من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال آخر (١٠)
لا قوتي قوة الراعي قلائصهيأوي فيأوي الكلب والربع
ولا العسيف الذي يشتد عقبتهحتى يبيت وباقي نعله قطع
أخذ أبو تمام هذا المأخذ في قوله:
والصبر بالأرواح يعرف فضلهصبر الملوك وليس بالأجساد
يقول: ليس غنائي في الأمور وكفايتي غناء الرعاة الذين سعيهم وكدهم مقصوران على ضم القلاص وحفظها في مراعيها عند سرحها وإراحتها، فإذا أوى إلى موضعٍ أوى إليه كلبه الذي يحرس به وربعه. والربع: ما نتج في الربيع. وقوله ولا العسيف انعطف على الراعي. يريد: ولا قوتي قوة العسيف. فالعسيف: الأجير
والعبد المستهان به، الممتهن في العمل. يقال: كم أعسف عليك، أي كم أعمل لك. وقوله يشتد عقبته انتصب عقبته على الظرف، أي وقت عقبته، كأنه يعاقب الركوب غيره. يقال هما يتعاقبان للركوب بينهما، أو الأمر يركب هذا عقبة وهذا عقبةً. والعقبة قيل فرسخان. ويشتد: يفتعل من الشد: العدو. وبعضهم يرويه " تشتد عقبته " بالرفع، ويجعل تشتد من الشدة، أي تشتد عقبته عليه، والصواب ما قدمته. والمعنى: ولا غنائي أيضاً غناء الأجير الذي يعدو عقبته ووقت عقبته، وليس يريد أن له عقبةً فيتركها ويعدو، لكن المعنى إذا كان لغيره نوبةٌ في الركوب لمعاقبته صاحبه، فنوبته الشد والخدمة حتى يأتي عليه المساء وقد تقطع ما بقي عليه من حذائه. وقوله " وباقي نعله قطع " في موضع خبر يبيت، تقديره: حتى يبيت منقطع باقي النعل.
لا يحمل العبد فينا فوق طاقتهونحن نحمل ما لا تحمل القلع
يقول: العبد المستخدم فينا لا نكلفه إلا دون ما يطيقه، إبقاءً عليه، وتركاً لاستنفاد وسعه، ونحن نحتمل من مشاق الأمور، ومثقلات الأعباء ما لا تطيقه الجبال. والقلع: جمع قلعةٍ، وهي الهضاب العظام، وبها سمي الحصن المبني على الجبل قلعةٌ. ويقال أقلع فلانٌ قلاعاً، إذا يناها؛ وبها سميت السحاب العظام قلعاً أيضاً.
منا الأناة وبعض القوم يحسبناأنا بطاءٌ، وفي إبطائنا سرع
الأناة: الرفق. يقول: نستأني في الأمور فعل الحازم ذي الرأي السديد، والتأمل اللطيف، الذي ينظر فيما له وعليه، فيدري كيف يورد ويصدر، ويبرم وينقض، ولا نتهجم فيما نزاوله فعل العجول الأخرق الذي لا يتتبع العواقب، ولا يتجنب المقابح، فلا يبالي أياً سأخذ ويدع. وكثيرٌ من الناس يظن بنا تباطؤاً في المهمات وتثاقلاً، والذي يعدونه بطئاً فهو سرعةٌ، لأنا نترك كل ما تتولاه مفروغاً منه محكماً، لا تفاوت فيه فيحتاج إلى استئناف تدبر، واستحداث نظر وتتبع.
؟؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع