدهم وثمود
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
بينما هم على الأسرة والأنماط أفضت إلى التراب الخدود
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أَين أهل الديارِ من قوم نوح»
ثم لم ينقض الحديث ولكنبعد ذا الوعد كله والوعيد
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وأطباء بعدهم لحقوهمضل عنهم سعوطهم واللدود

وصحيح أضحى يعود مريضاً ... وهو أدنى للموت ممن يعود وما أحكم قول السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد المريني يخاطب أخاه السلطان أبا الحسن وقد حصره بسجلماسة حتى أخذه قسراً:

فلا يغرنك الدهر الخئون فكمأباد من كان قبلي يا أبا الحسن
الدهر مذ كان لا يبقي على صفةلا بد من فرح فيه ومن حزن
أين الملوك التي كانت تهابهمأسد العرين ثووا في اللحد والكفن
بعد الأسرة والتيجان قد محيترسومها وعفت عن كل ذي حسن
فاعمل لأخرى وكن بالله مؤتمراًواستعن بالله في سر وفي علن

واختر لنفسك أمراً أنت آمره ... كأنني لم أكن يوماً ولم تكن ودخل السلطان أبو الحسن سجلماسة عنوة على أخيه السلطان أبي علي عمر سنة، وجاء به في الكبل لفاس، ثم قتله بالفصد والخنق في ربيع الأول من السنة، وكان القبض عليه في محرم، رحمه الله تعالى.

ومما وجد مكتوباً على قصر بعض السلاطين:

قد كان صاحب هذا القصر مغتبطاًفي ظل عيش يخاف الناس من باسه
فبينما هو مسرور بلذتهفي مجلس اللهو مغبوط بجلاسه

إذ جاءه بغتة ما لا مرد له ... فخر ميتاً وزال التاج عن راسه رجع إلى أخبار ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - قلت: وقد زرت قبره مراراً رحمه الله تعالى بفاس المحروسة فوق باب المدينة الذي يقال له باب الشريعة، وهو يسمى الآن باب المحروق، وشاهدت موضع دفنه غير مستو مع الأرض، بل ينزل إليه بانحدار كثير، ويزعم الجل من عوام فاس أن الباب المذكور إنما سمي بباب المحروق لأجل ما وقع من حرق لسان الدين به حين أخرجه بعض أعدائه من حفرته كما مر، وليس كذلك، وإنما سمي باب المحروق في دولة الموحدين، قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه، بسبب ثائر ثار على الدولة، فأمسك وأحرق في ذلك المحل، والله غالب على أمره. وحصل لي من الخشوع والحزن عند زيارة قبره - رحمه الله تعالى - ما لا مزيد عليه، جعل الله تلك المحن كفارة وطهرة، فإنه كان آية الله علماً وجلالة وحكمة وشهرة.

[رسالة في العزاء بأبي جعفر ابن جبير]

وقد تذكرت عند كتبي هذا المحل رسالة كتبها بعض أئمة المغرب في عزاء

الوزير الشهير أبي جعفر ابن جبير الأندلسي رحمه الله تعالى إلى بنيه، وهي مما يصلح أن يوصف بمثلها لسان الدين رحمه الله تعالى، وفيها عزاء بمن مضى، ونصها: "

" عزاء يا كوكب الهدى، في بدركم الذي تحيفه الردى، وفجع به الفضل والندى، فقل للشهب أن تنكدر على فراقه، وللصبح أن يخبو نور إشراقه، وللريح أن تمزق صداراً، وللأهلة أن لا تعرف إبداراً، ولليل أن يشتمل خميصة الحزن، وللسماء أن تبكيه بأدمع المزن، وللرعد أن ينتحب لوفاته، وللبرق أن يحكي برجفاته أفئدة عفاته، وللثريا أن ينفصم سوارها، وللشمس أن تنكسف أنوارها، وللنثرة أن تنثر كواكبها، وللجوزاء أن تنفض مناكبها، وللنيرات أن ترفض مواكبها، وللرامح أن يبيت أعزلا، وللبدر أن لا يألف منزلا، وللمجرة أن يفيض دمعاً نهرها، وللغميصاء أن يطرد بكاؤها وسهرها، وللروض أن يفارق إمراعه، وللأوراق أن يهتف بما راعه، وللغصون أن تنهصر لهتفه، وتتقصف أسفاً على حتفه.

" ولكن هو الحمام يختل ويختر، ولا يحفل بمن يتر، يعدم ما أوجده الكون، ويذيل من أكنفه الصون، وأين بنا عن مكافح لا نقاتله، ورام أرواحنا مقاتله، لا يد به ناصرة، وعزمته قاصرة للقياصرة، ويمنه كاسرة للأكاسرة، لم يبق من رسم لطسم، ولا من إحسان لغسان، ولا من أياد لإياد، ولا من سلطان لقحطان، ولا من نجيب لتجيب، ولا شرف ضخم للخم، لم يكن له عن اليمين إقصار، ومنهم الأنصار، وهم أسماع للنبي وأبصار، وعمد إلى المصابيح من مضر يطفيها، هذا والوحي يتنزل فيها، ولم يصخ في الصديق، إلى التصديق، وأصمى الفاروق براده، وحكم فيه أبا لؤلؤة ومداه، وأمكن صرف الأقدار، من شهيد الدار، ولم يرع من علي بالبسالة، والذبل العسالة، ولا أبقى سبطيه وقد تفقأت عنهما بيضة الرسالة، وأذهب الزبير حواري الرسول، وحنظلة وهو بأيدي الملائكة مغسول، وأفات ابن معاذ ولم

يحفل بفوته، على أنه اهتز العرش لموته، وأودى بحزمة ومقعده من البنوة، مقعد الأبوة، وشفى من عمار صدور الأسل، وأردى مالكاً بشربة من عسل، ولم يعبأ بمضاء عمرو، ولا بحلم معاوية ودهاء عمرو.

" فياله من خطب، مود بكل يابس ورطب، يشرب ماء الأعمار، ويجعل الأحداث منازل الأقمار، ويلوك السوقة والأملاك، ولا يبالي أية لاك، لا يقبل شفيعاً، ولا يغادر منحطاً ولا رفيعاً، ها هو اعتمد نور علاً فكسفه، وطود حلم فنفسه، وأعلق المجد في حباله، وأقصد الفضل بنباله، وفجع كنانة، بسهم لم ينثل مثله من كنانة، فيا طارق الأعين لقد بؤت بأنفس الأعلاق، ويا ناعيه لقد نعيت باسق الأخلاق، رويداً أسائلك، عمن لم تضع لديه وسائلك، أين سماحه وطلاقته أين كلفه بالحمد وعلاقته ما الذي ثنى عطفه عن الارتياح أم أين عافيه من ذلك الامتياح أو من يؤلف أمنية كما ألفت السحب أيدي الرياح

" فيا هبة الحمد اطوي عرفك فما تنشق، ويا ربة المجد أقصري طرفك فما تعشق، ويا معشر عفاته، كيف حييتم وقد علمتم بوفاته ويا زمر أماله، صفرت أيديكم من إجماله، ويا أخاير أصحابه، أين مواقع سحابه ويا بني ولائه، من يتبوأ مقام علائه ويا منافسي شيمه، من يجود بمثل ديمه ويا منازعي كرمه، من يطيف المعتفين بمثل حرمه ويا حاسدي هممه، من له كحافظه وذممه "

" سيدي لقد أضاءت مساعيك وأشرقت، وأغصت الحاسدين طراً وأشرقت، وحسبهم أن لم ينتبهوا إلا إذا نمت، ولا نطقوا إلا حين مت، وليهن ملأك وصحبك، أن أحيتك صنائعك وقد قضيت نحبك، وإن حم فناؤك، فقد أبقى الحياة الخالدة ثناؤك:

ردت صنائعه عليه حياتهفكأنه من نشرها منشور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار أنة وزفير سيدي، أما تجيب صرخة لهفان، أم عداك عن الجواب أنك فان سيدي من لآملك، ببسط أناملك من للمرملات الضرائك، بإرشادك من لأبنائك، بلطف أحبائك انفض شملهم وكان جميعاً، ونادوك لو نادوا منك سميعاً، هذا كبيرهم يدعوك فلا تجيبه، وقد فت الأضلاع وجيبه، يبكي عند تلك الرجام، بأدمع سجام، وقد ألهبت الزفرات حشاه، وألح الدمع بجفنه حتى أعشاه، والأصاغر ما لهم بعدك مفزع، ورضيعهم تسلب به الأنفس رحمة وتنزع، لا يدري ما جزع عليك فيجزع، لشد ما أذابتهم وقدة الأوار، حين عدموا منك كرم النجوى والجوار، أف لدهر رماهم بالأجوار، وتركهم أنجماً مسلوبة الأنوار، لا جرم أن يحزنوا عليك ويكترثوا، فلقد تسلوا عنك ببعض ما ورثوا، وما ورثتهم غير الحزن والبث، وأمل في الحياة كالهباء المنبث، كما تتلى محاسنك فاسمع، طفقت عليك شؤون عيني تدمع، أيا ضريحه، كيف وجدت ريحه لقد ارج بك ذلك المعفر، حتى ما ينافحه، المسك الأذفر، وكما ظفرت بوجوده، فجد كل قبر بجوده، ففيه سماء ثرة وغمام، ونور انضم عليك منك كمام، ولو علمت بمن بين جنبيك راقد، لعلوت حتى تلوح في ذراك الفراقد، ويا دافنيه كيف هلتم عليه الرغام أو لم تنكروا على الشمس أن تغام هيهات لقد سمحتم بإقبار، عف الشمائل طيب الأخبار، وإلحاد، من لا نزاع في فضله ولا إلحاد، أي نفس تخذتم له التراب مستودعاً، فأضحى عرنين المكارم مجدعاً

فتى مثل نصل السيف من حيث جئتهلنائبة نابتك فهو مضارب
فتى همه حمد على النأي رابحوإن بات عنه ماله وهو عازب

" أما وإن ازدحمت بمهلكه الأوصاب، وفدح الرزء وجل المصاب، حتى لا نألف التأساء، فلقد سر الموت من حيث ساء، فلقد خلفنا بدهر ما فيه غير مصائب، ولا يبالي من أقصد سهمه الصائب، فيا فقيد الندى ما كان أجدرك بالخلود وأخلقك، ويا جواد عمره ما كان أقصر طلقك، ثوى حين استوى وتوارى، إذ ملأ الأفق أنوارا، وكسف حين بلغ الكمال، فكان كالغصن عندما اعتل مال، أو كالشهاب عندما استقام حار:

وكذاك عمر كواكب الأسحار ... " هذه اليراعة التحفت بعد الضنى، والصحف تطوى على جهالة وتحنى، وعهدي به إن أمطى راحته اليراع، راع، أو دبج الأوراق، راق، أو استدر طبعه السلسال، سال، وأي روض أراد، راد، ومتى أراغ الإنشاء، أحسن إن شاء، فحق للفؤاد أن يستعر بوقده، وللمدامع أن تسيل دماً على فقده، بيد أنه الموت لا بد أن نرد مشرعه، ونسيغ على شرق به جرعه، فإنا زرع يحصده الذي ازدرعه، وصبراً يا ذوي أرحامه وبنيه، ومن مر في غلواء الوجد فالسلوان يثنيه، وشحاً على أجركم لا يذهب به الجزع ويفنيه، والله يزلف الفقيد من رحمته ويدنيه، ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه، وييسر لكم العزاء الأجمل برحمته وينسيه، والسلام ". انتهت.

[قطع زهدية]

ويرحم الله القائل:

كل جمع إلى الشتات يصيرأي صفو ما شابه تكدير
أنت في اللهو والأماني مقيموالمنايا في كل وقت تسير
والذي غره بلوغ الأمانيبسراب وخلب مغرور

ويك يا نفس أخلصي إن ربي ... بالذي أخفت الصدور بصير ولا خفاء على ذوي الأحلام، من الأعلام، أن الدنيا أضغاث أحلام:

يندم المرء على ما فاتهمن لبانات إذا لم يقضها
وتراه فرحاً مستبشراًبالتي أمضى كأن لم يمضها
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
إنها عندي كأحلام الكرىلقريب بعضها من بعضها وقال أبو منصور أسعد النحوي:
يجمع المرء ثم يترك ما يجمع من كسبه لغير شكور
ليس يحظى إلا بذكر جميلأو بعلم من بعده مأثور [شيء من مواعظ ابن الجوزي]

وقال الإمام الشهير أبو الفرج ابن الجوزي:

يا ساكن الدنيا تأهب واتنظر يوم الفراق
وأعد زاداً للرحيل فسوف يحدى بالرفاق
وابك الذنوب بأدمعتنهل من سحب المآق

يا من أضاع زمانه ... أرضيت ما يفنى بباق وكان ابن الجوزي المذكور آية الله في كثرة التأليف والكتابة والوعظ

والحفظ، وأقل من كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضر عنده مائة ألف، وقال في آخر عمره على المنبر: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني، وأسمع رحمه الله تعالى الناس أكثر من أربعين سنة، وحدث بمصنفاته مراراً.

وقال الحافظ الذهبي في حقه: الحافظ الكبير، الواعظ المفتن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في العلوم المتعددة، وعظ من صغره، وفاق فيه الأقران ونظم الشعر المليح، وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا يزيد عليه، وحزر مجلسه غير مرة بمائة ألف، وحضر مجلسه المستضيء مراراً من وراء الستر؛ انتهى.

ومن كلامه في بعض مجالسه: واله ما اجتمع لأحد أمله، إلا وسعى في تفريقه أجله، وعقارب المنايا تلسع الناس، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وقال في قوله ﷺ " أعمار أمتي من الستين إلى السبعين " إنما طالت أعمار القدماء لطول البداية، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل: حثوا المطي.

وقال في الذين عبدوا العجل: لو أن الله خار لهم ما خار لهم.

وقال يوماً وقد طرب أهل المجلس: فهمتم فهمتم.

وقال في خلافة أبي بكر ﵁، بعد أن ذكر أحاديث تدل على خلافته كقوله ﷺ " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وغيره، ما صورته: فهذه أحاديث تجري مجرى النص، فهمها الخصوص، غير أن الرافضة في إخفائها كاللصوص، فقال السائل: لما قال: " أقيلوني " ما سمعنا مثل جواب علي ﵁ " والله لا أقلناك "، فقال: لما غاب علي عن البيعة في الأول، أخلف ما فات بالمدح في المستقبل، ليعلم السامع والرائي أن بيعة أبي بكر وإن كانت من ورائي، فهي رائي، ومثل ذلك الصدر لا يرائي.

وقال في قول فرعون ﴿أليس لي ملك مصر﴾ (الزحف:) يفتخر

بما أجراه، ما أجراه.

وتواجد رجل في مجلسه فقال: عجباً! كلنا في إنشاد الضالة سوا، فلم وجدت وحدك ألم الجوى وأنشد:

قد كتمت الحب حتى شفنيوإذا ما كتم الداء قتل

بين عينيك علالات الكرى ... فدع النوم لربات الحجل ونظر يوماً إلى أقوام يبكون في مجلسه ويتواجدون فأنشد:

ولو لم يهجني الظاعنون لهاجنيحمائم ورق في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوىنوائح لم تقطر لهن دموع
للشاعر أسامة بن منقذ، من قصيدة «كعهدك بانات الحمى فوق كثبها»
وكيف أطيق العاذلين وذكرهميؤرقني والعاذلون هجوع وقام رجل وتواجد فأنشد:
وما زال يشكو الشوق حتى كأنماتنفس من أحشائه وتكلما
ويبكي فأبكي رحمة لبكائهإذا ما بكى دمعاً بكيت له دما وأعجبه يوماً كلامه فأنشد:
تزدحم الألفاظ والمعانيعلى فؤادي وعلى لساني

تجري لي الأفكار في ميدان ... أزاحم النجم على مكان ووعظ المستضيء يوماً فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك، على خوفي منك، لمحبتي لدوام أيامك، إن قول القائل " اتق الله " خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وقال الحسن البصري: لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تبلغ المأمن

خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف.

وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إذا بلغني عن عامل ظالم أنه قد ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم. يا أمير المؤمنين، كان يوسف ﵇ لا يشبع في زمان القحط، لئلا ينسى الجياع، وكان عمر ﵁ يصر بطنه عام الرمادة فيقول: قرقري إن شئت ولا تقرقري، فوالله لا شبعت والمسلمون جياع. فتصدق الخليفة المستضيء بصدقات كثيرة، وأطلق من في السجن.

وقال رحمه الله تعالى لبعض الولاة: اذكر عدل الله فيك، وعند العقوبة قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك.

وقال: الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تذل الإنسان.

وقال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، فقال: نعم، لأنك تريد أن تتفرج، وإنما لا ينبغي أن لا تنام الليل لأجل ما سمعت فيه.

وقيل له: إن فلاناً أوصى عند الموت، فقال: طين سطوحه في كانون.

وقال له قائل: أسبح أم أستغفر فقال: الثياب الوسخة أحوج إلى الصابون من البخور.

وسأله سائل: ما الذي وقر في قلب أبي بكر ﵁ فقال: قوله ليلة المعراج " إن كان قال فلقد صدق " فله السبق.

ولما قال له بعضهم " سيف علي نزل من السماء فسعفة أبي بكر أين " أجابه بقوله: إن سعفة هزت يوم الردة فأثمرت سبياً جاء منه مثل ابن الحنفية لأمضى من سيوف الهند، ثم قال: يا عجباً للروافض، إذا مات لهم ميت تركوا معه سعفة، من أين ذا المصطلح

وسئل عن معنى قوله ﷺ " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر " فقال: الميت يقسم ماله ويكفن، وأبو بكر أخرج ماله كله وتخلل بالعباء.

وقال في قوله تعالى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً﴾ (الأعراف:).

قال علي: إني والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، ثم قال أبو الفرج: إذا اصطلح أهل الحرب فما بال النظارة

وقال: قال جبريل لرسول الله ﷺ: سلم على عائشة، ولم يوجهها بالخطاب احتراماً لزوجها، وواجه مريم لأنها لم يكن لها زوج، فمن يحترمها جبريل كيف يجوز في حقها الأباطيل

قال أبو شامة: وكان ابن الجوزي رحمه الله تعالى مبتلى بالكلام في مثل هذه الأشياء، لكثرة الروافض ببغداد وتعنتهم بالسؤالات فيها، فكان بصيراً بالخروج منها لحسن إشارته.

وانقطع القراء يوماً عن مجلسه فأنشد:

وما الحلي إلا زينة لنقيصةيتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وأما إذا كان الجمال موفراً ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوروا وقيل له: لم تعلل موسى ﵇ بسوف تراني فأنشد:

إن لم يكن وصل لديك لنا ... يشفي الصبابة فليكن وعد ولما ذكر بلالاً ﵁ لما منع الطواف بالبيت كان يقف من بعيد وينظر إليه ويبكي أنشد:

أمر على منازلهم وإنيبمن أضحى بها صب مشوق
وأومي بالتحية من بعيدكما يومي بإصبعه الغريق ومن شعر أبي الفرج رحمه الله تعالى:
لعبت ومثلك لا يلعبوقد ذهب الأطيب الأطيب
قد كنت في ظلمات الشبابفلما أضاء انجلى الغيهب
ألا أين أقرانك الراحلونلقد لاح إذ ذهبوا المذهب

ولنقتصر على هذا المقدار، ونرجع إلى أحوال لسان الدين رحمه الله تعالى وارتحاله، والاعتبار بحاله، فنقول:

ومما يناسب أن نذكره في هذا المحل ونثبته فيه ما حكاه العالم العلامة بلدينا سيدي أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى عن جدي الإمام قاضي القضاة سيدي أبي عبد الله المقري التلمساني رحمه الله تعالى، وهو أحد أشياخ لسان الدين كما يأتي إن شاء الله ذلك في محله، قال: كنت مع ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب في جامع إلبيرة من الأندلس إذ مر بنا الاعتبار، في تلك الآثار، فأنشد ابن الخطيب ارتجالاً:

أقمنا برهة ثم ارتحلناكذلك الدهر حال بعد حال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أقمنا برهة ثم ارتحلنا»
وكل بداية فإلى انتهاءوكل إقامة فإلى ارتحال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أفادت وجهتي بنداك مالا»
ومن سام الزمان دوام حالفقد وقف الرجاء على المحال انتهى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أقمنا برهة ثم ارتحلنا»

وحكى لسان الدين في الإحاطة عن نفسه أنه خطط هذه الأبيات في مرحلة نزلها رحمه الله تعالى حسبما يأتي ذلك في شعره.

وما أحسن قوله رحمه الله تعالى:

لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانايتابع أخرانا على الغي أولانا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا»
ونغتر بالآمال والعمر ينقضيفما كان بالرجعى إلى الله أولانا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا»
وماذا عسى أن ينظر الدهر من عسافما انقاد للزجر الحثيث ولا لانا
جزينا صنيع الله شر جزائهفلم نرع ما من سابق الفضل أولانا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا»
فيا رب عاملنا بما أنت أهلهمن العفو واجبر صدعنا أنت مولانا

وقد حكى غير واحد أنه رحمه الله تعالى ريء بعد موته في المنام، فقال له الرائي: ما فعل الله بك فقال: غفر لي ببيتين قلتهما، وهما:

يا مصطفى من قبل نشأة آدموالكون لم تفتح له أغلاق
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يا مصطفى من قبل نشأة آدم»

أيروم مخلوق ثناءك بعدما ... أثنى على أخلاقك الخلاق وقد كرر رحمه الله تعالى هذا المعنى في قصيدة في حقه ﷺ، وشرف وكرم، ومجد وعظم، وبارك وأنعم، وهو قوله:

مدحتك آيات الكتاب فما عسىيثني على علياك نظم مديحي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «هل كنت تعلم في هبوب الريح»

وإذا كتاب الله أثنى مفصحاً ... كان القصور قصار كل فصيح وستأتي هذه القصيدة في نظمه إن شاء الله تعالى.

وقد رأيت بالغرب تخميساً للبيتين الأولين منسوباً للأديب الشهير الذكر بالمغرب أبي عبد الله مجمد بن جابر الغساني المكناسي رحمه الله تعالى، ولا بأس أن نورده هنا، وهو قوله رحمه الله تعالى:

يا سائلاً لضريح خير العالمينهي إليه مقام صب هائم
بالله نادي وقل مقالة عالميا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق
بثناك قد شهدت ملائكة السماوالله قد صلى عليك وسلما
يا مجتبى ومعظماً ومكرماًأيروم مخلوق ثناءك بعدما أثنى على أخلاقك الخلاق

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.