تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أما في هذه الدنيا كريم ... تزول

أما في هذه الدنيا كريمتزول به عن القلب الهموم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

سأل: هل يوجد كريم في الأرض تزول به هموم القلب؟ وهذا استفهام قد صح مع المستفهم؛ لأنه لا يجاب عنه مما هو له مرض؛ لأن البلاد خلت من الأكرمين. ثم استفهم سائلًا عن مكانٍ يكون أهله لجارهم سارين, فقال:

أما في هذه الدنيا مكانيسر بأهله الجار المقيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

وقوله:

تشابت البهائم والعبدىعلينا والموالي والصميم

يقول: تشابهت العبيد والبهائم, وإن كان العبيد إنساً والبهائم ليست كذلك؛ وإنمنا يريد أنهم تشابهوا في الأخلاق لا في الخلق. والموالي تستعمل في مواضع كثيرة, وهي مأخوذة من: ولي الشيء, فاستعملوا الموالي في بني العم والحلفاء والجيران والعبيد المملوكين والمعتقين. والأصل في الاشتقاق واحد؛ فيقال للمعتق لأنه ولي أمر عبده, ويقال للعبد المعتق: مولى؛ لأن مولاه ولي أمره, وفي الحديث: «الولاء للكبر»؛ أي لأكبر أولاد الرجل. والمعنى: أنه إذا أعتق عبداً وله ولاء فالولاء لولده الذي من صلبه.

والصميم: الخالص من الشيء.

وقوله:

وما أدري: أذا داء حديثأصاب الناس أم داء قديم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

يقول: ما أدري أهكذا كان الناس في أول الزمن أم هو فساد حدث في العالم؟ والذي يوجبه المعقول أن آخر العالم كأوله؛ فيه الكريم والبخيل والشجاع والجبان, وغير ذلك من الأضداد المختلفة.

وقوله:

كأن الأسود اللابي فيهمغراب حوله رخم وبوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

اللابي: منسوب إلى اللابة, وهي حرة يقال في جمعها: لاب ولوب. قال النابغة الذبياني:

فإن وقيت بحمد الله وقعتهفانجي فزار إلى الأطواد فاللوب

وقال قيس بن الخطيم:

ترى اللابة السوداء يحمر لونهاويشرق منها كل ريعٍ وفدفد
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وقوله:

أخذت بمدحه فرأيت لهواًمقالي للأحيمق يا حليم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

أصل الحمق: الضعف والاسترخاء. يقال: حمقت السوق إذا كسدت, وانحمق الرجل إذا ضعف وسقط. قال الشاعر:

يا كعب إن أخاك منحمقفاشدد إزار أخيك يا كعب
للشاعر ذؤَيب بن كعب، اقرأ القصيدة

والتصغير أصله للشخوص, مثل أن يقال في تصغير الحجر: حجير؛ فيدل ذلك على أنه ليس بكبير, ثم استعير ذلك لتقليل الشيء, وإن كان لا شخص له, مثل أن يقال لفلان: عليم؛ أي علم قليل, وربما صغروا الشيء وهم يريدون ضد ذلك. قال لبيد:

وكل أناسٍ سوف تدخل بينهمدويهية تصفر منها الأنامل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

فقيل: التصغير ها هنا في معنى التعظيم, ولو قيل: إنه صغر الدويهية لأنه أراد الموت؛ ولا شخص يرى له؛ لكان ذلك وجهاً. وجاءت أشياء مصغرةً لا مكبر لها, كقوله للفضة: لجين, وللفرس: كميت.

وقوله:

ولما أن هجوت رأيت عياًمقالي لابن آوى يا لئيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

أراد أن من يقول لابن آوى: يا لئيم فإنه في كلامه هاذٍ؛ لأن ابن آوى قد علم صغر شأنه, وأنه يقتات الجيف, ويرضى بالحظ الخسيس؛ فالذام له غير صانعٍ شيئاً يحمد عليه. وآوى: اسم على أفعل فيجب أن لا ينصرف, فإن نكر صرف, فقيل: مررت بابن آوى وابن آوى آخر.

وقوله:

فهل من عاذرٍ في ذا وفي ذافمدفوع إلى السقم السقيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

يقول: هل من عاذرٍ يعذرني في مدحي هذا المذكور وهجوي إياه, فكان مدحه من القضاء الذي لا يقدر الإنسان على دفعه, وهجوه مثل الهذيان؛ إلا أنه حملني عليه إساءته إلي؛ وقد بين ذلك بقوله:

إذا أتت الإساءة من وضيعٍولم ألم المسيء فمن ألوم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقافيتها من المتواتر, والوزن من الوافر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.