من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الفرزدق
إن تنصفونا يا آل مروان نقتربإلتكم وإلا فأذنوا ببعاد
يقول: إن حملتمونا في مجاوتنا لكم على السواء، وتركتم البغي علينا والعلاء، اختلطنا بكم، وطلبنا موافقتكم، وإلا فاعلموا أن البعاد منكم همنا وهمتنا؛ لأنه إذا لم يكن لنا صبرٌ على الاهتضام، ولا طريقٌ إلى الانتقام، فلا ثالث لهما إلا الانتقال. ويقال أذنت بكذا، إذا علمت به فاستعددت له؛ وآذنني فلانٌ؛ ومنه الأذان بالصلاة، والفعل منه أذن.
فإن لنا عنكم مزاحاً مذهباًبعيسٍ إلى ريح الفلاة صواد
قوله مزاحاً هو من زاح يزيح، إذا ذهب؛ ومنه أزحت العلة، والكلام خارجٌ على أنه تفسير البعاد الذي ذكره وبيانه. يقول: إن سمتمونا خسفاً، وأذقتم ممونا في ولايتكم عسفاً، فإن لنا عنكم في الأرض مبعداً ومنتاى، بإبلٍ بيضٍ كرامٍ، ألفت المفاوز، فهي للتلكؤ عنها نوازع دونها، عواطش إلى ريحها. والصوادي: جمع صاديةٍ؛ والصدى: العطش.
مخيسةٍ بزلٍ تخايل في البرىسوار على طول الفلاة غواد
التخييس: حبس الإبل على الكد والعمل؛ ومه قول النابغة:
وخيس الجن إني قد أذنت لهم
أي احبسهم واستعملهم، وإنما وصف العيس ليى أنه متمكنٌ من مراده في التباعد، ومستظهرٌ في العدة للسفر إن اضطر إليه. وجعلها بزلاً لتكون متناهيةً في القوة. وقوله تخايل في البرى أي تحتال في سيرها وهي مبراةٌ تطيق وصل السير بالسرى، على امتداد الشقة وطول الوجهة. وقوله في البرى في موضع النصب على الحال.
وفي الأرض عن ذي الجور منأىً ومذهبٌوكل بلادٍ أوطنت كبلادي
أظهر في الكلام طيب نفسه على السفر، وسلوه عن بلده وموطنه، فقال: في الأرض الواسعة منتزحٌ ومتوجه عن الجائرين، وكل مكانٍ اتخذته وكناً كان كمسقط رأسي، ومقر نشئي، إذ لا قرابة بين الديار وسكانها ولا مشاكلة، وإنما يختار منها ما كان إلى السلامة أقرب، وللعز أجلب، ومن المهانة والذل أبعد.
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهدهإذا نحن خلفنا خفير زياد
كان شكوه من الحجاج بن يوسف، وتأذيه بسوء معاملته، فأخذ يستهين به. يقول: إذا خرجت من ملكته، وفارقت أرضى مملكته، تباعدت عن حومة سلطانه، ودار أمره ونهيه، وخلفت ورائي حفير زياد بن أبيه، الذي هو حد عمله، فماذا تراه يقدر عليه مني، أو يستطيع اختياره من إذائي وقصدي. وعسى من أفعال المقاربة، والفعل بعده يصحبه أن في الكلام. وفي القرآن: " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم ". إلا أنه في الشعر قد يشبه تكاد، وهو نظيره في أنه من أفعال المقاربة، فينزع منه أن، لأن الفعل بعد كاد يكون بغير أن. ومثله في ذلك قول الآخر:
عسى الله يغني عن تلاد ابن قادر
ويعني بحفير زيادٍ نهراً كان احتفره زياد.
فباست أبي الحجاج واست عجوزهعتيد بهمٍ ترتعي بوهاد
قوله باست أبي الحجاج قال أبو زيد: القصد بمثل هذا القول أن يبين أنه يتجاسر على ذكر السوءة منه. والباء من قوله باست متعلقةٌ بمضمرٍ، كأنه لحق باست والديه كل خزيةٍ وعارٍ، ومنقصةٍ وشنار. وقوله عتيد بهمٍ انتصب على الشتم والاختصاص، والعامل فيه فعل مضمرٌ، كأنه قال: أعني وأذكر. وجعله بهذا الاسم أشهر وأعرف منه بالعلم له، والاسم الذي سمى به. وهذا هو الغرض في كل ما ينصب على المدح أو الذم، ولذلك كان أبلغ من الصفات التابعة لموصوفها في المعنى، إذ كانت الصفة تجيء لشرح الاسم وإزالة اللبس عنه، وباب المدح والذم
يجيء للتنويه والرفع أو التهجين والحط. والعتيد: تصغير عتود، وهو ما رعى وقوى من أولاد الغنم. والبهم: صغار أولاد الغنم. وقوله ترتعي موضعه جرٌ على أنه صفةٌ لقوله بهم. والوهاد: ضد النجاد. والمعنى: أنه في القلة والخسة رئيس أشباهٍ له هذا صفتهم فيما ينالونه من دنياهم، فهو فيهم كعتودٍ من بهمٍ ذلك صفتها.
فلولا بنو مروان كان ابن يوسفٍكما كان عبداً من عبيد إياد
يقول: لولا تقدم الحجاج ببني مروان، واستعمالهم إياه، وجذبهم بضبعه ورفعهم خسيسته، وإيطاؤهم الناس عقبه لكان حديثاً كما كان قديماً ذليلاً مهيناً حقيراً قمياً بين أمثالٍ له من إيادٍ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع