تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا

قفا تريا ودقي فهاتا المخايلولا تخشيا خلفًا لما أنا قائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

وزنها من الطويل الثاني.

الودق هاهنا المطر, وقيل: هو خروج القطر من الغيم بكثرة, وفيهما روى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم. والذي يدل عليه الاشتقاق أن الودق القطر, سمي ودقًا لأنه يدق من الأرض أي يقرب منها. والمخايل: جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر. وفي الحديث: «أن النبي ﷺ كان إذا رأى مخيلةً أقبل وأدبر كان يخاف أن يكون فيها عذاب». والمعنى: قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.

وقوله:

وآخر قطن من يديه الجنادل

أي: إني لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة؛ فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها. يقال: قطن وقطن وقطن, قال الراجز:

كأن مجرى دمعها المستن

قطنة من أجود القطن

ويروى: قطننة, ويجوز أن يكون التشديد استعمله الراجز للضرورة؛ فأما قول لبيد:

شاقتك ظعن الحي يوم تحملوافتكنسوا قطنًا تصر خيامها

فيقال: أراد تكنسوا قطنًا, أي جعلوا ثيابًا من قطنٍ لهم مثل الكنس جمع كناسٍ, وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية. وقيل القطن: جمع قطينٍ وهم أهل الدار. وقيل القطن: جمع قطانٍ وهو جانب الهودج.

وقوله:

ويجهل أني مالك الأرض معسروأني على ظهر السماكين راجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

نصب مالك الأرض على الحال؛ كأنه قال: يجهل هذا الرجل أني في حال ملكي الأرض معسر؛ لأن همتي وعظمها توهمني أني إذا ملكت الأرض فقير. والأحسن أن يكون العامل في مالك الأرض فعلًا مضمرًا هو كنت التي تكتفي باسم واحد, وكذلك يقولون في قول الشاعر:

ألم تر أني واردًا بعد سبعةٍلأعمى وأني صادرًا لبصير

أراد: أني إذا كنت واردًا أي في حال ورودي. وكنت في معنى وقعت وحصلت.

ومالك الأرض نكرة لأنه في معنى الحال. واسم الفاعل إذا كان نكرةً لم يتعرف بالإضافة إلى المعرفة لأن معناه التنوين كأنه قال: أني مالكًا للأرض. ويجوز أن يكون العامل في مالك الأرض قوله: معسر لأن معسرًا اسم فاعل, واسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان في معنى الحال أو الاستقبال.

وقوله:

ومازلت طودًا لا تزول مناكبيإلى أن بدت للضيم في زلازل

الطود: الجبل. يقال: طود في الأرض إذا جول فيها, وكأنه مأخوذ من الأطواد أي الجبال؛ لأنه إذا سار في الأرض مر بأطوادها, وبعضهم ينشد هذا البيت:

أطود ما أطود ثم آويإلى بيتٍ قعيدته لكاع

وأكثر الروايات: أطوف. وقال الراجز:

لا هم إن الأسود بن مقصودقد أخذ الهجمة ذات التطويد

والزلازل: جمع زلزلةٍ وهي الحركة الشديدة.

وقوله:

فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشىقلاقل عيسٍ كلهن قلاقل

القلقلة: الحركة العنيفة. والأحسن أن يكون في القافية قلاقل بضم القاف لأنه يقال: بعير قلقل وقلاقل؛ فضم القاف أحسن لأن لفظ الفتح قد جاء في قوله: قلاقل عيسٍ. وقولك: كل القوم صالح أقيس من قولك: كل القوم صالحون, وكلا الوجهين حسن.

وقوله:

إذا الليل وارانا أرتنا خفافهابقدح الحصى ما لا ترينا المشاعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

وهذا المعنى قد سبق إليه الشعراء, قال الشنفرى:

إذا الأمعز الصوان لاقى مناسميتطاير منه قادح ومفلل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

يعني بالقادح: الذي يطير منه الشرر. وقال هميان في صفة الإبل:

توقد سرجًا بالحصى سوارجا

وقوله:

كأني من الوجناء في متن موجةٍرمت بي بحارًا ما لهن سواحل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوجناء: ناقة صلبة غليظة يقال إنها شبهت بالوجين من الأرض وهو غلظ منقاد, قال المثقب العبدي:

كأن مناخها ملقى لجامٍعلى معزائه وعلى الوجين
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

وقيل: الوجناء العظيمة الوجنة وهي عظم الخد, وشبه الناقة بالموجة ترمي به بحارًا؛ يجوز أن يعني بها الليل أو الأرض الواسعة, أو يريد أن الأمرين قد اجتمعا له.

وقوله:

يخيل لي أن البلاد مسامعيوأني فيها ما تقول العواذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

يقول: لا أستقر في مكانٍ فكأن البلاد مسامعي وأنا فيها ما يقوله عاذلي وعاذلتي, فلا يستقر فيها منه شيء.

وقوله:

ومن يبغ ما أبغي من المجد والعلاتساوى المحايا عنده والمقاتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

المحايا: جمع محيا من قولهم: حييت محيًا وهو ضد الممات. والأقيس أن يقال: المحايي بياءين كما يقال في المسقى: المساقي, وفي المرمى: المرامي. ويجوز أن تقلب الياء الآخرة ألفًا لاستثقالهم الجمع بين ياءين كما قالوا: نوق معايا جمع معييةٍ.

وقوله:

غثاثة عيشي أن تغث كرامتيوليس بغث أن تغث المآكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

يقال: طعام غث بين الغثاثة والغثوثة إذا لم يكن طيبًا, وإنما أخذ من اللحم الغث وهو الذي لا دسم فيه. يقال: ناقة غثة والجمع غثاث, قال كثير:

فغمرت منها ذوات السديفوأرويت ما كان منها غثاثا

ومن كلام العرب: تركنا بني فلانٍ يتكنفون بالغثاث؛ أي يجعلونها حول بيوتهم. والغثاث: المهازيل؛ أي قد ماتت إبلهم من الهزل فهي حول البيوت. وقال ابن الزبير لقوم من الأعراب: «والله إن كلامكم لغث, وإن سلاحكم لرث, وإنكم لعيال في الجدب, وأعداء في الخصب».

ويقال: عرفت غث فلان من سمينه؛ أي رديء علمه من جيده, قال الشاعر:

فإنما أن تكون أخي بحقفأعرف منك غثي من سميني

ويقال: أغث الحديث إذا صار غثًا, قال قيس بن الخطيم:

ولا يغث الحديث ما نطقتوهو بفيها ذو لذةٍ أنف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وقافيتها من المتدارك.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر ما جاء على حرف اللام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.