من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (٩)
المجلس، بعد التسبب في الخلاص والسعي في الجبر، جبره الله تعالى، وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (الشعراء:) انتهى.
وكتب ابن لسان الدين على هذا المحل ما صورته: هذا لسان أبي عليه في الغيبة والحضور؛ انتهى.
ومما خاطبه به لسان الدين مهنئاً من طريق القدوم على الأبواب المرينية، مفلتاً من البلية بشفاعته، ما نصه: سيدي الذي إليه انقطاعي وانحياشي، وملاذي وملجئي الذي يسر خلاصي وسنى انتياشي، ومنعمي الذي جبر جناحي وأنبت رياشي، ومولى هذا الصنف العلمي ولا أحاشي، كتبه صنيع نعمكم الخالصة الحرة، ومسترق فضلكم الذي تألقت منه في ليل الخطوب الغرة ابن الخطيب لطف الله به من كذا، وقد شد إلى بلاغ النفس عذرها في مباشرة تقبيل اليد التي لها اليد العظمى، والسجية الرحمى، فلكم طوقت من نعمى، وجبال النعم قد أثقلت الظهر، واستغرقت السر والجهر، فبأي لسان أو بأي بنان، ولا أثر بعد عيان، تقابل نعمة تداركت الرمق وقد أشفى، وأبقت الذماء والشروع في استئصالها لا يخفى، فيا لك من فرد هزم ألفا، ووعد نصر لم يعرف خلفا، ونية خلصت تبتغي إلى الله زلفى، لقد صدع بها مولاي غريبة في الزمن، بالغاً حسن صنيعها صنعاء اليمن، مترفعة عن الثمن، وإن لم يقم بها مثله وإلا فمن، فليهن سيدي ما ذاع لمجده بها من فخر، وما قدم يوم تزل الأقدام من ذخر، وما جلب للمقام المولوي الإبراهيمي من طيب ذكر، واستفاضة حمد وشكر،
لقد ارتهن دعاء الحافي والناعل، والدال على الخير شريك الفاعل، والذي أحيا النفس جدير برد عدتها، وإنجاز عدتها، وأنا قد قويت بجاهكم وإن كنت ضعيفاُ، واستشعرت سعداً جديداً وقدراً منيفاً، وأيقنت أن الله ﷿ كان بي لطيفاً، إذ هيأ لي من رحمة ذلك المقام المولوي على يدكم نصراً عزيزاً، وبوأني من جاهه حرزاً حريزاً، وقد استأسدت أعداء، وأعضل الداء، وأعمل الاعتداء، وعز الفداء، فافرج الضيق، وتيسرت للخير الطريق، وساغ الريق، ونجا الغريق، غريبة لا تمثل إلا في الحلم، ولطيفة فيها اعتبار الأولي العلم، اللهم جاز سيدي في نفسه وولده، وحاله وبلده، ومعاده بعد طول عمره وانفساح أمده، وكن له نصيراً أحوج ما يكون إلى نصر، واجعل له سعة من كل حصر، واقصر عليه جاه كل قصر، كما جعلت ذاته فوق كل ذات وعصره فوق كل عصر، وليعلم سيدي أن من أراد بي منافسة وحسداً، وزأر علي أسداً، لما استقل على الكرسي جسداً، من غير ذنب تبين، ولا حد تعين، أصابه من خلاصي المقيم المقعد، ووعد النفس بأمل أخلف منه الموعد، لما استنقذني الله برحمته من بين ظفره ونابه، وغطاني بستر جنابه، وكثرني في العيون على قلة، وأعزني بعد نصره على حال ذلة، لم يدع حيلة إلا نصبها أمامي، ليحبط ذلك المقام الكريم ذمامي، ويكدر جمامي، ويستدرك حمامي، وزعم أن بيده على البعد زمامي، ويأبى ذلك رأي يفرق بين الحق وضده، وعدل لا يخرج الشيء عن حده، فنبهت سيدي خوفاً أن تتجه حيلة، أو تفسد وسيلة، وأنا قادم بالأهل والولد ليعمل في رب الصنيعة على شاكلة الحمد الذي هو له أهل، فما بابتدائه جهل، ولا يختلف في عظم ما أسداه غر ولا كهل، ولا ينبه مثله على تتميم، وإجزال فضل عميم، ومؤانسة غريب، وصلة
نصر عزيز وفتح قريب، بحول الله تعالى.
وقال لسان الدين بعد ما سبق نقله عنه في حق ابن مرزوق: ولما انقضى أمر سلطانه رحمه الله تعالى متجنى عليه بسببه، محمولاً عليه من أجله، تقبض عليه وأجمع الملأ على قتله، وشد اعتقاله، وطلب بالمال العريض وانتهيت أمواله واعتقلت رباعه، وجنبت مراكبه، واصطفيت أمهات أولاده، وتمادى به الاعتقال والشدة، إلى أن عادته عوائد الله في الخلاص من الشدة، والانتياش من الورطة ظاهرة عليه بركة سلفه، قائمة له حجة الكرامة في أمره.
حكى أمير المسلمين سلطاننا أعزه الله قال: عرض لي والدي رحمه الله تعالى في النوم فقال: يا ولدي، اشفع في الفقيه ابن مرزوق، فقبلت يده، واقتضيت حظه، وحكيت داعيته، وعينت للوجهة في ذلك قاضي الحضرة، فكان في ذلك ابتداء الفرج.
وحدثني الثقة من خدام السلطان أبي العنان عنه مخبراً عن نفسه لما نفس عنه من نكبته، وأجاره من سخطه، قال: رأيت رسول الله ﷺ فأمرني بذلكن وكفى بها جاهاً وحرمة، قلت: فترك سبيلهن وأتيح له ركوب البحر إلى البلاد المشرقية بأهله وولده، فسار في كنف الستر، وتحت جناح الوقاية، في وسط رجب من عام أربعة وستين وسبعمائة من ساحل باديس، صحب الله وجهته، وختم عصمته؛ انتهى ما لخصته من كلام لسان الدين بلفظه.
ورأيت على هامش هذا المحل من الإحاطة بخط المذكور ما صورته: أقول وأنا ابن مرزوق المسمى فيه: إني قد وصلت إلى تونس المحروسة من شهر رمضان من سنة خمس وستين، فلقيت بها من المبرة والكرامة والوجاهة فوق ما يعهده أمثالي، ووليت خطابة جامع ملكها، وتدريس أم المدارس فيها، وهي المعروفة بمدرسة الشماعين، كل ذلك تحت رعاية وعناية وملازمة لمجلس ملكها، إلى أن توفي سنة إحدى وسبعين، ثم مع ولده وابن أخيه، إلى أن رحلت في البحر في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين، فحللت بالديار المصرية، ولقيت من ملكها الذي لم أر في الملوك مثله حلماً وفضلاً وحياء وجوداً وتلطفاً ورحماً، فأحسن لي وأجرى علي وعلى أولادي ما قام به الحال، وقلدني دروساً ومدارس، وأهلني للمثول بين يديه، والحال مستمر على ذلك حتى الآن، وذلك من فضل الله ومعهود إحسانه، والمرجو من الله تعالى حسن العاقبة، وكتب في رمضان سنة خمس وسبعين؛ انتهى.
وكتب بعده أبو الحسن علي بن لسان الدين رحمهما الله تعالى ما صورته: صدق، وهو فوق كل ذلك كله، فقدره معروف، ولطالما كان ملك المغرب يفتخر به، فصار يفتخر بتقليد الدروس:
والدهر لا يبقي على حالةانتهى
قال في " الإحاطة ": ولما شرح كتاب الشفاء للقاضي عياض رحمه الله تعالى واستبحر فيه، وأكثر النقل وبذل الجهد، طلب أهل العدوتين نظم
مقطوعات تتضمن الثناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلفه، فانثال عليه من ذلك الطم والرم، بما تعددت منه الأوراق، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق، إيثاراً لغرضه، ومبادرة من كل الجهات لإسعاف أربه، وطلب مني أن ألم في ذلك بشيء فكتبت له في ذلك:
شفاء عياض للصدور شفاءفليس بفضل قد حواه خفاء
هدية بر لم يكن لمديلهاسوى الأجر والذكر الجميل وفاء
وفى لنبي الله حق وفائهوأكرم أوصاف الكرام وفاء
وجاء به بحراً يقول بفضلهعلى البحر طعم طيب وصفاء
وحق رسول الله بعد وفاتهرعاه، وإغفال الحقوق جفاء
هو الذخر يغني في الحياة عتادهويترك منه للبنين رفاء
هو الأثر المحمود ليس ينالهدثور، ولا يخشى عليه عفاء
حرصت على الإطناب في نشر فضله ... وتمجيده لو ساعدتني فاء واستزاد من هذا الغرض الذي لم يقنع فيه بالقليل فبعثت إليه من محل انتقالي من سلا حرسها الله تعالى:
أأزاهير رياضأم شفاء لعياض
جدل الباطل للحق بأسياف مواض
وجلا الأنوار برهاناً بحق وافتراض
وشفى من يشتكي الغلة في زرق الحياض
أي بنيان مقالآمن خوف انقضاض
أي عهد ليس يرمىبانتكاث وانتقاض
ومعان في سطوركأسود في غياض
وشفاء لصدورمن ضنى الجهل مراض
حرر القصد فما شين بنقض واعتراض
يا أبا الفضل أدر أن الله عن سعيك راض
فاز عبد أقرض اللهـ برحجان القراض
وجبت غر المزايامن طول أو عراض
لك يا أصدق راولك يا أعدل قاض
لرسول الله وفيت بجد وانتهاض
خير خلق الله في حال وفي آت وماض
سدد الله ابن مرزوق إلى تلك المراضي
زبدة العرفان معنىكل نسك وارتياض
فتولى بسط ما أجملت من غير اقباض
ساهراً لم يدر في استخلاصه طعم اغتماض
إن يكن ديناً على الأيام يا قدحان التقاضي
دام في علو ومن عاده يهوي في اخفاض
ما وشي الصبح الدياجي ... بسواد في بياض ثم نظمت له أيضاً في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط في هذا الموضوع ليس على سبيل التبجح بإجادته وغرابته، ولكن على سبيل الإشادة
بالشرح المشار إليه، فهو بالغ راية الاستبحار:
حييت يا مختط سبت بن نوحبكل مزن يغتدي أو يروح
وحمل الريحان ريح الصباأمانة فيك إلى كل روح
دار أبي الفضل عياض الذيأضحت برياه رياضاً تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بهاوواصلاً في العلم جري الجموح
طرفك في الفضل بعيد المدىطرفك للمجد شديد الطموح
كفاك إعجازاً كتاب الشفاوالصبح لا ينكر عند الوضوح
لله ما أجزلت فينا بهمن منحة تقصر عنها المنوح
روض من العلم هم فوقهمن صيب الفكر الغمام السفوح
فمن بيان الحق زهر ندومن لسان الصدق طير صدوح
تأرج العرف وطاب الجنىوكيف لا يثمر أو لا يفوح
وحلة من طيب خير الورىفي الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعلم للدين شيدتهفهذه الأعلام منها تلوح
فقل لهامان كذا أو فلايا من أضل الرشد تبني الصروح
في أحسن التقويم أنشأتهخلقاً جديداً بين جسم وروح
فعمر المكتوب لا ينقضيإذا تقضى عمر سام ونوح
كأنه في الحفل ريح الصباوكل عطف فهو غصن مروح
ما عذر مشغوف بخير الورىإن هاج منه الذكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوىوقد سطا البعد وطال النزوح
إن ذكر المحبوب سالت دماًما هن أكباد ولا جروح
يا سيد الأوضاع يا من لهبسيد الأرسال فضل الرجوح
يا من له الفضل على غيرهوالشمس تخفى عن إشراق يوح
يا خير مشروح وفى واكتفىمن ابن مرزوق بخير الشروح
فتح من الله حباه به ... ومن جانب الله تأتي الفتوح ثم قال: وعلى الجملة والتفصيل، فهذا الرجل نسيج وحده شهرة وجلالة وخصالاً وأبوة صالحة تولاه الله وكان له، وانصرف بجماته إلى بلاد المشرق عام أربعة وستين وسبعمائة، تولاه الله تعالى وأسعد منقلبه، ومولده بتلمسان عام أحد عشر وسبعمائة، انتهى كلام لسان الدين.
[تراجم أخرى لابن مرزوق]
ولنزد في هذه الترجمة على ما ذكره فنقول: قال ابن خلدون: صاحبنا الخطيب أبو عبد الله ابن مرزوق، من أهل تلمسان، كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد، ومتوارثين تربته من لدن جدهم خادمه في حياته،وكان جده الخامس أو السادس أبو بكر ابن مرزوق معروفاً بالولاية فيهم، ونشأ محمد هذا بتلمسان، ومولده فيما أخبرني عام عشرة وسبعمائة، انتهى.
وهو مخالف لما ذكره لسان الدين فيما مر عنه.
ثم قال ابن خلدون: وارتحل مع والده إلى الشرق سنة ثلاث عشرة، وسمع ببجاية على الشيخ ناصر الدين، ولما جاور أبوه بالحرمين رجع إلى القاهرة، فأقام وبرع في الطلب والرواية، وكان يجيد الخطين، ورجع سنة ثلاث وثلاثين إلى
المغرب، ولقي السلطان محاصراً لتلمسان، وقد شيد بالعباد مسجداً عظيماً وكان عمه محمد بن مرزوق خطيباً به على عادتهم في العباد، وتوفي، فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه، وسمعه يخطب على المنبر، ويشيد بذكره ويثني عليه، فحلي بعينيه فقربه، وهو مع ذلك يلازم ابني الإمام، ويأخذ نفسه بلقاء الأفاضل والأكابر والأخذ عنهم، وحضر مع السلطان وقعة طريف، ثم استعمله في الرسالة إلى الأندلس، ثم إلى ملك قشتالة في تقرير الصلح، واستنقاذ ولده المأسور يوم طريف، ورجع بعد وقعة القيروان مع زعماء النصارى، فرجع إلى المغرب. ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن، ثم رجع إلى تلمسان، وأقام بالعباد، وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن وأخوه أبو ثابت، والسلطان أبو الحسن بالجزائر، وقد حشد هناك، فأرسل أبو سعيد ابن مرزوق المذكور إليه سراً في الصلح، فلما اطلع أخوه أبو ثابت على الخبر أنكره على أخيه، فبعثوا من حبس ابن مرزوق، ثم أجازوه البحر إلى الأندلس، فنزل على أبي الحجاج سلطانها بغرناطة، فقربه واستعمله على الخطبة بجامع الحمراء، فلم يزل خطيبه إلى أن استدعاه أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها، فقدم عليه، ورعى له وسائله ونظمه في أكابر أهل مجلسه، ثم بعثه لتونس على ملكها سنة ثمان وخمسين ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى، فردت الخطبة، واختفت بتونس، ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها فسخطه لذلك وأمر بسجنه، فسجن مدة، ثم أطلقه قبل موته.
ولما استولى أبو سالم على السلطنة آثره، وجعل زمام الأمور بيده، فوطئ الناس عقبه، وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفوا إليه الوجوه، فلما وثب عمر بن عبد الله بالسلطان آخر عام اثنين وستين حبس ابن مرزوق، ثم أطلقه
بعد أن رام كثير من أهل الدولة على قتله، فمنعه منهم، ثم لحق بتونس سنة أربع وستين، ونزل على السلطان أبي إسحاق وصاحب دولته أبي محمد ابن تافراكين، فأكرموه وولوه الخطابة بجامع الموحدين، وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو يحيى سنة سبعين وولي ابنه خالد، ثم لما قتل السلطان أبو العباس خالداً واستولى على السلطنة، وكان بينه وبين ابن مرزوق شيء لميله مع ابن عمه محمد صاحب بجاية، عزله عن الخطبة، فوجم لها، فأجمع الرحلة إلى المشرق، وسرحه السلطان، فركب السفينة، ونزل بالإسكندرية، ثم ارتحل إلى القاهرة، ولقي أهل العلم وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه عندهم، وأوصلوه إلى السلطان الأشرف، فولاه الوظائف العلمية، فلم يزل بها موفر الرتبة، معروف الفضيلة، مرشحاً لقضاء المالكية، ملازماً للتدريس، إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين؛ انتهى ملخصاً.
وقال الحافظ ابن حجر: إنه لما وصل تونس أكرم إكراماً عظيماً، وفوضت إليه الخطابة بجامع السلطان وتدريس أكبر المدارس، ثم قدم القاهرة، فأكرمه الأشرف شعبان، ودرس بالشيخونية والصرغتمشية والنجمية، وكان حسن الشكل، جليل القدر، مات في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين؛ ى انتهى.
وقال ابن الخطيب القسمطيني: هو شيخنا الفقيه الجليل الخطيب، توفي بالقاهرة ودفن بين ابن القاسم وأشهب، وله طريق واضح في الحديث، ولقي أعلاماً، وسمعنا منه البخاري وغيره في مجالس، ولمجلسه لباقة وجمال، وله شرح جليل على " العمدة " في الحديث؛ انتهى.
وكتب بخطه بلدينا أبو عبد الله ابن العباس التلمساني ما نصه: نقلت من خط بعض السادات كتبه للإمام زعيم العلماء الحفيد ابن مرزوق أنه وجد بخط جده
الخطيب ابن مرزوق لما ثقفه عمر ابن عبد الله على يد الشيخ أبي يعقوب كتب ما نصه: الحمد لله على كل حال، خرج الطبري من منسكه وأبو حفص الملاي في سيرته عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله تعالى عنهم، قالا: وقف رسول الله ﷺ على الثنية التي بأعلى مكة، وليس بها يومئذ مقبور، فقال: يبعث الله من ههنا سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، فقال أبو بكر: من هم يا رسول الله قال: هم الغرباء من أمتي الذين يدفنون ههنا، ففي هذا الموضع دفن والدي رحمه الله تعالى، وبعد سماعه لهذا الحديث بسبعة أيام دفن فيه، أفتراه لا يشفع فيمن أقال عثرة ولده أفما يشترى هذا بأموال الأرض أفلا يرعى لي ثمانية وأربعين منبراً في الإسلام شرقاً وغرباً وأندلساً أفلا يرعى لي أنه ليس اليوم يوجد من يسند أحاديث الصحاح سماعاً من باب إسكندرية إلى البرين والأندلس غيري ونحو من مائتين وخمسين شيخاً والله ما أعلمه، لكن حرمني الله تعالى، نبذت الاشتغال به، وآثرت اتباع الهوى والدنيا، فهويت، اللهم غفرانك! أفلا يرعى لي مجاورة نحو اثني عشر عاماً وختم القرآن في داخل الكعبة، والإحياء في محراب النبي ﷺ، والإقراء بمكة، ولا أعلم من له هذه الوسيلة غيري أفلا يرعى لي الصلاة بمكة وغربتي بينكم، ومحنتي في بلدي، على محبتكم وخدمتكم، من ذا الذي خدمكم من الناس يخرج على هذا الوجه أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله من ذنوبي، وذنوبي أعظم، وربي أعلم، وربي أرحم، والسلام؛ انتهى.
ففي هذا دليل على عظم قدره ومكانته في الدين والدنيا.
قلت: ولقد رأيت مصحفه بتلمسان عند أحفاده، وعليه خطه الرائق الذي أعرفه، وهو يقول: قرأت في هذا المصحف تجاه الكعبة المشرفة اثني عشر ألف ختمة؛ انتهى.
ومع هذا فقد نسي في المصحف المذكور لفظك إليك من قوله تعالى " ينقلب إليك البصر " حتى كتبه بخطه فوق السطر حفيده العلامة سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق، رحم الله الجميع.
قال الخطيب المذكور رحمه الله تعالى في بعض تعاليقه ما صورته: ومن أشياخ والدي سيدي محمد المرشدي، لقيه في ارتحالنا إلى الشرق، وحين حملني إليه وأنا ابن تسع عشرة سنة نزلنا عنده، ووافقنا صلاة الجمعة، ومن عادته أن لا يتخذ للمسجد إماماً، وحضر يومئذ من أعلام الفقهاء من لا يمكن اجتماع مثلهم في غير ذلك المشهد، قال: فقرب وقت الصلاة، فتشوف ممن حضر من الفقهاء والخطباء إلى التقديم، فإذا الشيخ قد خرج فنظر يميناً وشمالاً وأنا خلف والدي، فوقع بصره علي، فقال لي: يا محمد، تعال، قال: فقمت معه حتى دخلت معه في موضع خلوة، فباحثني في الفروض والشروط والسنن، وقادني إلى المنبر، وقال لي: يا محمد، ارق المنبر، فقلت له: يا سيدي، والله لا أدري ما أقول، فقال لي: ارق، وناولني السيف الذي يتوكأ عليه الخطيب عندهم، وأنا جالس مفكر فيما أقول إذا فرغ المؤذنون، فلما فرغوا ناداني بصوته، وقال لي: يا محمد قم، وقل بسم الله، قال: فقمت، وانطلق لساني بما لا أدري ما هو، إلا أني كنت أنظر إلى الناس ينظرون إلي ويخشعون من موعظتي، فأكملت الخطبة، فلما نزلت قال لي: أحسنت يا محمد،
قراك عندنا أن نوليك الخطابة، وأن لا تخطب بخطبة غيرك ما وليت وحييت، ثم سافرنا فحججنا، وأراد والدي الجوار، وأمرني بالرجوع لأونس عمي وقرابتي بتلمسان، وأمرني بالوقوف علي سيدي المرشدي هنالك، فوقفت عليه وسألني عن والدي، فقلت له: يقبل أيديكم، ويسلم عليكم، فقال لي: تقدم يا محمد، واستند إلى هذه النخلة، فإن شعيباً يعني أبا مدين عبد الله عندها ثلاث سنين، ثم دخل خلوته زماناً، ثم خرج فأمرني بالجلوس بين يديه، ثم قال لي: يا محمد، أبوك من أحبابنا وإخواننا، إلا أنك يا محمد، إلا أنك يا محمد، فكانت هذه إشارة إلى ما امتحنت به من مخالطة أهل الدنيا والتخليط، ثم قال لي: يا محمد أنت متشوش من جهة أبيك، تتوهم أنه مريض، ومن بلدك، أما أبوك فبخير وعافية، وهو الآن عن يمين منبر رسول الله ﷺ، وعن يمينه خليل المالكي، وعن يساره أحمد قاضي مكة، وأما بلدك، فبسم الله، فخط دائرة في الأرض، ثم قام فقبض إحدى يديه على الأخرى وجعلهما خلف ظهره يطوف بتلك الدائرة، ويقول: تلمسان، تلمسان، حتى طاف بتلك الدائرة مرات، ثم قال لي: يا محمد، قد قضى الله الحاجة فيها، فقلت له: كيف يا سيدي فقال: ستر الله إن شاء الله على من فيها من الذراري والحريم، ويملكها هذا الذي حصرها، يعني السلطان أبا الحسن، فهو خير لهم، ثم جلس وجلست بين يديه، فقال لي: يا خطيب، فقلت: يا سيدي عبدك ومملوكك، فقال لي: كن خطيباً، أنت الخطيب، وأخبرني بأمور، وقال لي: لا بد أن تخطب بالجامع الغربي، وهو الجامع الأعظم بالإسكندرية، ثم أعطاني شيئاً من كعيكات صغار، زودني بها، وأمرني بالرحيل.
وأما خبر تلمسان فدخلها المريني كما ذكر، وستر الله من فيها من الذراري والحريم، وكان هذا المرشدي يتصرف في الولاية كتصرف سيدي أبي العباس السبتي، نفعنا الله بهما.
وللخطيب ابن مرزوق تآليف: منها شرحه الجليل على العمدة في خمسة أسفار، جمع فيه بيت ابن دقيق العيد والفاكهاني مع زوائد، وشرحه النفيس على الشفاء، ولم يكمل، وشرحه على الأحكام الصغرى لعبد الحق، وشرحه على ابن الحاجب الفرعي، سماه إزالة الحاجب لفروع ابن الحاجب وله غيرها، وديوان خطب بالغرب مشهور كقصيدته التي قالها في نكبته بتلمسان، وأولها:
رفعت أموري لباري النسموموجدنا بعد سبق العدم ومن نظمه عند وداعه أهل تونس:
أودعكم وأثني ثم أثنيعلى ملك تطاول بالجميل
وأسأل رغبة منكم لربيبتيسير المقاصد والسبيل
سلام الله يشملنا جميعاً ... فقد عزم الغريب على الرحيل ومن نظم أبي المكارم منديل ابن آجروم يسلس المذكور عندما سجن بعد قتل السلطان أبي سالم، ﵏ أجمعين:
يا شمس علم أفلت بعدماأضاءت المشرق والمغربا
حجبت قسراً عن عيون الورى ... والشمس لا ينكر أن تحجبا وهو بيت علم وولاية وصلاح لعمه وجده وأبيه وجد أبيه، ولولديه محمد وأحمد وحفيده عالم الدنيا البحر أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق، وولد حفيده المعروف بالكفيف، وحفيد حفيده المعروف بالخطيب، وهو آخر المذكورين منهم فيما نعلم.
[ابن مرزوق الكفيف]
قلت: كان مرادي أن أعرف بجميعهم، ولكني خشيت الطول، فلنلم بذكر الحفيد عالم الدنيا، وابنه العلامة المشهور بالكفيف، لأنه أعني الكفيف والد أم جدي أحمد، لأني احمد بن محمد بن أحمد، فوالدة الجد أحمد بنت الكفيف المذكور، وهو أعني الكفيف محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب الرئيس أبي عبد الله بن مرزوق المتقدم الذكر، وكان الكفيف إماماً عالماً علامة، ووصفه ابن داود البلوي بأنه الشيخ الإمام، علم الأعلام، فخر خطباء الإسلام، سلالة الأولياء، وخلف الأتقياء الأرضياء، المسند الراوية المحدث العلامة المتفنن القدوة الحافل الكامل، وأخذ العلم عن جماعة: منهم عالم الدنيا أبوه، قرأ عيه الصحيحين والموطأ وغير ما كتاب من تآليفه وغيرها، وتفقه عليه وأجازه عموماً وعن عالمي تلمسان أبوي الفضل ابن الإمام والعقباني، وغيرهما واللجائي والثعالبي، والنظار أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم المشدالي، وقاضي الجماعة ابن عقاب وحافظ الإسلام ابن حجر العسقلاني، وكل هؤلاء أجازوه، وقرأ عليهم مشافهة، إلا ابن حجر فمكاتبة، ومولده غرة ذي القعدة عام أربعة وعشرين وثمانمائة، نصف ليلة الثلاثاء، ومن شيوخه العلامة ابن العباس التلمساني وغيره.
وقال السخاوي: قدم الكفيف مكة سنة إحدى وستين وثمانمائة، وسمعت سنة إحدى وسبعين وثمانمائة أنه في الأحياء؛ انتهى.
وأخذ عنه جماعة أئمة كالسنوسي صاحب العقائد الشهيرة وغيرها، والونشريسي صاحب المعيار، والعلامة أبي عبد الله ابن العباس، وحلاه بشيخنا
ومفيدنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ المغرب، وقال: قرأت عليه الصحيحين وبعض مختصري ابن الحاجب الفرعي والأصلي، وحضرت عله جملة من التهذيب وبعض الخونجي وغيرها، وأخذ عنه بالإجازة عالم فاس ابن غازي حسبما ذكره في كتابه المسمى التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال الساكن والناد.
وقال بعض الحفاظ: إن وفاته عام أحد وتسعمائة بتلمسان. وزرت قبره مراراً، رحمه الله تعالى؛ ونقل عنه المازوني في نوازله المسماة الدرة المكنونة في نوازل مازونة.
[ابن مرزوق الحفيد]
وأما والده عالم الدنيا أبو عبد الله محمد بن مرزوق الشهير بالحفيد فهو البحر الإمام المشهور الحجة الحافظ العلامة المحقق الكبير النظار المطلع المصنف المنصف التقي الصالح الناصح الزاهد العابد الورع البركة الخاشع الخاشي النبيه القدوة المجتهد الأبرع الفقيه الأصولي المفسر المحدث الحافظ المسند الراوية الأستاذ المقرئ المجود النحوي اللغوي البياني العروضي الصوفي الأواب الولي الصالح العارف بالله، الآخذ من كل فن بأوفر نصيب، الراعي في كل علم مرعاه الخصيب، حجة الله على خلقه، المفتي الشهير الرحلة الحاج، فارس الكراسي والمنابر، سليل الأكابر، سيد العلماء الأخيار، وإمام الأئمة وآخر الشيوخ ذوي الرسوخ، بدر التمام الجامع بين المعقول والمنقول والحقيقة والشريعة بأجل محصول، وآخر النظار الفحول، شيخ المشايخ، صاحب التحقيقات البديعة والاختراعات الأنيقة، والأبحاث الغريبة، والفوائد الغزيرة، المتفق على علمه وصلاحه
وهديه، الذكي الفهامة القدوة الذي لا يسمح الزمان بمثله أبداً، أوحد الأفراد في جميع الفنون الشرعية، ذو المناقب العديدة والأحوال السديدة، شيخ الإسلام وإمام المسلمين وفتي الأنام، الذي له القدم الراسخ في كل مقام ضيق، والرحب الواسع في حل كل مشكل مقفل، صاحب الكرامات والاستقامات، السني السنى الحريص على تحصيل السنة ومجانبة البدعة، السيف المسلول على أهل البدع والأهواء الزائغة، الذي أفاض الله تعالى على خلقه به بركته، ورفع بين البرية محله ودرجته، ووسع على خليقته به نحلته، معدن العلم وشعلة الفهم، وكيمياء السعادة وكنز الإفادة، ابن الشيخ الفقيه العلم أبي العباس أحمد، ابن الإمام العلامة الرئيس الكبير الخطيب الحافظ الرحلة الفقيه المحدث الشهير شمس الدين محمد، ابن الشيخ العالم الصالح الولي المجاور أبي العباس أحمد، ابن الفقيه الولي الصالح الخاشع محمد، ابن الولي الكبير ذي الكرامات والأحوال الصالحة محمد بن أبي بكر ابن مرزوق العجيسي التلمساني: كان رحمه الله تعالى آية الله في تحقيق العلوم، والاطلاع المفرط على النقول، والقيام التام على الفنون بأسرها، أما الفقه فهو فيه مالك، ولأزمة فروعه حائز ومالك، فلو رآه الإمام قال له: تقدم، فلك العهد والولاية فتكلم، فمنك يسمع فقهي وفروعي، ومثلك من راعى ما ينبغي فروعي، أو ابن القاسم لقر به عيناً وقال له: طالما دفعت عن المذهب عيناً وشيناً أو المازري، لعلم أنه بمناظرته حري، أو الحافظ ابن رشد، لقال: هلم يا حافظ الرشد، أو اللخمي لأبصر منه محاسن التبصرة، أو القرطبي لنال منه التذكرة، أو القرافي لاستفاد منه قواعده المقررة، أو ابن الحاجب لاستند إلى بابه في كشف الإشكالات المحررة، إلى ما انضم إلى ذلك من معرفة التفسير ودرره، والاضطلاع بحقائق التأويل وغرره، فلو
رآه مجاهد، لعلم أنه في التحقيق خير جاهد، أو مقاتل، لقال: مثلك طبق من الفهوم الكلى وأصاب المقاتل، أو الزمخشري لعلم أنه كشاف الخفيات على الحقيقة، وقال لكتابه: تنح لهذا الحبر عن سلوك الطريقة، أو ابن عطية، لركب في الرحلة إلى الاستفادة منه المطية، أو أبو حيان لغرق في نهره، ولم تسل له نقطة من بحره، إلى الإحاطة بالحديث وفنونه، والاطلاع على أسانيده ومتونه، ومعرفة منكره ومعروفه، ونظم أنواعه ورصف صنوفه، إذ إليه الرحلة انتهت في رواياته ودراياته، وعليه المعول في حل مشكلاته، وفتح مقفلاته، وأما الأصول فالعضد ينقطع عن مناظرته ساعده، والسيف يكل عند بحثه حده حتى يترك ما عنده ويساعده، والبرهان لا يهتدي معه لحجة، والمقترح لا يركب في بحره لجة. وأما النحو فلو رآه محمود لتلجلج في قراءة المفصل، واستقل ما عنده من القدر المحصل، أو الرماني لاشتقاق إلى مفاكهته وارتاح، واستجدى من ثمار فوائده وامتاح، أو الزجاج علم أن زجاجه لا يقوم بجواهره، وأنه لا يجري معه في هذا العلم إلا في ظواهره، بل لو رآه الخليل، لقال: هذا هو المقصد الجليل، وأثنى عليه بكل جميل، وقال لفرسان النحو: ما لكم إلى لحوق عربيته من سبيل، وأما البيان فالمصباح لا يظهر له نور عند هذا الصبح، وصاحب المفتاح لا يهتدي معه إلى الفتح، والقزويني يلقي علومه لإيضاح المعاني، والسعد يرقى بمفهومه في مطالع المثاني، وكم له من مناقب، تنحط عن منالها الثواقب، ومواهب، تجلو بأنوارها الغياهب، وأما زهده
وصلاحه فقد سارت به الركبان، واتفق عليه الثقلان، فمن وصفه بالبحر، فقل له: دون علمه البحر، أو البدر فما يصل خلقه البدر، أو الدر فأنى يشبه منطقه الدر، وبالجملة فالوصف يتقاصر عن صفاته وفضلاء عصره لا يرتقون إلى صفاته، فهو شيخ العلماء في أوانه، وإمام الأئمة في عصره وزمانه، شهد بنشر علومه العاكف والبادي، وارتوى من بحار تحقيقاته الظمآن والصادي:
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر هكذا وصفه بعض العلماء، وهو فوق ذلك كله.
وقال في حقه بلدينا الشيخ أبو الفرج ابن أبي يحيى الشريف التلمساني رحمه الله تعالى: هو شيخنا الإمام العالم العلم، جامع أشتات العلوم الشرعية والعقلية حفظاً وفهماً وتحقيقاً راسخ القدم، رافع لواء الإمامة بين الأمم، ناصر الدين بلسانه وبنانه وبالقلم، محيي السنة بالفعال والمقال والشيم، قطب الوقت في الحال والمقام والنهج الواضح والسبيل الأمم، مستمر على الإرشاد والهداية، والتبليغ والإفادة، والرواية والدراية والعناية، ملازم الكتاب والسنة على نهج الأئمة المحفوظين من البدع في زمن لا عاصم فيه من أمر الله إلا من رحم، ذو همة علية ورتبة سنية وأخلاق مرضية وفضل وكرم، إمام الأئمة وعلم الأمة الناطق بالحكم ومنير الظلم، سليل الصالحين، وخلاصة مجد التقى والدين، نتيجة مقدمات المهتدين، حجة الله على العلم والعالم، جامع بين الشريعة والحقيقة، على أصح طريقة، متمسك بالكتاب لا يفارق فريقه، الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد، اتصلت به فأويت منه إلى ربوة ذات قرار ومعين، وقصرت توجهي عليه، ومثلت بين يديه، فأنزلني - أعلى الله قدره - منزلة ولده رعاية للذمم، وحفظاً على الود الموروث من القدم، فأفادني من بحار علمه ما تقصر عنه العبارة
ويكل دونه القلم، فقرأت عليه جملة من تفسير القرآن ومن الحديث صحيح البخاري بقراءتي وقراءة غيري مراراً وصحيح مسلم كذلك وسنن الترمذي وأبي داود بقراءتي، والموطأ سماعاً وتفقهاً والعمدة، ومن علم الحديث أرجوزته الحديقة وبعض الكبرى وهي الروضة تفقهاً، ومن العربية نصف المقرب تفقهاً وجميع سيبويه كذلك، وألفية ابن مالك، وأوائل شرح الإيضاح لابن أبي ربيع، وبعض المغني لابن هشام، وفي الفقه التهذيب كله تفقهاً، وابن الحاجب الفرعي، وبعض مخنصر الشيخ خليل، والتلقين، وثلثي الجلاب، وجملة من المتيطية، والبيان لابن رشد، وبعض الرسالة، وكل ذلك قراءة تفقه، وتفقهت عليه من كتاب الشافعية في تنبيه الشيرازي ووجيز الغزالي من أوله إلى كتاب الإقرار، ومن كتب الحنفية مختصر القدوري تفقهاً، ومن كتب الحنابلة مختصر الخرقي تفقهاً، ومن أصول الفقه المحصول، ومختصر ابن الحاجب، والتنقيح، وكتاب المفتاح لجدي، وقواعد عز الدين، وكتاب المصالح والمفاسد له، وقواعد القرافي، وجملة من النظائر والأشباه للعلائي، وإرشاد العميدي، ومن أصول الدين المحصل والإرشاد تفقهاً، وفي القراءات قصيدة الشاطبي تفقهاً، وابن بري، وفي البيان التلخيص والإيضاح والمصباح، وكلها تفقهاً وفي التفقه الإحياء للغزالي سوى الربع الأخير منه، وألبسني خرقة التصوف كما ألبسه أبوه وعمه، وهما ألبسهما أبوهما وجده؛ انتهى ملخصاً.
وكتب المذكور تحت هذا ما نصه: صدق السيد بن السيد أبو الفرج المذكور فيما ذكر من القراءة والسماع والتفقه وبر، وقد أجزته في ذلك كله، فهو
حقيق بها مع الإنصاف وصدق النظر، جعلني الله وإياه ممن علم وعمل لآخرته واعتبر، قاله محمد بن مرزوق؛ انتهى.
وقال تلميذه الولي أبو زيد سيدي عبد الرحمن الثعالبي: قدم علينا بتونس شيخنا أبو عبد الله ابن مرزوق فأقام بها، فأخذت عنه كثيراً، وسمعت عليه جميع الموطإ بقراءة صاحبنا أبي حفص عمر ابن شيخنا محمد القلشاني، وختمت عليه أربعينيات النووي، قرأتها عليه في منزله قراءة تفهم، فكان كلما قرأت عليه حديثاً يعلوه خشوع وخضوع، ثم يأخذ في البكاء، فلم أزل أقرأ وهو يبكي إلى أن ختمت الكتاب، وكان من أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وأجمع الناس على فضله من المغرب إلى الديار المصرية، واشتهر ذكره في البلاد، فكان بذكره تطرز المجالس، وجعل الله تعالى حبه في قلوب العامة والخاصة فلا يذكر في مجلس إلا والنفوس مشوقة إلى ما يحكى عنه، وكان في التواضع والإنصاف والاعتراف بالحق في الغاية وفوق النهاية، لا أعلم له نظيراً في ذلك في وقته، ثم ذكر كثيراً جداً من الكتب مما سمعه عليه، وأطال في ذلك.
وقال في موضع آخر: هو سيدي الشيخ الإمام الحبر الهمام، حجة أهل الفضل في وقتنا وخاتمتهم، ورحلة النقاد وخلاصتهم، ورئيس المحققين وقادتهم، السيد الكبير، والذهب الإبريز، والعلم الذي نصبه التمييز، ابن البيت الكبير، والفلك الأثير، ومعدن الفضل الكثير، سيدي أبو عبد الله محمد ابن الإمام الجليل الأوحد الأصيل، جمال الفضلاء، سليل الأولياء، أبي العباس أحمد، ابن العالم الكبير، العلم الشهير تاج المحدثين وقدوة المحققين، أبي عبد الله محمد بن مرزوق.
وقال أيضاً في موضع آخر: هو شيخي الإمام العلم الصدر الكبير، المحدث الثقة المحقق بقية المحدثين، وإمام الحفظة الأقدمين والمحدثين، سيد وقته وإمام عصره وورع زمانه وفاضل أقرانه، أعجوبة أوانه وفاروق زمانه، ذو الأخلاق المرضية، والأحوال الصالحة السنية، والأعمال الفاضلة الزكية، أبو عبد الله.
وقال في حقه المازوني في أول نوازله: شيخنا الإمام الحافظ بقية النظار والمجتهدين، ذو التواليف العجيبة، والفوائد الغريبة، مستوفي المطالب والحقوق، أبو عبد الله ابن مرزوق.
وقال تلميذه الحافظ العلامة أبو عبد الله التنسي عند ذكره: إن إمامنا مالكاً سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين لا أدري، وجنة العالم لا أدري ما نصه: ولم نر فيمن أدركنا من شيوخنا من تمرن على هذه الخصلة الشريفة ويكثر استعمالها غير شيخنا الإمام العلامة رئيس علماء المغرب على الإطلاق أبي عبد الله بن مرزوق.
وقال الشيخ أبو الحسن القلصادي في رحلته: أدركت كثيراً منم العلماء والعباد والزهاد والصلحاء، أولاهم في الذكر والتقديم الشيخ الفقيه الإمام العلامة الكبير الشهير شيخنا وبركتنا أبو عبد الله ابن مرزوق، حل كنف العلم والعلا، وجل قدره في الجلة والفضلا، قطع الليالي ساهراً، وقطف من العلم أزاهراً، فأثمر وأورق، وغرب وشرق، حتى توغل في فنون العلم واستغرق، إلى أن طلع للأبصار هلالاً لأن الغرب مطلعه، وسما في النفوس موضعه وموقعه، فلا ترى أحسن من لقائه، ولا أسهل من إلقائه، لقي الشيوخ الأكابر، وبقي حمده متعرفاً من بطون الكتب والسنة الأقلام وأفواه المحابر،
وكان ﵁ من رجال الدنيا والآخرة، وكانت أوقاته كلها معمورة بالطاعات ليلاً ونهاراً من صلاة وقراءة قرآن وتدريس علم وفتيا وتصنيف، وكانت له أوراد معلومة وأوقات مشهورة، وكانت له بالعلم عناية تكشف بها العماية، ودراية تعضدها الرواية، ونباهة تكسب النزاهة، قرأت عليه ﵁ بعض كتابه في الفرائض وأواخر إيضاح الفارسي وشيئاً من شرح التسهيل وعرضت عليه إعراب القرآن وصحيح البخاري والشاطبيتين وأكثر ابن الحاجب الفرعي والتلقين وتسهيل ابن مالك والألفية والكافية وابن الصلاح في علم الحديث ومنهاج الغزالي وبعض الرسالة وغيرها، ثم توفي يوم الخميس بمصر رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة وصلي عليه بالجامع الأعظم بعد صلاة الجمعة، وحضر جنازته السلطان فمن دونه، ولم أر مثلها قبل، وأسف الناس لفقده، وآخر بيت سمع منه قبل موته:
إن كان سفك دمي أقصى مرادكمفما غلت نظرة منكم بسفك دمي انتهى ملخصاً
وفي فهرست ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياجلي ما صورته: وممن لقي من شيوخ تلمسان المحروسة الإمام العلم العلامة الصدر الأجل الأوحد المحقق النظار الحجة العالم الرباني أبو عبد الله بن مرزوق، وقد حدثني بكثير من مناقبه وصفة إقرائه، وقوة اجتهاده، وتواضعه لطلبة العلم، وشدته على أهل البدع، وما اتفق له مع بعضهم، إلى غيرها من شيمه الكريمة، ومحاسنه العظيمة؛ انتهى.
وقال بعضهم في حقه: إنه كان يسير سيرة سلفه في العلم والتخلق والحلم والشفقة وحب المساكين، آية الله في الفهم والذكاء والصدق والعدالة والنزاهة
واتباع السنة في الأقوال والأفعال، ومحبة أهلها في جميع الأحوال، مبغضاً لأهل البدع ومحباً سد الذرائع، وله كرامات؛ انتهى.
أخذ العلم عن جماعة أجلاء فمنهم العلامة السيد عبد الله الشريف التلمساني، وعالم المغرب القاضي سيدي سعيد العقباني التلمساني، والوالي العابد الصالح أبو إسحاق سيدي إبراهيم المصمودي، وأفرد ترجمته بتأليف، وعن عمه وأبيه، ويروي عن جده بالإجازة وابن عرفة وأبي العباس القصار التونسي، وبفاس عن النحوي أبي حيان وأبي زيد المكودي، وجماعة غيرهما، وبمصر عن السراج البلقيني، والزين الحافظ العراقي، والشمس الغماري، والسراج ابن الملقن، وصاحب القاموس، والمحب ابن هشام ابن صاحب المغني والنور النويري، والولي ابن خلدون، والقاضي التنسي، وغيرهم.
وأخذ عنه جماعة كالثعالبي، والقاضي عمر القلشاني، وابن العباس [والعلامة] نصر الزواوي، والولي سيدي الحسن أبركان، وابنه، وأبي البركات الغماري، وأبي الفضل المشدالي، وقاضي غرناطة أبي العباس ابن أبي يحيى الشريف، وإبراهيم ابن فائد، وأبي العباس الندرومي، وابنه الكفيف، وسيدي علي بن ثابت، والشهاب بن كحيل التجاني، والعلامة أحمد بن يونس القسمطيني، والعلامة يحيى بن يدير، وأبي الحسن القلصادي، والشيخ عيسى بن سلامة البسكري، وغيرهم، كالحافظ التنسي التلمساني.
قلت: وسندي إليه عن عمي الإمام سيدي سعيد المقري، عن الشيخ أبي عبد الله التنسي، عن والده الحافظ أبي عبد الله محمد التنسي المذكور، عن ابن مرزوق المذكور بكل مروياته وتآليفه.
وقال السخاوي في حقه: هو أبو عبد الله، يعرف بحفيد ابن مرزوق، وقد
يختص بابن مرزوق، وقد تلا لنافع على عثمان الزروالي، وانتفع في الفقه بأبي عبد الله ابن عرفة، وأجازه أبو القاسم محمد بن الخشاب ومحمد بن علي الحفار الأنصاري ومحمد القيجاطي، وحج قديماً سنة تسعين وسبعمائة رفيقاً لابن عرفة، وسمع منن ابن البهاء الدماميني والنور العقيلي بمكة، وفيها قرأ البخاري على ابن صديق، ولازم المحب ابن هشام في العربية، وكذا حج سنة تسع عشرة وثمانمائة، ولقيه الزيني رضوان بمكة، وكذا لقيه ابن حجر؛ انتهى.
وأما تواليفه فكثيرة منها شروحه الثلاثة على البردة، وسمي الأكبر إظهار صدق المودة في شرح البردة واستوفى فيه غاية الاستيفاء، وضمنه سبعة فنون في كل بيت، والأوسط، والأصغر المسمى بالاستيعاب لما فيها من البيان والإعراب، ومنها الغاية القراطيسية في شرح الشقراطيسية والمفاتيح المرزوقية في استخراج رموز الخزرجية ورجز في علوم الحديث سماه الروضة ومختصره في رجز سماه الحديقة ورجز في الميقات سماه المقنع الشافي مشتمل على ألف وسبعمائة بيت، ونهاية الأمل في شرح الجمل أي جمل الخونجي، واغتنام الفرصة في محادثة عالم قفصة وهو أجوبة عن مسائل في فنون العلم وردت عليه من علامة قفصة أبي يحيى ابن عقيبة فأجابه عنها، والمعراج إلى استمطار فوائد الأستاذ ابن سراج في كراسة ونصف، أجاب به أبا القاسم ابن سراج الغرناطي عن مسائل نحوية ومنطقية، و " أنوار اليقين في شرح حديث أولياء الله المتقين وهو حديث أول حلية أبي نعيم في شأن البدلاء وغيرهم، والدليل المومي في ترجيح طهارة الكاغد الرومي، والنصح الخالص في الرد على مدعي رتبة الكامل الناقص في سبعة كراريس، رد به على عصريه الإمام أبي
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع