من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أولها: يذكرني فاتكاً حلمه ... وشيء من الند
يذكرني فاتكاً حلمهوشيء من الند فيه اسمه
الوزن من ثالث المتقارب والقافية من المتدارك.
يقال: إن وكيلًا لأبي الطيب دخل عليه ومعه ند عليه اسم فاتك فقال هذه الأبيات.
وأي فتى سلبتني المنون لم تدر ما ولدت أمه
يحتمل البيت دخول الواو في قوله: ولم تدر وسقوطها منه. يقول: إن أمه ولدت مولوداً له شأن عظيم لم تعرف مقداره؛ وهذا ضد ما قال البكري ربيعة بن ضبيعة:
قد علمت والدة ما ضمتولففت في خرقٍ وشمت
فهذا زعم أن أمه زعمت أنه ولد نجيب, وأنه سيكون له شأن عظيم. والشاعر ذكر أن الممدوح لم تدر أمه مقدار من ولدت منه, وليست هي بالمملوكة؛ لأنها ولدت أمرأً عظيماً لم تجر العادة بأن يولد مثله.
وقوله:
وإن منيته عندهلكالخمر سقيه كرمه
ذكر الخمر, والغالب عليها التأنيث, لأن تأنيثها ليس بحقيقي. وقد ذكرها الأعشى في قوله:
وكأن الراح الذكي من الإســفنط ممزوجةً بماءٍ زلال
فقال: الذكي, وإنما ذكرها على معنى الشراب. يقول: هذا الميت كان شجاعًا يقتل أعاديه وكأنه منية وأصل للمنون. فالحتف الذي سقيه كأنه خمر سقيها كرم, وهي من الكرم معتصرة, فكأنه لها والد وأصل.
وقوله:
فذاك الذي عبه ماؤهوذاك الذي ذاقه طعمه
يقال: عب الماء عباً وعب فيه إذا جرعه جرعًا متتابعًا. قال الراجز:
يكرع فيها فيعب عبامجبياً في مائها منكبا
يقول: هذا الهالك إنما شرب ماء نفسه, والذي ذاق إنما هو طعمه؛ لأنه كان يذيق عداته من الموت.
وقوله:
ومن ضاقت الأرض عن نفسهحرى أن يضيق بها جسمه
من في هذا البيت مبتدأ. يقول: كانت نفس هذا المذكور عظيمةً تضيق بها الأرض الواسعة, وإذا كان الأمر كذلك فهو حرى - أي جديرًا - أن يضيق جسمه بنفسه فتخرج منه.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع