تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ...

أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلاوالبين جار على ضعفي وما عدلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوزن من أول البسيط.

أحيا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال: أحيا أي أعيش وأيسر ما قاسيت ما قتل. والآخر: أن يكون أحيا في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل؛ أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان, وأيسر ما لاقيت شيء قاتل؛ فكأن الكلام على التقديم والتأخير, كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه. وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله: أحيا؛ لأنه أراد أحيا ما لاقيت, وإنما يستعمل ذلك في الشعر, ولو قلت في الكلام المنثور: أكرم وأفضل الناس زيد, تريد: أكرم الناس زيد وأفضلهم, لقبح ذلك, وفيه شبه من قول الفرزدق:

يا من رأى عارضًا أرقت له ز .. بين ذراعي وجبهة الأسد

أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.

وقوله:

إلا يشب فلقد شابت له كبدشيبًا إذا خضبته سلوة نصلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

ادعى أن كبده قد شابت لأن عادتها ألا تبيض؛ وإنما جرت العادة أن يصفوا الرأس بالشيب, وكذلك يستعيرونه للفؤاد, وإنما استحسنوا ذلك لأنهم يقولون: سواد القلب وسويداؤه وسوداؤه؛ فلما وصفوه بالسواد كما يصفون الشباب وصفوه بالمشيب, قال الطائي:

شاب رأسي وما رأيت مشيب الررأس إلا من فضل شيب الفؤاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

وقال الشاعر:

نبئت سوداء القلوب مريضةًفأقبلت من ضر إليها أعودها

يريد بسوداء القلب امرأةً يشبهها بسواد القلب. وإذا وصفوا العدو بشدة العداوة قالوا: هو أسود الكبد, قال الشاعر:

لقد طرقت سليمى في منازلهاوكم عدو لديها أسود الكبد

فلما وصفت الكبد بالسواد لم يبعد أن يدعى لها الشيب.

وقوله:

قيل بمنبج مثواه ونائلهفي الأفق يسأل عن من غيره سألا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

منبج إن كان اسمًا عربيًا فهو مأخوذ من قولهم: نبج إذا رفع صوته. ويوم النباج يوم من أيام العرب, ويقال: إن النباج مواضع مرتفعة. والقيل: ملك دون الملك الأعظم. وقوله: يسأل عن من غيره سألا؛ كأنه يسأل عنه ليغنيه عن سؤال غيره, أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.

وقوله:

ترابه في كلابٍ كحل أعينهاوسيفه في جنابٍ يسبق العذلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

كلاب بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة, وهم من قيس عيلان. وبنو جنابٍ من كلب ابنوبرة ومرجعهم إلى قضاعة.

ويقال: «سبق السيف العذل» يضرب ذلك مثلًا للأمر إذا فات. ويزعمون أن أصل ذلك أن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر كان له ولدان يقال لهما: سعد وسعيد؛ فأما سعد فإليه انتهى نسب ضبة, وأما سعيد فسافر ولم يعد. وعمر ضبة إلى أن كبر فكان كلما رأى شخصًا مقبلًا قال: أسعد أم سعيد؛ فصار ذلك مثلًا للخير والشر؛ لأن سعيدًا سافر ولم يعد, وسعدًا أعقب وكثر ولده وكان فيهم سادة.

ويقال: إن ضبة بن أد حج فصحب رجلًا في الطريق, وهو - فيما زعموا - الحارث بن كعب, فتحدثا وهما سائران, فمرا بموضع, فقال الحارث بن كعب: لقيت في هذا الموضع غلامًا فقتلته وأخذت سيفه, وهذا هو معي, فقال له ضبة: أرنيه؛ فلما أراه إياه عرفه وقال: الحديث ذو شجون وضرب بالسيف الحارث فقتله, فقيل له: أقتلت رجلًا في الحرم؟ فقال: سبق السيف العذل فصارت مثلًا.

وقد روى النسابون ما هو لهذا نقيض والله العالم بيقين الأمور.

وقوله:

وضاقت الأرض حتى كان هاربهمإذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

قد طافت الشعراء حول هذا المعنى إلا أنهم جعلوا المرئي شيئًا, قال الشاعر:

مازلت تحسب كل شيءٍ بعدهمخيلًا تكر عليهم ورجالا

وقال آخر:

ولو أنها عصفورة لحسبتهامسومةً تدعو عبيدًا وأزنما
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

فجعل أبو الطيب خيال الشيء شيئًا.

وقوله:

كم مهمهٍ قذفٍ قلب الدليل بهقلب المحب قضاني بعدما مطلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

يقول: كم مهمهٍ بعيدٍ لا يأمن السائر فيه؛ فقلب دليل القوم يخفق مثل قلب المحب. قضاني فيه ضمير عائد إلى المهمه. يقول: هذا المهمه قضاني ما وعدني بعد أن مطل لبعده.

وقوله:

عقدت بالنجم طرفي في مفاوزهوحر وجهي بحر الشمس إذ أفلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

يريد: أنه لم يزل ينظر إلى النجم حتى كأنه قد عقد طرفه به, وقال قال ابن المعتز:

فعقدت ناظره مع النجم

يقول: عقدت حر وجهي بحر الشمس إذ أفل النجم؛ يريد: أنه سرى ليلًا وسار نهارًا حتى بلغ ما يريد.

وقوله:

أنكحت صم حصاها خف يعملةٍتغشمرت بي إليك السهل والجبلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

الهاء في حصاها عائدة إلى المفاوز. وقوله: أنكحت صم حصاها خف يعملةٍ, من قوله في الأخرى:

أنساعها ممغوطة وخفافهامنكوحة وطريقها عذراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

وتغشمرت الناقة وغيرها إذا ركبت رأسها في السير. واليعملة: الناقة التي تعمل في السير, وقلما يخرجون هذا اللفظ عن التأنيث, وقد جاء في بعض الشعر: يعمل في صفة الظليم؛ يريدون أنه يعمل نفسه في البيداء.

وقوله:

لو كنت حشو قميصي فوق نمرقهاسمعت للجن في غيطانها زجلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

النمرق: الوسادة. يقال: نمرقة ونمرقة. والغيطان: جمع غائط وهو المطمئن من الأرض. وقافيتها من المتراكب.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر ما جاء على حرف اللام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.