تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال المتلمس

ألم تر أن المرء رهن منيةٍصريعٌ لعافي الطير أو سوف يرمس
فلا تقبلن ضيماً مخافة ميتةٍوموتن بها حراً وجلدك أملس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

قال هذا فيما كان بين ضبيعة وبكر بن وائل، ومعنى ألم تر اعلم. يقول: الإنسان مرتهنٌ بأجله، فإما أن يموت حتف أنفه فيدفن، وإما أن يقتل في معركةٍ فيترك لعوافي السباع والطير. وجعل رهن منيةٍ وصريعٌ لعافي الطير جميعا خبرين لأن، ثم أتي بأو الإباحة. ويجوز أن ينتصب صريعٌ على الحال، وفي رفعه وجهٌ آخر، وهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه هو صريعٌ. وإن جعلت أو التي تكون للشك يكون الكلام مبنياً على اليقين ثم يعترض فيه الشك. والأصلح في مثل هذا أن يجعل بإما، ليكون بنية الكلام على الشك، إذ كان واحدٌ من الأمرين لا يتيقن.

وقوله فلا تقبلن ضيماً يقول: أدفع عن نفسك خطة الضيم والهضيمة، ولا تلتزم العار والدنية، إشفاقاً من المنية. وانتصب مخافة على أنه مفعولٌ له. وقوله وموتن بها، الضمير من بها يرجع إلى المخافة، أي مت بتلك المخافة حراً لم يستعبدك الخصم، ولم يستوطئك الظلم، وجلدك نقيٌ من العيب، سليمٌ من العار والشين. ويروى " واحين بها حراً وجلدك أملس " والرواية الأولى أحسن، ويكون واحين أمراً بالحياة وقد أدخل عليه النون الخفيفة. ومعنى يرمس: يدفن. والرمس: الدفن. والرياح الروامس منه، وتوسعوا في الدفن فقيل ارمس هذا الحديث، كما يقال ادفن. وعافي الطير: ما يعتري منه. ويقال فلانٌ كثير العافية والعفاة، ويراد الزوار والمجتدون.

فمن طلب الأوتار ما حز أنفهقصيرٌ وخاض الموت بالسيف بيهس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»
نعامة لما صرع القوم رهطهتبين في أثوابه كيف يلبس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

قصيرٌ: صاحب جذيمة الأبرش. وقصة جذيمة وزباء الرومية مشهورة. وإن قصيراً توصل بأن جدع أنف نفسه، إلى أن استخدمته زباء ثم استخلصته حتى تمكن فأدرك ثأره منها. وبيهسٌ هو الذي يلقب نعامة، وهو رجلٌ من بني غراب بن فزارة، وكان يحمق، فقتل له سبعة إخوة فجعل يلبس القميص مكان السراويل، والسراويل مكان القميص، فإذا سئل عن ذلك قال:

البس لكل عيشةٍ لبوسهاإما نعيمها وإما بوسها

فتوصل بما صوره من حاله عند الناس إلى أن طلب بدماء إخوته. وحديثه مشهور أيضاً. وكلام المتلمس بعثٌ وتحضيضٌ على دفع الضيم، وركوب الإباء من التزام العار، فلذلك أخذ يذكر بحال من استضعف. فلم يزل يحتال حتى أدرك مباغيه من أعدائه.

وقوله: ما حز أنفه ما زائدة. وارتفع نعامة على أنه بدلٌ من قوله بيهس. وموضع كيف نصبٌ على أنه مفعول تبين، والعامل في كيف يلبس تبين. كأنه قال: تبين في أثوابه يلبس أي لبسةٍ.

وما الناس إلا ما رأوا وتحدثواوما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

قوله ما رأوا ما مع الفعل في تقدير مصدرٍ، كأنه قال: وما الناس إلا رؤيةٌ وتحدث، أي اعتبار بالمشاهدة أو بما يروى من أخبار الأمم البائدة؛ فهو كقولك: ما زيدٌ إلا ذو أكلٌ وشرب، فيكون إما على حذف المضاف، كأنه قال: ما زيدٌ إلا ذو أكلٍ وشربٍ؛ وإما أن يكون لكثرتهما منه، وولوعه بهما، كأنه نفس الأكل والشرب. فيقول: ما الناس إلا ذوو الاعتبار بما يشاهدونه أو يسمعونه من أخبار أسلافهم، فيتيقنون بأنه لا بد من الفناء، فلا ينبغي لأحد أن يحتمل ضيماً أو يصبر على مكروه، وما العجز إلا أن يظلموا ويساموا الخسف فيرضوا به، وينطووا عليه كاظمين وساكنين. ويجوز أن يريد بقوله وما الناس: وما حزم الناس، فحذف المضاف، ويكون حينئذ ما رأوا في موضع الظرف، كأنه أراد: ما حزمهم إلا مدة رؤيتهم وتحدثهم، أي إذا اعتبروا بالأمرين، ويكون هذا في باب الإخبار كقولهم: الهلال الليلة، على تقدير حدوث الهلال أو طلوعه الليلة. ويكون الدلالة على هذا الوجه أنه طابقه بقوله وما العجز.

ألم تر أن الجون أصبح راسياًتطيف به الأيام ما يتأيس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

الجون: حصن اليمامة، ويقال إنه من مصانع طسمٍ وجديس. فيقول: لا توعدونا فإن حصننا حصينٌ لا يوصل إليه، ولا يستباح حماه. ومعنى تطيف به الأيام تلم به الأحداث وتنوبه النوائب فلا يطيع. وقوله لا يتأيس أي لا يلين. وأنشد الأصمعي:

إن تك جلمود صخرٍ لا أؤيسهأوقد عليه فأحميه فينصدع

وموضع تطيف به الأيام نصبٌ إن شئت على الصفة، وإن شئت على أنه خبرٌ بعد خبرٍ. وموضع ما يتأيس نصبٌ على الحال، والعامل فيه تطيف.

عصى تبعاً أزمان أهلكت القرىيطان عليه بالصفيح ويكلس

يروى:

أيام أهلكت القرىيطان على صم الصفيح ويكلس

يقول: إن تبعاً لما غزا القرى والمدن لم يصل اليمامة للحصن. وذكره العصيان كما قال غيره. تمرد مارد وعز الأبلق. وقوله يطان عليه بالصفيح أي يجعل بدل طينه في الإصلاح والعمارة الكلس بالحجارة. ويجوز أن يكون بالصفيح في موضع الحال، أي يطان ويكلس بصفائحه، أي وهو مبنيٌ الحجارة.

هلم إليها قد أثيرت زروعهاوعادت عليها المنجنون تكدس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

يخاطب النعمان. وإليها أي إلى اليمامة. وهذا الكلام تهكمٌ وسخرية. يقول: إن قدرت عليها فاقصدها فإنها أخصب ما يكون، مزدرعها مثارٌ وداليتها تدور. ومعنى تكدس يركب بعضها بعضاً في الدوران. ويستعمل في سير الدواب وغيرها. وقال ابن الأعرابي: التكدس أن يحرك منكبيه إذا مشى. وقال الأصمعي. هي من مشى القصار الغلاظ. ويقال كدس به الأرض إذا ضربها به. وأنشدت:

وخيلٍ تكدس بالدارعين نازلت بالسيف أبطالها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»

وروى بعضهم: " قد أبيثت زروعها ". والإباثة: الإثارة. وقوله هلم إليها كما يقال أقبل إليها. وقد مضى القول في هلم.

وذاك أوان العرض حي ذبابهزنابيره والأزرق المتلمس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

ويروى جن ذبابه أي كثر ونشط. والعرض: وادٍ من أودية اليمامة، فلك أن تجره بإضافة الأوان إليه وهو مرفوعٌ، ولك أن تنصب الأوان فترفع العرض بالابتداء،

واسم الزمان يضاف إلى الجمل من الابتداء والخبر، والفعل والفاعل، وكأنه قال: وهذا الذي ذكرت هو في هذا الأوان. وقوله حي ذبابه أي عاش بالخصب فيه. وزنابيره يرتفع على أنه بدلٌ من الذباب. وذباب الروض قد تسمى الزنابير. وقوله والأزرق المتلمس إشارة إلى جنسٍ آخر غير الأول، وهو ما كان أخضر ضخماً. والمتلمس: الطالب، ويقال إنه سمي المتلمس بهذا البيت، واسمه جرير بن عبد العزى.

يكون نذيرٌ من ورائي جنةًوينصرني منهم جليٌ وأحمس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»
وجمع بني قران فاعرض عليهمفإن يقبلوا هاتا التي نحن نوبس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

قوله " يكون نذيرٌ " قيل فيه هو نذير بن بهثة بن وهب بن حرب. وقيل أراد بالنذير المنذر. والمعنى: إني أرصد لهم من ينذرني بهم فيخبرني بمجيهئهم إذا هموا به، فأتقي وأستجن وأتحرز. وجليٌ وأحمس من ضبيعة بن ربيعة بن نزار يقول: وإذا جاء وقت التجاذب والتدافع قام بنصري هذان البطنان. وقوله وجمع بني قران النصب فيه على إضمار فعل، كأنه قال: سم جمع بني قران، ويكون الفعل الظاهر تفسير المضمر؛ والرفع على الابتداء. ومعنى البيت: أجرونا مجرى نظرائنا فإنا نرضى بهم قدوةً، واعرضوا ما تسوموننا على بني قران، فإن وجدتموهم يتلقونه بالقبول، ويوطنون أنفسهم عليه، فلنا بهم أسوةً، وإلا فالامتناع منه واجبٌ. وقوله هاتا التي نحن نوبس أي هذه الخطة التي نكره عليها. والأبس: القهر. وقال ابن الأعرابي: أبست الرجل، إذ لقيته بما يكره؛ وأبست منه، إذا وضعت منه باستخفافٍ به وإهانةٍ له. وجواب الجزاء لم يجيء بعد.

فإن يقبلوا بالود نقبل بمثلهوإلا فإنا نحن آبى وأشمس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»
وإن يك عنا في حبيبٍ تثاقلٌفقد كان منا مقنبٌ ما يعرس

قوله فإن يقبلوا بالود أعاد به الشرط، وذاك أنه قال في البيت الذي قبله فإن يقبلوا هاتا التي نجن نوبس، ولم يأت للشرط بجوابٍ، ثم قال فإن يقبلوا بالود نقبل بمثله، فاكتفى بجوابٍ واحد لاشتماله على ما يكون جواباً لهما، فكأنه قال: إن قبلوا ما نوبس نقبل مثله، وإن أقبلوا بعد ذلك وادين ووامقين أقبلنا بمثله، وإلا فنحن أشد

إباءً، وأبلغ شماساً، وأحمى أنفا وأعز جانباً، والشماس: الامتناع، ومنه شماس الدابة، وهو أن لا يمكن من الإسراج والإلجام. وكانت بنو ضبيعة حلفاء لبني ذهل بن ثعلبة بن عكابة، فوقع بينهم نزاعٌ، فعاتبهم المتلمس. وقوله وإن يك منا في حبيبٍ تثاقلٌ فإنه أراد حبيبٍ فخفف، وهو حبيب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل. يقول: إن تكاسل بنو حبيب عن طلب دمائنا، وتثاقلوا عن إدراك ثأرنا، فقد كان منا من يدأب ويسهرن فلا يرى تعريساً وتلوماً وتعريجاً في ذلك. والمقنب: زهاء ثلاثمائةٍ من الخيل. والتعريس: نزولٌ في آخر الليل.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١١)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.