من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
قيس بن الخطيم الأوسي
طعنت ابن عبد القيسٍ طعنة ثائرٍلها نفذٌ لولا الشعاع أضاءها
الشع والشعاع: المتفرق. ومنه شع الغارة، وتطاير القوم شعاعاً. يقول: طعنت هذا الرجل طعنة طالبٍ بالدم فاتكٍ لا بقيا معها، ولا تقصير في المبالغة فيها، لها نفذٌ، أي خرقٌ، لولا انتشار الدم لأضاءها. وأضاءها جواب لولا، والمبتدأ وهو الشعاع خبره محذوف، كأنه قال: لولا الشعاع مانعٌ لأضاءها النفذ. ومن روى الشعاع بضم الشين، فإنه يريد به نور الشمس. والأول أجود وأشهر. ويقال: أشعت الشمس، إذا امتد نورها وانتشر.
ملكت بها كفي فانهرت فتقهايرى قائماً من دوها ما وراءها
يروى: يرى قائمٌ من دونها من وراءها وما وراءها، ويروى: يرى قائماً أيضاً. ويقال: ملكت العجين وأملكته، إذا بالغت في عجنه وشددت وكان الأصعي يمتنع من أملكت، فيكون المعنى شددت بهذه الطعنة كفى ووسعت خرقها حتى يرى القائم من دونها الشيء الذي وراءها. وهذا التفسير في ملكت تفسير القدماء. ويجوز أن يكون معنى ملكت بها كفي أي تمكنت من فعلها، فأطقت تصريف كفي في إيقاعها على مرادي. وهذا كما يقول: أنا أملك هذا الأمر، إذا كان قادراً عليه. وكأنه
أشار بهذا الكلام إلى أن الطعنة لم تكن على دهشٍ واختلاس، ولكن عن تمكنٍ واقتدار. ويروى: يرى قائماً من دونها من وراءها وما وراءها ومن روىمن وراءها فالمعنى يرى من وراءها إذا كان قائماً من دونها. ووراء ههنا بمعنى خلف. وإن كان يقع على الخلف والقدام جميعاً. ومن دونها، أي من قدامها. وبيت الأعشى على هذا، وهو قوله:
تريك القذى من دونها وهي دونه
أي تريك الخمرة في الزجاجة القذى من قدامها، وهي قدام القذى؛ أي تريك الزجاجة ما خلفها من قدامها لصفاء الخمرة فيها. ومعنى أنهرته: وسعته حتى جعلته كالنهر سعةً. والنهر نفسه سمي بذلك لاتساعه. ومنه المنهرة، وهي فضاءٌ بين بيوت الحي يلقون فيه كناستهم. وفي هذا الوصف سرفٌ مستنكر وخروجٌ عن القصد مستهجن. ويجري مجراه في الغلو قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع أهل حجرٍصليل البيض يقرع بالذكور
واستعمل عنترة لفظ الإنهار مع اقتصادٍ فقال:
أنهرت لبته بأحمر قانئٍورشاش نافذةٍ على الأثواب
يهون علي أن ترد جراحهاعيون لأواسي إذ حمدت بلاءها
الأواسي: النساء المداويات للجراح، والفعل منه أسوت. ويقال للرجال الآسون والأساة. وإنما ذكر النساء لأنهم يأنفون من الصناعات، ويعلمونها العبيد والإماء وحرائر النساء أحياناً، إذ لم يكن في غايةٍ بعيدةٍ من الشرف. وقوله أن ترد موضعه رفعٌ على أنه فاعل يهون. وإذ حمدت ظرفٌ ليهون وهي حكاية حالٍ ماضية. والمعنى: يخف علي رد جراح هذه الطعنة عيون النساء المداويات لها، إذ حمدت أثري فيها. وبلاءها، يجوز أن يكون المراد بلائي فيها، ويجوز أن يريد ببلائها شدتها فظاعتها. والمصادر تضاف إلى الفاعلين والمفعولين جميعاً.
ساعدني فيها عمرو بن عامرٍزهيرٌ فأدى نعمةً وأفاءها
يجوز أن ينتصب نعمةً على الحال ويكون مفعول أدى محذوفاً كأنه قال: فأداها نعمةً ويداً يستحق عليها شكراً، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول أدى، ويكون المعنى: ساعدني في هذه الطعنة زهير بن عمرو، فأدى صنيعة كانت لي عنده بمساعدته، واتخذها مغنماً لنفسه أيضاً. ويجوز أن يكون أفاءها من الفيء: الغنيمة، وهذا قول أبي عبيدة. ويجوز أن يكون أفاءها من الفئ: الرجوع، أي أداها ورجعها إلى مصطنعها، لأن الأيادي قروضٌ في الصالحين.
وكنت امرأً لا أسمع الدهر سبةًأسب بها إلا كشفت غطاءها
يروى لا أسمع ولا أسمع. ومن الغطاء قيل غطا الليل، وغطا عليهم الشر وغيره. يقول: كنت رجلاً لا أعير شيئاً طول الدهر إلا بينت للناس براءة ساحتي منه. وحقيقة كشفت غطاءها أي لم أترك السبة ملتبسةً على سامعها، فكان يتردد بين تصديقها وتكذيبها، بل أبنت أمرها وأظهرت وجهها، حتى بان للناس اختلاق الساب بها، وكذابه فيها. والسبة، كالغمة والغصة وما أشبهها. وذهب بعضهم إلى أن المعنى: إذا رميت بعيبٍ كان حقاً علي محوه عن نفسي، بما استأنفه من سعي. والأول أحسن.
متى يأت هذا الموت لا تبق حاجةٌلنفسي إلا قد قضيت قضاءها
يروى لا يلف حاجةً على أن يكون الفعل للموت، ولا تلف حاجة على ما لم يسم فاعله، أي لا توجد. تقول: أجتهد في إدراك الآثار، وطلب الأوتار، قبل دنو الأجل، فمتى جاء الموت لا يجد حاجةً تتعلق نفسي بها قبل إلا وهي مقضيةٌ. ومعنى قضيت قضاءها أي فرغت منها كقضائي لأمثالها. وقوله هذا الموت يجوز أن يكون تصوره حاضراً لمعرفته بإدراكه لا محالة، وأشار إليه. ويجوز أن يكون لدوام استقتاله وتحدثه بمجيئه، وكونه من همه، أشار إليه على جهة التقريب له.
إذا ما شربت أربعاً خط مئزريوأتبعت دلوي في السماح رشاءها
يقول: إذا شربت أربعة أكؤسٍ جررت مئزري، فأثر في الأرض خيلاء وكبراً، وتممت ما بقي علي من السماح في حال الصحو، كأن معظمه فعله صاحياً، والباقي منه تممه في حال السكر. وهذا الكلام يجري مجرى المثل للمعنى الذي بينت. حكى الأصمعي أنهم يقولون: أتبع الفرس لجامها، وأتبع الدلو رشاءها، أي تمم ما بقي عليك من أمرك. وكأنه يضرب لمن جاد بالكثير وترك القليل الحقير. وهذا أجود من قول عنترة العبسي، وإن كان مفضلاً عند كثير من الناس على قول عمرو بن كلثوم، وقول عنترة:
وإذا انتشيت فإنني مستهلكٌمالي وعرضي وافرٌ لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندىوكما علمت شمائلي وتكرمي
وبيت عمرو:
مشعشعةً كأن الحص فيهاإذا ما الماء خالطها سخينا
لأن هذا قال: إنا نتسخى إذا شربنا الخمر ممزوجة. وما قاله عنترة في بيتين أشار إليه قيسٌ في مصراع. وكان ابن الأعرابي يذهب في قوله سخينا إلى أنه يقال ماء مسخنٌ وسخينٌ، وإن كان فعيلٌ في معنى مفعل قليلاً. وانتصب عنده على أنه حال للماء. ويكون المراد على طريقته: كأن الحص فيها إذا مزج بماء سخين. وهذا لهربه مما استقبحه الناس. وهو حسنٌ، لكنه يقتضي أن يكون بلادهم صروداً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع