من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال قراد بن عبادٍ
إذا المرء لم يغضب له حين يغضبفوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا
ولم يحبه بالنصر قومٌ أعزةٌمقاحيم في الأمر الذي يتهيب
تهضمه أدنى العدو ولم يزلوإن كان عضاً بالظلامة يضرب
يخبر بأن عز الرجل بعشيرته، واعتلاءه بذويه وأقاربه، فإذا لم يتغضب له فرسانٌ يسخطون لسخطه ويمتعضون من دخول الضيم عليه، فيركبون حد الموت في هواه، ويقتحمون الشدائد في نصرته، تجاسر عليه أضعف أعدائه، وأدنى مخالفيه، وإن كان في نفسه منكراً داهيةً لا يطاق، ولم يزل مضروباً بالظلم والهضيمة، مقهوراً بالإزراء والمضيمة، وإن كان لا يؤتى من حدٍ ومضاء. والعض: السيئ الخلق، والمنكر الشديد اللسان. ويقال هو عض مالٍ وعض سفرٍ وقتال، إذا كان حسن الغناء في جميعها. وجواب إذا المرء قوله تهضمه، وهو العامل فيه والمقاحيم: جمع المقحام، وهو الذي يخوض قحمة الشيء، أي معظمه. ومعنى تهضمه كسره وأذله. والحباء: عطاءٌ بلا منٍ ولا جزاءٍ. ويقال: حباه الله بكذا، وحباه كذا أيضاً. وخبر لم يزل " يضرب "، وفي الجملة جواب " وإن كان عضاً ".
فآخ لحال السلم من شئت واعلمنبأن سوى مولاك في الحرب أجنب
ومولاك مولاك الذي إن دعوتهأجابك طوعاً والدماء تصيب
فلا تخذل المولى وإن كان ظالماًفإن به تثأى الأمور وترأب
يحثه على استصلاح بني الأعمام، وينبه على أنهم المعتمدون في الشدائد، فيقول: وال لأيام السلامة وأحوال الموادعة والمسالمة من شئت، وإن لم يجمعك وإياه نسبٌ ولا سببٌ، عالماُ بأنه لا يصلح للحرب ومجاذبة الأعداء إلا قريبٌ، وأن من سواه فيها غريب. وقوله ومولاك مولاك تلافى به تحقيق ما قدمه، وتأكيد ما أطلقه، ونفى عنه تسلط المجاز والاتساع. فيقول: مولاك في الحقيقة هو ابن عمك الذي إن استغثت به أبعد ما كان منك أغاثك عن حنوٍ وشفقة، وإن دعوته والكلم يقطر وحبل الألفة ينقطع، أجابك لا بتصنعٍ وتعملٍ، فأما من ولاؤه بالاسم دون المعنى، أو يكون مداجياً لك يجاملك بالغش وينطوي لك على الضغن، يخذلك أحوج ما كنت إليه، ويبعد عنك أقرب ما كنت فيه، فلا معتمد عليه، ولا استنامة إليه. وانتصب طوعاً لأنه مصدرٌ في موضع الحال. ومثل هذا قول الآخر:
أخوك الذي إن تدعه لملمةٍيجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
وقوله ولا تخذل المولى وإن كان ظالماً يجوز أن يكون المعنى: لا تخذله وإن كان ظالماً لك، ويجوز أن يكون على منهاج ما جاء في الخير: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ". يقول: طالب نفسك لمولاك بمثل ما تطالب به مولاك لنفسك، وانصره على كل حال.
وفي مثل طريقة البيتين الأولين من هذه المقطوعة قول الآخر:
ومن لا يكن ذا ناصرٍ يوم حقهيغلب عليه ذو النصير ويضهد
وفي كثرة الأيدي لذي الظلم زاجرٌإذا خطرت أيدي الرجال بمشهد
ومعنى به تثأى الأمور وترأب يريد بالمولى تصلح الأمور وتفسد. ويقال: رأيت الثأي، كما يقال رفعت الخرق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع