من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال بعض بني أسدٍ
يديت على ابن حسحاس بن وهبٍبأسف ذي الجداة يد الكريم
إنما عدي يديت بعلي، لأنه أجرى مجرى أنعمت. وهم يحملون النظير علىالنظير، كما يحملون النقيض على النقيض. وقال الأخفش: يقال يديت عنده وأيديت جميعاً، إذا اتخذت عنده صنيعةً، وإن كانت أيديت في هذا المعنى أشهر من يديت،
لأن يديت اشتهر في أصبت يده، كما تقول: رأسته ووجهته وصدرته، إذا أصبت هذه الأعضاء منه. ومعنى هذا البيت: اتخذت عند هذا الرجل بهذا المكان يداً غراء، وصنيعةً شريفةً، مثلها يفعله الكرام. وقوله: يد الكريم نبه على هذا المعنى الذي ذكرناه، ويجب أن يكون مصدر يديت يدياً، مثل جريت جرياً، لكنه وضع اليد مكانه. فإن قيلك ما تنكر أن يكون اسم الحدث، وقد حذف لامه كما حذف من اسم العين؟ قلت: اسم الحدث لم يكثر كثرة اسم العين، وإذا كان حذف اللام من اسم العين حذف لكثرة الاستعمال، فيجب أن يكون اسم الحدث الذي لم يكثر استعماله لا يجري مجراه. وقوله: ابن حسحاسٍ من الحسحسة، وهو إحراق الجلد بالنار.
قصرت له من الحماء لماشهدت وغاب عن دار الحميم
القصر: الحبس والرد، ومنه القصر والقصارى: الغاية. والحماء: تأنيث الأحم، وهو الأسود من كل شيءٍ. والحمم: الفحم. وجارية حممةٌ، أي سوداء. وهذا تفسير النعمة التي اتخذها عنده. فيقول: لما وجدته جريحاً، وفي المعركة طريحاً، قد غاب عنه ذووه والمشفقون عليه، حبست عليه فرسي فأردفته. وجواب لما مقدم، وهو قصرت. كأنه قال: لما رأيته كذا حبست عليه فرسي. وحذف مفعول شهدت لأنه أمن الالتباس. وقوله: وغاب عن دار الحميم كان وجهه أن يقول: لما شهدته وغاب حميمه، لكن المعنى لا يخيل. والحميم: القريب المشفق. والحامة: خاصة الرجل من أهله وولده، ويقال هو الأحم من ذوي قرابته، أي الأخص.
أنبئه بأن الجرح يشوىوأنك فوق عجلزةٍ جموم
هذا ما تمم به الصنعة عنده، بعد أن ارتدفه، وذلك أنه سلاه بقوله الجرح يشوى، ومناه بقوله: وأنك فوق عجلزةٍ جموم. ويقال: رماه فأشواه، إذا أصاب غير المقتل. والجموم: الذي لا ينقطع جريه. والعجلزة: الصلبة. وبئرٌ جمومٌ من هذا، لأن ماءها يغور أحياناً ثم يعود ويغزر. والمراد: أن تبليغك المأمن به سهلٌ، وأن ما بك من الجرح هين.
ولو أني أشاء لكنت منهمكان الفرقدين من النجوم
يبين بهذا أنه تبرع بما فعل، وأنه لم يلزمه لزوم الواجب الذي لا يسوغ الإخلال به، فيقول: لو شئت لبعدت منه بعد الفرقدين من النجوم السيارة، وهي التي يحل
فيها النيران، والفرقدان لا حلول فيه، وهذا يجري مجرى قولهم: هو مني مناط الثريا في أن المراد به التبعيد، ويجوز أن يريد بعدت منه بعد الفرقدين، ثم بين أن الفرقدين من النجوم، فيكون من النجوم تبييناًُ كقوله تعالى " فاجتنبوا الرجس من الأوثان ". ويجوز أن يريد بالنجوم نبات الأرض، لأن كل ما طلع فقد نجم، ويكون المعنى بعد الفرقدين من الأرض ومنابتها، ويكون في هذا المعنى شبه إلغازٍ فيضعف.
ذكرت تعلة الفتيان يوماًوإلحاق الملامة بالمليم
بين بهذا الكلام أنه اتقى بما فعل توجه الذم إليه من الناس، فيقول: أخطرت ببالي ما يتعلل به الفتيان في محافلهم ومجالسهم، وتقبيحهم من أخبار الناس ما يستحق بفعله أو بتركه عندهم ذمٌ، فيلحقون به اللوم، ويهجنونه في أحكام الفتوة. ومصدر قوله ذكرت الذكر بضم الذال لأن هذا كان بالقلب، والذكر بكسر الذال باللسان. والمليم: الذي يأتي بما يلام عليه. قوله تعلة مصدر عللته، فهي كالتقدمة والتكرمة. ويجوز أن يكون تسميتهم المعلل، وهو يومٌ من أيام العجوز، من هذا، كأنه يعلل الناس بشيء من تخفيف البرد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع