تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال القتال الكلابي (٢)

إذا هم هماً لم ير الليل غمةًعليه ولم تصعب عليه المراكب
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

يصفه بالإقدام والتشمير، وحسن النفاذ في الأمور، وأنه متى ما وقع في نفسه أمرٌ فهم به اقتعد الليل ولم يعده حائلاً دون مراده ولا مانعاً عن قصده ومراده، حتى يصير ركوبه غمةً، وما يتصور من هوله شدةً تدفع في الصدر، وتحلئ عن الورد، ولم يشق عليه المراكب، ولا يستكره فيه المصاعب. ويقال: هو في غمةٍ من أمره، أي حيرةٍ وظلمةٍ. وأصل الغم التغطية.

قرى الهم إذ ضاف الزماع فأصبحتمنازله تعتس فيها الثعالب
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «إذا هم لم يحذر من الليل غمة»

يقول: يجعل قرى همه إذا اعتراه، النفاذ والعزيمة، والإجماع فيه والصريمة، فترى منازله تستبدل بسكانها وحشاً تعتس فيها، ويعتاض هو من الدعة والخفض تعباً يمتطيه، ودءوباً يستمر فيه. والاعتساس: الاختلاف بالليل. ويقال: عس واعتس، ومنه أخذ العسس. وفي المثل الجاري " كلبٌ عس خيرٌ من أسدٍ ربض ".

جليدٌ كريمٌ خيمه وطباعهعلى خير ما تبنى عليه الضرائب
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

يقال هو جلدٌ وجليدٌ بمعنىً. والخيم: الطبيعة؛ وقال أبو عبيدة: أصله فارسيٌ معرب. والطباع: ما طبع عليه الإنسان في مأكله ومشربه وسائر أحواله. والضرائب: جمع الضريبة، وهي الخليقة. ويقال: ليس لفلانٍ ضريبٌ، أي شبيه، وهو كريم الضريبة. فيقول: قوي الجأش، مرضي الطبيعة، وقد جبل في كل ما يستشف من أموره على أحسن ما تجبل عليه النفوس والأخلاق.

إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعةٍولم يبتئس من فقدها وهو ساغب
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

أحسن حاتم طيئٍ في هذه الطريقة حين قال:

غنينا زماناً بالتصعلك والغنىفكلتاهما يسقي بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغياً على ذي قرابةٍغنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

والشاعر يصف كرم نفسه وحسن صبره على تقلب الأحوال، فالشبعة لا تطغيه، والجوعة لا تؤيسه فترديه. والسغب: الجوع. وأضاف الأكلة إلى ساعةٍ تقصيراً بها وإزراءً، وإن كان ذلك وقتاً لها. وقوله من فقدها يريد من فقدٍ لها، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول جميعاً، على هذا قوله تعالى: " من دعاء الخير ".

يرى أن بعد العسر يسراً ولا يرىإذا كان يسرٌ أنه الدهر لازب
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

يستحسن لبشار في هذه الطريقة قوله، بل قد صار مثلاً:

خليلي إن العسر سوف يفيقوإن يساراً في غدٍ لحقيق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
وما أنا إلا كالزمان، إذا صحاصحوت، وإن ماق الزمان أموق
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

يقول: يعلم أن أسباب الدنيا وتصاريفها مبنيةٌ على التغير والتبدل، فالعسر واليسر يتعاقبان ولا يلزمان، فمتى استغنى كرم ولم يبطر، علماً بأنه يفنى فلا يبقى، وإذا افتقر عف ولم ييأس، ثقةً بأنه يزول ولا يدوم. وقوله " يرى " من البيت يجري مجراه من قوله تعالى: " إنهم يرونه بعيداً "، لأنه بمعنى يظنونه، وليس كذلك في قوله " ونراه قريباً " لأنه بمعنى نعلمه. وقد يستعمل العلم في موضع الظن أيضاً، لذلك قال:

وأعلم علماً ليس بالظن أنهإذا ذل مولى المرء فهو ذليل
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لهند بحزان الشريف طلول»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.