تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

قال الفرار السلمي

وكتيبةٍ لبستها بكتيبةٍحتى إذا التبست نفضت لها يدي

هذا يتبجح بأنه مهياج شرٍ وأذى، وجماعٌ بين كتائب شتى تتقاتل من دونه، ثم يخرج هو من بينهم غير مبالٍ بما يجرون إليه، ولا مفكرٍ فيما ينتج من الشر فيهم. فيقول: رب كتيبةٍ خلطتها بكتيبةٍ، فلما اختلطت نفضت يدي منهم ولهم، وخليتهم وشأنهم. وكتيبة، ألحق الهاء بها لأنه جعل اسما، وهو من كتبت أي جمعت. وتوسعوا في النفض - وأصله الإلقاء والإماطة - فقيل: نفضت اليد من فلانٍ ولفلانٍ أشد النفض، إذا وكلته إلى نفسه، يائساً من رجعته، وفي ضده يقال: قبضت عليه كفي، وجمعت عليه يدي. وقد قالوا: نفضت الطريق أيضاً، وفرقت النفضة في الطرق. وذكر بعضهم أن قوله: حتى إذا التبست نفضت لها يدي وبها يدي، المراد به قنعت فرسي بسوطي، كأنه لما ضرب فرسه إنما نفض يده. يصف سرعة ضربه بالسوط، وأنه لا كلفة عليه به. قال: وهذه السرعة مستحبةٌ في ضرب السوط، كما يستحب في العمل بالسلاح. ومن روى بها يجوز أن يريد المخصرة. انتهت الحكاية عنه. والتعجب من إدراكه لهذا المعنى يمنع من الكلام عليه. فسبحان من لا يحتاج إلى التفسير.

فتركتهم تقص الرماح ظهورهممن بين منعفرٍ وآخر مسند

قوله تقص أي تكسر في موضع الحال لهم. وكذلك قوله من بين منعفرٍ وآخر مسند والعامل في الأول تركتهم، وفي الثاني تقص. يقول: فارقتهم والرماح تختلف بالطعن بينهم، وتكسر ظهورهم، فهم من بين مصروع ألقي في العفر، وهو التراب، وآخر مطعونٍ أو مجروحٍ، وقد أسند إلى ما يمسكه وبه رمق.

ما كان ينفعني مقال نسائهمقتلت خلف رجالهم لا تبعد

قول ما كان يجوز أن يكون ما استفهاماً وكان تجعله الناقصة، ويجوز أن يكون نفياً وتجعل كان مؤكدةً، ونبه بهذا الكلام على أنه لو ثبت لم ينفعه الثبات. فيقول: أي شيء كان ينفعني قول النوادب لي لا تبعد وقد قتلت. ومعنى لا تبعد: لا تهلك. يقال بعد، إذا هلك، وبعد إذا نأى. وكانوا يدلون بهذه اللفظة عند الندبة بها على مساس الحاجة إلى حياة المندوب، وقلة الاستغناء عنه. وإذا كان كذلك فالوجه أن يندب به من كان محمود الحياة، وعزيز الفقدان. وقوله خلف رجالهم نبه على أنه لو ثبت لكان يدفع وجه الكتيبة، ويصير واقياً لأصحابه، وحائلاً بين الأعداء وبينهم، فلا يمكنهم تجاوزه إلا وقد فرغوا منه. فلهذا قال وقتلت خلف رجالهم. وموضع لا تبعد وهو حكايةٌ، رفعٌ أو نصبٌ على أنه بدلٌ أو مفعولٌ من مقال نسائهم. وقوله وقتلت، في موضع الحال للمضمر في ينفعني، والعامل فيه مقال أيضاً، وخلف رجالهم حالٌ للمضمر في قتلت.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.