من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال آخر (٢)
أبوك حبابٌ سارق الضيف بردهوجدي ياحجاج فارس شمرا
يقول: أبوك الذي سرق برد ضيفه وغدر به وخانه، وجدي فارس هذا الفرس المعروف. وسارق الضيف برده، أصله سارق برد الضيف، لكنه أضافه إلى الضيف بناء على قولهم سرقت الضيف برده، والمراد سرقت من الضيف، لكنه لما حذف الجار تخفيفاً وصل الفعل فعمل فيه، ثم أضاف اسم الفاعل إليه. وعلى هذا يقال اخترت الرجال زيداً: وشمر فعلٌ في الأصل سمي به الفرس، لأنه ليس في الأسماء شيءٌ على فعلٍ. ومثله خضم، وهو لقبٌ للعنبر بن مازن. وحبابٌ يجوز أن يكون بدلاً وسارق الضيف خبراً، ويجوز أن يكون حبابٌ خبراً وسارق الضيف صفةً، وهذا أجود حتى يكون في مقابلة فارس شمر. كأن المراد: أبوك المعروف بذا الاسم،
وجدي المعروف بذا. ورواه بعضهم فارس شمر بكسر الشين، وقال: هو علمٌ مؤنث مثل امرأة تسميها قنب ودنب.
بنو الصالحين الصالحون ومن يكنلآباء صدقٍ يلقهم حيث سيرا
كما فضل جده على أبيه في البيت الأول فضل نفسه عليه في البيت الثاني. والمعنى أن المرء يتقيل أباه، فإذا كان جدي صالحاً فأنا صالح، وإذا كان أبوك صالحاً فأنت صالحٌ. وقوله ومن يكن لآباء صدقٍ يريد من كان ولد آباء كرامٍ عرف بهم حيث ذهب، والقيهم أني سار وظعن. واللام دخل في قوله لآباء صدقٍ لهذا المعنى. ومثاله:
لئن كان للقبرين قبرٍ بجلقٍوقبرٍ بصيداء التي عند حارب
أي إن كان ولدهما. وصدقٍ يضاف إليه الواحد والجمع، والمؤنث والمذكر، ويراد به المدح. فإذا قلت ثوب صدقٍ ورجال صدقٍ، فالمعنى نعم الشيء ذاك، أي هو صادقٌ فيما يحمد فيه لا كاذبٌ. وإذا أردت أن تجعله نعتاً فتحت الصاد منه فقلت: هو الرجل الصدق، ويثني ويجمع ويؤنث. قال:
مقذوذة الآذان صدقات الحدق
فإن تغضبو من قسمة الله حظكمفلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
يقول: إن تسخطتم ما قسمه الله، تعالى جده، لكم، وجعله نصيبكم، فلله كان أعلم بكم وبقدر استحقاقكم، لما فلم يركم أهلاً لأكثر منه. والمعنى: إن ما حصلتم عليه من البخس في القسمة، والنقص من المقدرة. والتأخر في المنزلة، حكمةٌ من الله ﷿ ونصفةٌ، ولو زاد مستحقكم عليه لأعطاكم، فإنه العالم الحكيم في أفعاله وأقضيته. والبصير في صفة الله، تحقيقه العالم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع