من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أوس بن حبناء
إذا المرء أولاك الهوان فأولههواناً وإن كانت قريباً أواصره
حقيقة أولاك كذا: جعله مما يليك، لكنه اشتهر في الإحسان، وقد يستعمل في الإساءة، كما فعله هذا الشاهر. ومثله بشرته في معنى تناوله الشر، وإن كان اشتهاره في الخير. ألا ترى قوله تعالى: " فبشرهم بعذابٍ أليمٍ ". يقول: قابل معاملك بمثل ما يرصده لك، فإن الأفعال بين الناس قروضٌ، وشرط القروض الوفاء بها، والحروج من ذممها، فمن أهانك فأهنه وإن قربت عواطف أرحامه، وشوابك أسبابه، ولا توجب له إلا مثل ما يوجبه لك. ويقال: بيني وبينه أصرةٌ، أي عاطفةٌ، والأصر: العطف. وقوله قريباً خبر كان، وقدمه على اسمه ولم يؤنثه لأنه أراد النسبة فلم يبنه على الفعل. ومثله قوله تعالى: " إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين ".
فإن أنت لم تقدر على أن تهينهفذره إلى اليوم الذي أنت قادره
يقول: إن أعجزك مكافأته على إساءته إليك، وأعوزك إنالته مثل ما ينيلك في الحال، فأنظره إلى الوقت المساعد لك من مستقبل أيامك، وانتظر نوبتك من الدهر،
فإذا أمكنتك الفرصة فانتهزها. وقوله إلى اليوم الذي أنت قادره أراد أنت قادرٌ فيه، فقدر الظرف تقدير المفعول الصحيح لأن الظرف إذا أضيف إليه يخرج من أن يكون ظرفاً كما يخرج منه إذا دخل عليه حرف الجر. على هذا قولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار
وقوله: طباخ ساعات الكرى زاد الكسل
وقارب إذا ما لم تكن لك حيلةٌوصمم إذا أيقنت أنك عاقره
يقول: اجر مع الدهر في تصرفه وتلونه، ودار عدوك وجامله إن أعياك مكايلته ومحاسبته، فإذا انقضت أيامه وتيسر لك بعد مداجاتك له عقره وإهلاكه فاثبت في الأزم عليه، والانتقام منه، ثبات السيف القاطع في ضريبته، وإياك والغفلة عند بعد إيقاظك إياه، واللين معه وقد خشنته.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع