تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: ومنزلٍ ليس لنا بمنزل ... ولا لغير

ومنزلٍ ليس لنا بمنزلولا لغير الغاديات الهطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»

وهي من مشطور الرجز وهو رابعه. الغاديات: السحائب التي تجيء بالنهار.

وقوله:

ندي الخزامى ذفر القرنفلمحللٍ ملوحش لم يحلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»

يقول: هذا المنزل ندي الخزامي؛ أي عهده بالمطر قريب فخزاماه ندية. والذفر: شدة الرائحة من الطيب وضده؛ بتحريك الذال وفتح الفاء؛ يقال: ذفر الشيء ذفرًا فهو ذفر. محلل ملوحش: أي تحله الوحش لم يحلل بالإنسز

وقوله:

عن لنا فيه مراعي مغزلمحين النفس بعيد الموئل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مراعي مغزل: يعني ظبيًا مع ظبية لها غزال أي ولد. ومراعي يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون يرعى معها.

والآخر: أن يكون يراعيها من المراعاة من قولك: فلان يراعي فلانًا؛ أي ينظر إلى أموره ويتعدها, وأصل ذلك من مراعاة الكلأ. ومحين: من الحين. والموئل: الملجأ.

وقوله:

وعادة العري عن التفضل

يقول: هذا الظبي قد استغنى بعادة العري عن لبس الثياب. والتفضل من قولهم: تفضلت المرأة والرجل إذا كان عليهما ثوب واحد, قال امرؤ القيس:

فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابهالدى الخدر إلا لبسة المتفضل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ويقال: امرأة فضل أي عليها ثوب واحد, قال المتنخل الهذلي:

السالك الثغرة المرهوب جانبهامشي الهلوك عليها درعها الفضل

رفع الفضل لأنه جعله نعتًا للهلوك على الموضع؛ لأن معنى قوله: مشي الهلوك؛ أي: تمشي مشي الهلوك.

وقولهك

معترضًا بمثل قرن الإيل

يصف الظبي بطول القرن فيقال: إيل بكسر الهمزة وفتح الياء, وأيل بضم الهمزة أيضًا.

وقوله:

يحول بين الكلب والتأملفحل كلابي وثاق الأحبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»

يريد أن هذا الظبي يسبق لحظ الكلب ويعجله أن يتأمله. وأصل التأمل أن ينظر الإنسان إلى شيء له فيه أمل فيردد النظر فيه, قال الشاعر:

تأملتها معترةً فكأنمارأيت بها من سنة البدر مطلعا

ثم استعمل التأمل في كل شيء ينظر فيه, وإن لم يكن للإنسان فيه أمل, قال أوس بن حجرٍ:

صحا قلبه من سكره وتأملاوكان بذكرى أم عمروٍ موكلا

والكلاب: الذي يمارس أمر الكلاب؛ إما لنفسه وأما لغيره, وهو المكلب أيضًا.

وقوله:

عن أشدق مسوجرٍ مسلسلأقب ساطٍ شرسٍ شمردل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»

الأشدق: الواسع الشدق, مسوجر: أي في رقبته ساجور, ومسلسل: أي في رقبته سلسلة, وكل شيء اتصل فهو مسلسل حتى إنهم يقولون: سلاسل البرق؛ يعنون اتصال بعضه ببعض, قال الراجز:

تربعت والدهر عنها غافل

آثار أحوى برقه سلاسل

والأقب: الضامر, وساطٍ: الاشتقاق فيه يدل على أنه من السطوة, وربما فسر الرواة ساطيًا بقولهم: هو الرافع ذنبه, ولعله إنما يفعل ذلك إذا عزم أن يسطو واجتهد في أمر. والشرس: السيئ الخلق, وشمردل: طويل.

وقوله:

منها إذا يثغ له لا يغزل

يثغ له: مجزوم بإذا وإنما يجزم بها في الضرورة, يقال: إن الكلب إذا أدرك الظبي فربما ثغا في وجهه ففزع منه الكلب فعجز عن صيده؛ فيقال عند ذلك: غزل عجز عن صيد الغزال, وكأنهم قالوا: غزل يريدون أنه أصابه ذلك من أجل الغزال فاشتقوا له وصفًا من لفظه.

وقوله:

مؤجد الفقرة رخو المفصل

المؤجد: المقوى, يقال: بناء مؤجد؛ أي محكم, ومنه قيل: ناقة أجد إذا كانت مؤثقة الخلق, قال المتلمس:

إن الهوان حمار الأهل يعرفهوالطرف ينكره والعرمس الأجد

والفقرة: الواحدة من فقر الظهر, ووصفه برخاوة المفصل لأنه نعته بسرعة بسط المفاصل وقبضها.

وقوله:

له إذا أدبر لحظ المقبليعدو إذا أحزن عدو المسهل

بعض الكلاب إذا عدا التفت في عدوه, وقد ذكر ذلك الحكمي في صفة الكلب فقال:

لفت المشير موهنًا بناره

وأحزن: إذا أخذ في الحزن من الأرض وهو الصلب؛ أي إنه لا يعجز في الحزون أن يعدو كعدوه في السهول.

وقوله:

إذا تلا جاء المدى وقد تلييقعي جلوس البدوي المصطلي

الإقعاء: أن يعتمد على ذبنه. ونهي عن الإقعاء في الصلاة, وهو أن ينصب الرجل ركبتيه. ويقال: أقعى فهو مقعٍ, وحكى أبو عبيدة: قاعٍ في معنى مقعٍ, وأنشد في شواذ الغريب:

وأنكرت من زبان خضرة وجههوأنفًا له مثل التؤيليل قاعيا

والأفصح ما قال الآخر:

فأقع كما أقعى أبوك على استهرأى أن ريمًا فوقه لا يطاوله
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

وإذا تلا: أي إذا تبع جاء المدى, وهو متلو: أي قد سبق.

وقوله:

بأربعٍ مجدولةٍ لم تجدلفتل الأيادي ربذات الأرجل

مجدولة: أي مفتولة بخلق الله سبحانه لم يجدلها الآدميون, وفتل الأيادي: جمع أفتل والمصدر: الفتل, قال الأعشى:

جاوزته بطليحٍ حرةٍ سرحٍفي مرفقيها إذا استعرضتها فتل

وقال: فتل الأيادي وإنما هي يدان؛ فجمع لأن التثنية جمع, وفي الكتاب العزيز: ﴿قالوا لا تخف خصمان﴾, فكذلك قال: ربذات الأرجل وإنما هي رجلان, والربذات واحدتها ربذة وهي السريعة الخفيفة, قال عنترة:

ربذٍ يداه بالقداح إذا شتاهتاك رايات التجار ملوم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقوله:

آثارها أمثالها في الجندليكاد في الوثب من التفتل
يجمع بين متنه والكلكلوبين أعلاه وبين الأسفل

آثارها: الهاء عائدة على يدي الكلب ورجليه؛ أي إنه يؤثر في الجندل صورًا كصور يديه ورجليه, وجعله يكاد من تفتله في الوثب بجمع بين متنه والكلكل. والمتن: أسفل العجز, والكلكل: الصدر, وهذا يجانس قوله في صفة الأسد:

حتى حسبت العرض منه الطولا

وبين أعلاه وبين الأسفل؛ أي بين أعلى خلقه وأسفله.

وقوله:

شبيه وسمي الحضار بالوليكأنه مضبر من جرول

الوسمي: أول المطر, والولي الذي يليه, والحضار يريد الفعال من المحاضرة, وهي المفاعلة من الحضر, والحضر: شدة العدو. يريد أن أول عدوه كآخره. ومضبر: أي قد جمع بعضه إلى بعض, ومن ذلك إضبارة الكتب. والجرول: الحجر.

وقوله:

موثق على رماح ذبلذي ذنبٍ أجرد غير أعزل

شبه قوائمه بالرماح, ووصف ذنبه بأنه غير أعزل, وهو من الأذناب الذي يميل إلى أحد الجانبين؛ فكأنه ينعزل عن موضعه, وذلك مذموم في الكلب وفي الفرس, قال امرؤ القيس:

بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل

وقوله:

لو كان يبلي السوط تحريك بلينيل المنى وحكم نفس المرسل

يقول: هذا الكلب من فرط نشاطه يحرك ذنبه, فلو كان السوط يبليه التحريك لبلي هذا الذنب. يقول: هذا الكلب نيل المنى؛ أي تنال به الأمنية, ومرسله في الصيد له حكم نفسه.

وقوله:

وعقلة الظبي وحتف التتفلفانبريا فذين تحت القسطل

عقلة الظبي: أي كأنه يعقله بعقالٍ. والتتفل: ولد الثعلب, وفذين: أي فردين.

وقوله:

قد ضمن الآخر قتل الأولفي هبوةٍ كلاهما لم يذهل

هبوة: أي غبار, ولم يذهل: أي لم يذهب عقله بل هو مجتهد؛ فالكلب يجتهد في لحاق الصيد, والظبي لم يذهل عن طلب الخلاص.

وقوله:

لا يأتلي في ترك ألا يأتليمقتحمًا على المكان الأهول

قوله: لا يأتلي أي لا يقصر من قولهم: ألا فهو آلٍ إذا قصر. يقول: المطارد والمطرود

كلاهما لا يأتلي في ترك ألا يأتلي؛ أي لا يقصر في ترك ألا يقصر, والاقتحام: الدخول في الشيء بسرعة.

وقوله:

حتى إذا قيل له نلت افعلافتر عن مذروبةٍ كالأنصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»

حتى إذا قيل له: الهاء عائدة على الكب, أي قد نلت ما تريد فافعل ما في نفسك.

افتر: أي فتح فاه فبدت أسنانه وأنيابه, ومذروبة: أي كأنها محددة وإن كانت لم تحدد.

وقوله:

كأنها من سعةٍ في هوجل

الهوجل: الأرض الواسعة.

وقوله:

فحال ما للقفز للتجدلوصار ما في جلده في المرجل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي كانت قوائمه تقفز وصارت بعد القفز للتجدل. والتجدل: الوقوع على الأرض, وقد مر ذكره. وصار ما في جلده في المرجل؛ أي أخذوا لحمه فجعلوه في قدرٍ.

وقوله:

فلم يضرنا معه فقد الأجدل

سكن العين في معه وذاك جائز؛ إلا أنه ليس باللغة العالية, وأنشد سيبويه:

[و] ريشي منكم وهواي معكموإن كانت زيارتكم لماما

وأنشد الفراء:

ومن يتق فإن الله معهورزق الله مؤتاب وغاد

الأجدل: الصقر. يقول: لم يضرنا مع هذا الكلب فقد الأجدل لأنه أغنانا عنه. وقافيتها من المتدارك.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر ما جاء على حرف اللام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.