من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال زاهر أبو كرامٍ التيمي
لله تيمٌ أي رمح طرادلاقى الحمام به وتصل جلاد
قوله لله تيمٌ، تيمٌ: رجلٌ من بني يشكر، بارز أبا كرامٍ فقتله، وكان أحد الفرسان، فأخذ أبو كرامٍ يقيم أمره ويعظم شأنه، لأن ثناءه عليه وإكباره لمكانه راجعٌ إليه، إذ صار قتيله. واللام من لله تيمٌ دخلت للتخصيص، والعجب دخل في الكلام أيضاً بقوله أي رمح طراد. وعلى هذا قولهم: لله دره. وهذا التخصيص باللام يجري مجرى الإضافة في قولهم: بيت الله، وكعبة الله، وإن كانت الأشياء كلها لله. وقوله أي رم طراد لاقى الحمام به الضمير في به لتيمٍ، والمعنى: لاقى الموت بتيمٍ أي رمح مطاردةٍ، وأي نصل مجالدةٍ، كأنه كان رمحاً ونصلاً، ومحش حربٍ. ويجوز أن يكون المراد: لاقى الموت به أي سلاحٍ وعدة، وأي مقاتلٍ وبطل. ولك أن ترفع الحمام، والمعنى: لاقى الموت بتيم أي رمح وأي رامح، وأي سيفٍ وأي سائف. ودل على صاحب السيف والرمح قوله " ومحش حرب " في البيت الثاني.
ومحش حربٍ مقدمٍ متعرضٍللموت غير معردٍ حياد
يقال: حششت النار، إذا جمعت الحطب إليها وهيجتها. كأنه جعله آلةً في حش نار الحرب، لأن المفعل والمفعال للآلات. والتعريد: ترك القصد وسرعة الانهزام. والحياد: الذي يحيد عن موضع القتال كثيراً. يريد أنه يقدم ولا يحجم. وانعطف ومحش حربٍ على ونصل جلاد.
كالليث لا يثنيه عن إقدامهخوف الردى وقعاقع الإيعاد
مذلٌ بمهجته إذا ما كذبتخوف المنية نجدة الأنجاد
يقول: هو في بأسه وإقدامه، مثل الليث لا يصرفه عن الوجه الذي يؤمه، والأمر الذي يهمه، ما يستشعره الجبان من خوف الموت، وقعقعة الوعيد. والقعقعة: صوت الجلد اليابس والبكرة؛ وتوسعوا فيه فقالوا: هال فلاناً قعقعة الوعيد. وقالوا: تقعقعت مفاصله أيضاً.
وقوله: مذلٌ بمهجته كأنه يطول تعرضه للشدائد، ويدوم ابتذاله لما يجب صونه من كرائم النفس، فعل من ضجر بمهجته فاستقتل، واستطاب الموت فتعجل. ويقال: مذل بسره، إذا باح به. والمهجة: خالصة النفس، ومنه الأمهجان في اللبن.
وانتصب خوف المنية على أنه مفعول له، وإذا ما كذبت نجدة الأنجاد، ظرفٌ لقوله مذل، والمعنى: إذا خانت شدة الأشداء، ولم تف بما تعد شجاعة الشجعان، لاستفحال الشأن، فإن هذا الرجل كان ينذل بمهجته، فكأنه يميل إلى انقطاع العمر. والأنجاد: جمع النجد. والنجدة: البأس. ويقال: هو صادق البأس، كما قيل كاذب البأس.
ساقيته كأس الردى بأسنةٍذلقٍ مؤللة الشفار حداد
فطعنته والخيل في رهج الوغىنجلائ تنضح مثل لون الجادى
أخذ يقتص كيف قتل تيماً. والمساقاة تكون من اثنين، ولذلك قال: " بأسنة ذلقٍ " فجمع، وإنما كان سنانان من رمحين. ويجوز أن يكون جمع لأنه أراد الزج والسنان من كل واحدٍ منهما. والذلق: المحددة. وذلق كل شيء: حده، ومنه قيل ذليق اللسان. والمؤللة أيضاً: المحددة. والشفار، أصله أن يستعمل في السكين العريض. وكما جعل هذا الشفرة للرمح جعله غيره للسيف فقال:
ويركب حد السيف من أن تضيمهإذا لم يكن عن شفرة السيف مز حل
وقوله فطعنته والخيل الوالو والو الحال، والرهج: الغبار. وقوله: نجلاء أراد طعنته طعنةً نجلاء أي واسعة، تنضح أي ترش. والنضح بالحاء غير معجم يستعمل فيما رق، وبالخاء معجمةً فيما غلظ. وقوله مثل لون الجادى يعني به دماً، أي لونه مثل لون الزعفران.
فكأنما كانت يدي من حتفهلما انثنيت له على ميعاد
فهوى وجائشها يفور بمزبدٍمن جوفه متدارك الإزباد
قوله فكأنما كانت يدي من حتفه يريد أنه سقط لأول طعمة، فكانت نفسه فيها، لأنها كانت جائفةً نافذةً إلى المقتل، فكأن بين حينه وبين يدي لما أملتها للطعن موعدةً أنجزت، وخطفةً اختطفت. وقوله فهوى وجائشها يفور يريد: سقط وما يجيش من نجيعه يسيل وقد علاه الزبد لكثرته وقوته، فهو يمور ولا يرقأ ولا يهدأ. ومعنى متدارك الإزباد أي متتابعه، أي إزباده لا ينقطع.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع