من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سعد بن ناشبٍ
تفندني فيما ترى من شراستيوشدة نفسي أم سعدٍ وما تدري
فقلت لها إن الحليم وإن حلاليلفي على حال أمرٍ من الصبر
تفندني أي تجهلني. والفند: إنكار العقل من هرمٍ. يقال شيخٌ مفندٌ. وفي القرآن: " لولا أن تفندون "، أي تجهلوني، وفسر على تكذبوني أيضاً. والشراسة: صعوبة الخلق وخشونة الجانب. فيقول: تعيبني هذه المرأة على ما ترى من عسر الخلق وإباء النفس وفظاظة القلب، جاهلةً بأحوال الرجال، والفصل بين أوقات الجد والهزل، والشدة والليان، فأجبتها وقلت: إن الرجل الحليم وإن لان عطفه وسهل خلقه فقد يوجد في وقت الغلظة وعند حالة القسوة أمر مرارةً من الصبر، وأشد صلابةً من الحجر. وقوله وما تدري في موضع الحال. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
وإني لحلوٌ إن أريدت حلاوتيومرٌ إذا نفس العزوف اقشعرت
وفي اللين ضعفٌ والشراسة هيبةٌومن لا يهب يحمل على مركبٍ وعر
الواو من قوله والشراسة عاطفةٌ لجملةٍ على جملةٍ، ولا يجوز أن يجر الشراسة على أن يكون معطوفاً على في اللين، لما فيه من العطف على عاملين بحرفٍ واحدٍ. ومعنى البيت أن من استلين جانبه في كل حالٍ استضعف واهتضم، ومن استخشن خلقه هيب وتحومي.
وما بي على من لان من فظاظةٍولكنني فظٌ أبيٌ على القسر
في هذه الطريقة قول الآخر:
أبيٌ لما آلى سريعٌ مباءتيإلى كل نفسٍ تنتحي في مسرتي
يقول: أضع كل واحدٍ من الفظاظة والسهولة، والشراسة والسلاسة، في موضعه، وأستعمله مع من يستحقه، فمن جرى معي وانقاد لي لنت له، وقابلته بمثل فعله، ومن تأبى علي وطلب مني متابعته والجري مع هواه أبيت عليه، وخالفته فيما يبتغيه. والقسر: القهر على الكره، ويقال قسرته واقتسرته، ومنه قيل للأسد قسورةٌ.
أقيم صغا ذي الميل حتى أردهوأخطمه حتى يعود إلى القدر
فإن تعذليني تعذلي بي مرزأًكريم نثا الإعسار مشترك اليسر
قوله أقيم صغا ذي الميل، تبجج فيه بأنه عارفٌ بأسرار الرجال، لطيف التوصل إلى إنزالهم منازلهم، بصيرٌ بمداواة أدوائهم، لا يتركهم سدىً، ولا يخليهم إهمالاً. والصغا: الميل والاعوجاج، يقال صغا فؤاده يصغى ويصغو، أي مال. وصغوك مع فلانٍ، أي ميلك. يقول: من مال عنا فإني أقوم اعوجاجه بما يحوج إليه من قولٍ وفعلٍ، حتى أرده إلى ما أريده، فإن تبينت فيه تعدياً لطوره، وذهاباً عن حقه وحده، زممته بزمام مثله حتى يرجع إلى مرتبته وقدره. وقوله فإن تعذليني يصف نفسه بأنه سمحٌ معطاءٌ، لا يكف عن البذل، ولا يرد عن الإعطاء والجود، على تلون الزمان به، وتغير الأحوال عليه. والمرزأ: المصاب في ماله كثيراً. وقوله تعذلي بي مرزأً، أي رجلاً مرزأً، وذلك الرجل هو هو كما يقال: لقيت بزيدٍ الأسد. والنثا: الخبر، ويستعمل في الخير والشر، والثناء لا يستعمل إلا في الخير، يقول: إن لمتني على ما هو دأبي من الإفضال، لمت بي رجلاً لا يفكر في عقب الدهر، وكروره بالغنى والفقر، فإن نابه العسر حسن بلاؤه وكرمت أخباره فيه، وإن ناله اليسر أشرك الأقارب والأجانب في نفعه، فعمت فواضله لديهم.
وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. فمن ذلك قول الشمردل:
وصولٌ إذا استغنى وإن كان مقتراًمن المال لم تحف الصديق مسائله
وقول المرار:
إذا افتقر المرار لم ير فقرهوإن أيسر المرار أيسر صاحبه
وأحسن من الجميع قول الآخر:
إذا افتفروا عضوا على الفقر حسبةًوإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر
إذ هم ألقى بين عينيه عزمهوصمم تصميم السريجي ذي الأثر
يذكر من نفسه الصرامة والنفاذ، وفصل الأمور، والصبر على ممارسة الخطوب. يقول: إذا عزم على الأمر كان جميع الرأي، يجعل المهموم به نصب عينيه، حتى يخرج منه، ونفذ نفاذ السيف الخذم لا يتوقف في الضريبة، ولا يكهم. والسريجي: منسوبٌ، ويجوز أن يكون وصف بذلك لكثرة ماله ورونقه، حتى كأن فيه سراجاً؛ ومنه قيل: سرج الله أمرك، أي حسنه ونوره. والتصميم: المضي في الأمر، ويقال صمم في عضته، إذا نيب. قال:
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرىمساغاً لنابيه الشجاع لصمما
والأثر: الفرند والماء، ويقال أثرٌ بالضم.
وقال أيضاً:
لا توعدنا يا بلال فإنناوإن نحن لم نشقق عصا الدين أحرار
يخاطب بهذا الكلام بلالاً الخارجي، ويعيره خروجه من طاعة السلطان وشقه عصا الإسلام، فيقول: اترك توعدنا فإنا وإن لم نفرق الجماعة تفريقك، ولم نخالف المسلمين مخالفتك فإن فينا كرماً وإباءً يحمينا من الانهضام، ويحرم علينا الصبر على المذلة والعار، فلا طريق لك إلى تملكنا والتحكم فينا. وقال الخليل قولهم شق عصا المسلمين، العصا: الاجتماع والائتلاف. والأجود عندي أن يكون مثلاً كما يقال للرفيق الحسن السياسة: هو لين العصا، وفي ضده: هو صلب العصا، وكقولهم: قشرت له العصا، إذا أبنت له ما في نفسك، وكما قيل: " عصا الجبان أطول ". وقال بعضهم يصف الخوارج:
رجوا بالشقاق الأكل خضماً فقد رضواأخيراً من أكل الخضم أن يأكلوا قضما
فأتى بالشقاق وأصله من شق العصا.
وإن لنا إما خشيناك مذهباًإلى حيث لا نخشاك والدهر أطوار
يتوعده بأنه إن أعياه مقارته ولم يف بمدافعته، فارق أرضه وتربص به ما لا يؤمن من تغير الزمان، وتحول الأحوال، لأن في سعة الأرض مذهباً له، وفي التباعد عنه راحةً تؤمنه. وقد أومأ بقوله والدهر أطوار إلى تصاريف الزمان، وتلونه بالخير تارةً وبالشر أخرى. ويقال الناس أطوارٌ، أي أخيافٌ على حالاتٍ شتى. وفي القرآن: " وقد خلقكم أطواراً ". وقوله إلى حيث لا نخشاك أجرى حيث مجرى الأسماء، وجعل لا نخشاك من تمامه، وحذف الضمير منه تخفيفاً، كأنه قال إلى حيث لا نخشاك فيه، أي إلى مكان الأمن منك. ويروى " فإن لنا عنكم مزاحاً ومذهباً ". والمزاح: المبعد، يقال: زاح عني.
فلا تحملنا بعد سمعٍ وطاعةٍعلى غايةٍ فيها الشقاق أو العار
يقول: لا تلجئنا بعد انقيادنا لك في كثير من الأمور، ودخولنا تحت هواك، وتلقينا بالسمع والطاعة أمرك، إلى غايةٍ تضيق نطاق صبرنا، وتعجز طاقتنا وجهدنا، فتفضى بنا الحال إلى أحد شيئين، إما مشاقتك ومجاهدتك، وركوب كل صعبٍ وذلولٍ في الخروج عنك وعليك، وإما الرضا بالدنية والدخول تحت العار والهضيمة، فلا حظ لنا ولك في واحدةٍ منهما. وقد مضى القول في الشقاق وأصله. يقال هو يشاقهم خلافاً وعناداً.
فإنا إذا ما الحرب ألقت قناعهابها حين يدفوها بنوها لأبرار
قوله إذا ظرفٌ لخبر إن، وهو أبرار. وكذلك قوله حين يجفوها، والتقدير: إنا لأبرار بالحرب إذا ألقت قناعها وجفاها أبناؤها. وقوله ألقت قناعها مثلٌ. يريد: إذا اشتدت فتكشفت، وزالت المساترة بين أولادها فتبرجت، في أقبح زيها وأفظع صورتها. وتشبيه الحرب في ابتدائها بالفتية المخدرة وتسترها، وعند تفاقمها بالعجوز واطراحها لقناعها، مشهور في عاداتهم وطرائقهم. وبر أبنائها بها: صبرهم على حرها، وتهييجهم لنارها. وجفاؤهم بها أن يكونوا على الضد من ذلك.
ولسنا بمحتلين دار هضيمةٍمخافة موتٍ إن بنا نبت الدار
هذا خلاف قول الآخر:
إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلواعليها وردوا وقدهم يستقيلها
وانتصب مخافة على أنه مفعولٌ له، الهضيمة والمضيمة واحد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع