تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر (١١)

إني إذا ما القوم كانوا أنجيه

واضطرب القوم اضطراب الأرشيه

وشد فوق بعضهم بالأرويه

هناك أوصيني ولا توصي بيه

قوله إني إذا ما القوم خبر إن في قوله أوصيني ولا توصي بيه. والمعنى: إني أهلٌ لأن يوصي إلي حينئذ في غيري، ولا يوصى غيري بي. فتبين هذا من الكلام وإن كان على لفظ الأمر والنهي. وعلى هذا قول القائل زيدٌ قم إليه، أي هو أهلٌ لأن تقوم إليه. فبهذا التقدير وأمثاله جاز أن يقع الأمر موضع الخبر. وأنشد أبو زيدٍ:

وكوني بالمكارم ذكرينيودلي دل ماجدةٍ صناع

وقال: أراد كوني تذكرينني، فوضع ذكريني موضع تذكرينني. ومرجع هذا الذي قاله إلى مثل ما بيناه. وكما أن خبر إن فيما بيناه فكذلك جواب إذا، فافهمه. وما من قوله ما القوم زائدةٌ. وأنجيةٌ: جمع نجيٍ، والنجي يقع للواحد والجمع. وفي القرآن: " خلصوا نجياً ". ومعنى كانوا أنجيه، أي صاروا فرقاً لما حزبهم من الشر، ودهمهم من الخوف، يتناجون ويتشاورون.

وقوله واضطرب القوم أي أخذهم القيام والقعود، وفارقهم القرار والهدو، فأقبل بعضهم يمشي إلى بعضٍ، متعاونين في التهيؤ والارتحال، ومتساعدين على التيسر للانتقال. فشبه ميلانهم وترجحهم في اختلافهم، بترجح الأرشية عند الاستقتاء عليها من الآبار البعيدة القعر، وميلانها.

وقوله وشد فوق بعضهم بالأرويه، يعني أنهم ركبوا الليل وداوموا السير، فغلب النعاس على طائفةٍ منهم حتى خيف عليهم السقوط، لضعف استمساكهم، فشدت الحبال فوقهم. والأروية: جمع الرواء وهو الحبل الذي يروى به، أي يستقى. ومنه قيل الراوية، ويجوز أن يكون الاضطراب الذي ذكره لاتصال التسيار وغلبة النوم، للإخلال بالنزول والقرار أيضاً. وصرفه إلى الأول أحسن.

وقوله هناك أوصيني، هناك يشار به إلى الزمان والمكان معاً، وموضعه نصبٌ على الظرف، والكاف منه كاف الخطاب، والعامل فيه أوصيني. والمعنى: في ذلك الوقت يوجد الغناء والكفاية عندي، ويحصل الصبر والمداومة مني، فاجعلي وصاتك إلي لا بي، واعتمدي علي لا على غيري. وقال بعض القدماء: معنى كانوا أنجيه، يريد قوماً ناموا على رواحلهم فرأوا في منامهم كأنهم يتناجون. والصواب عندي ما قدمته.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.