تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

زفر بن الحارث الكلابي

وكنا حسبنا كل بيضاء شحمةًليالي قارعنا جذام وحميرا
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة

حكى الأصمعي في الأمثال: ما كل بيضاء شحمةً، ولا كل سوداء تمرة. والمعنى: ليس كل ما أشبه شيئاً ذلك الشيء. ومعنى البيت: ظننا لما التقينا مع جذام وحمير أن سبيلهم سبيل سائر الناس، وأنا سنقهرهم قهراً قريباً ثم وجدناهم بخلاف ذلك، لكون أصلهم من أصلنا. واجتماعهم فيما تميزنا فيه عن سائر الناس معنا، وجذام أبو هذه القبيلة فسميت به، وأصله الجذم: القطع، وبه سمي الداء المعروف جذاماً، وقيل للمقطوع اليد: أجذم. وحكى بعضهم: ما سمعت له جذمةً ولا زجمةً، أي كلمةً، لتقطع الصوت بها عند النطق. والقرع: ضرب الشيء بغيره، ثم توسعوا فقالوا: قرعت باطله بحقي، وقرع الشارب جبهته بالإناء إذا استوفى ما فيه.

فلما قرعنا النبع بالنبع بعضهببعضٍ أبت عيدانه أن تكسرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»

بعضه، انتصب على البدل من النبع. وجواب لما قوله أبت. وتكسر أصله تتكسر. والشاعر اعترف بأن أصل أولئك نبعٌ، كما أن أصلهم نبعٌ، النبع خير الأشجار التي يتخذ منها القسي وأصلبها، كما أن الغرب شرها وأرخاها، فجعلت العرب تضرب المثل بهما في الأصل الكريم واللئيم، حتى إن بعض المحدثين

قال:

هيهات أبدى اليقين صفحتهوبان نبع الفخار من غربه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن بكاء في الدار من أربه»

فيقول: لما قرعنا أصلهم بأصلنا أبت العيدان من التكسر. والمعنى أن كلامنا أبى أن ينهزم عن صاحبه. فالعيدان مثلٌ للرجال، والنبع مثلٌ للأصل.

ولما لقينا عصبةً تغلبيةًيقودون جرداً للمنية ضمرا

يقال تغلبيٌ وتغلبيٌ والكسر أكثر، ومن فتح فلتوالي الكسرات والياءين. وهذا كما قالوا: نمريٌ فردوا من فعلٍ إلى فعلٍ. يقول: لما لقينا جماعةً من بني تغلب يقودون للحرب خيلاً ضمراً قصار الشعور. وجواب لما فيما بعد، وهو سقيناهم. وإنما احتاج إلى الجواب متى كان علماً للظرف، لأنه يجيء لوقوع الشيء لوقوع غيره. وجعل الخيل جرداً لأن العراب منها تكون كذلك. واللام من قوله للمنية يجوز أن يتعلق بيقودون، ويجوز أن يتعلق بقوله ضمراً، أي ضمرت لها.

سقيناهم كأساً سقوها بمثلهاولكنهم كانوا على الموت أصبرا

يقول: قابلناهم بمثل ما بدءونا به من سقي كأس الموت، لكن القتل كان فيهم أعم، ولهم أشمل. وجعل ذلك فيهم كالصبر منهم عليه. ويقرب أن يكون قول الله تعالى: " فما أصبرهم على النار " على هذا الوجه. كأن النار حقت عليهم ووجبت، بما كان منهم من المعصية، فجعل ذلك فيهم كالصبر منهم عليه، ولذلك قال بعض المفسرين في معناه: ما أعملهم بعمل أهل النار. كأن إصرارهم على ذلك العمل كالصبر منهم على النار. ورد الآية إلى البيت وإجراء القول فيها على هذا الحد غريبٌ حسنٌ. وقوله: أصبر أي أصبر منا، وأفعل الذي يتم بمن يحذف منه من في باب الخبر دون الوصف. وساغ ذلك لأن الخبر كما يجوز حذفه بأسره لقيام الدلالة عليه يجوز حذف بعضه أيضاً له.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.