تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر (٣)

ألا قالت الخنساء يوم سويقةٍعهدتك دهراً طاوي الكشح أهضما

يقول: قالت هذه المرأة يوم اجتماعنا في سويقةٍ: عهدتك زماناً ممتداً صغير البطن، مطوي الكشح والجنب. وإنما أنكرت سمنه وكثرة لحمه، فأجابها بالبيت الثاني. والهضم: انضمام الضلوع، وتقارب الجنبين.

فإما تريني اليوم أصبحت بادناًلديك فقد ألفى على البزل مرجما

يقول: إن كنت ترينني اليوم - وهو إشارةٌ إلى يومه وما يقربه منه - أصبحت مثقل النفس، مبدن الخلق لديك، أي في منظرك ومعتقدك، فإني إذا ركبت البزل وجدت عليها مرجما. والمرجم: الذي كأنه آلةٌ في رجم الأرض بأخفاف الإبل ووطء الأقدام. وينتصب مرجما على الحال. وقيل المرجم في السفر: البعيد في الغاية. وكما قيل رجلٌ مرجمٌ، قيل يدٌ مرجمٌ، ورجلٌ مرجمٌ، ولسانٌ مرجمٌ، قال الشاعر:

شديد الرجام باللسان وباليد

وإما، في أكثر الأحوال يلزم الفعل الواقع بعده إحد النونين الثقيلة والخفيفة، لأنه كما أكد حرف الشرط ب ما أكد الفعل المشترط به بالنون أيضاً. وها هنا جاء خالياً من النون.

وقال آخر:

ألا قالت العصماء يوم لقيتهاأراك حديثاً ناعم البال أفرعا

هذا في طريقة ما قبله. فيقول: قالت هذه المرأة لما التقيت معها: أعلمك عن قريبٍ ناعم الحال، تام شعر الرأس، لم يتسلط عليك صلعٌ، ولا حدث انحسار شعر، ولا شحوب لون، فكيف تغيرت مع قرب الأمد. وانتصب حديثاً على الظرف. وناعم البال، مفعولٌ ثانٍ من أراك. والأفرع: التام شعر الرأس، وجمعه فرعانٌ. والأصلع خلافه.

فقلت لها لا تنكريني فقل مايسود الفتى حتى يشيب ويصلعا

يقول: أجبتها وقلت: لا تستنكري ما رأيت من شحوب لوني، وانحسار الشعر عن رأسي، فما ينال الفتى السيادة حتى يستبدل بشبيبته شيباً، ووفور شعره صلعاً، وإلا بعد استحكام الرأي، واستنفاد العمر في اكتساب المجد. وقوله قل ما يفيد النفي هنا، وما تكون كافة لقل عن طلب الفاعل، وناقلةً له عن الاسم إلى الفعل، فإذا قلت: قل ما يقوم زيدٌ فكأنك قلت ما يقوم زيدٌ. يدل على ذلك أنهم قالوا: قل رجلٌ يقول ذاك إلا زيدٌ، وأجري مجرى ما يقول ذاك إلا زيد، وقالوا أيضاً: أقل رجلٍ يقول ذاك إلا زيد. وأنهم أجروا خلافه مجراه، فيقول: كثر ما يقول زيد. وعلى ذلك بيت الكتاب:

وقل ماوصالٌ على طول الصدود يدوم

ويجوز أن يكون ما من قل ما يسود الفتى، مع الفعل في تقدير المصدر، كأنه قال: قل سيادة الفتى، أي ينزر استكمالها إلا مع هذه الحالة. ومثله قول لبيدٍ:

قل ما عرس حتى هجتهبالتباشير من الصبح الأول

لأنه ليس يريد نفي التعريس رأساً؛ إذا كان يعتاده قطاع الفلاة، وركاب الظلام، بل يريد عرس تعريساً قليلاً فهجته. ويقال: صلع صلعاً وصلعةً، وهو أصلع وصليعٌ.

وللقارح اليعبوب خير علالةًمن الجذع المرخى وأبعد منزعا

هذا مثلٌ ضربه في تفضيل نفسه على شيخوخته وقد أدبه الكبر، ونازع الدهر وأبناءه أطراف الخطوب، ومرائر السيادة والعلو على الأحداث الذين لم يجربوا الأمور، والأغمار الذين لم يجاذبوا الشدائد، فيقول: للفرس المتناهي في القوة والسن، الذي يجري جريه الماء سهولة ونفاذاً، خيرٌ إبقاءً وأبعده غاية من ابن سنتين وهو مهمل لم يستغن به في ركوبٍ ونزول، ولم يرض بإسراجٍ وإلجام. واليعبوب: الفرس الكثير الجري، والجدول الكثير الماء. والعلالة: البقية من الجري وغيره، وها هنا يريد الجري. قال الشاعر:

إلا علالة أو بداهة سابحٍ نهد الجزاره
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي ما كنت جاره»

فالبداهة: أول الجري، والعلالة: آخره. وقوله من الجذع المرخى يروي المرخى بكسر الخاء، والإرخاء: لين في العدو. قال:

وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفل

وإذا روى بفتح الخاء فهو المرسل المهمل النزوع إلى الغاية. وانتصاب علالة ومنزعا على التمييز.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.