تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال جريبة بن الأشيم الفقعسي

فدىً لفوارسي المعلمين تحت العجاجة خالي وعم
للشاعر جريبة الأسدي، اقرأ القصيدة
هم كشفوا عيبة العائبينمن العار أو جههم كالحمم

حمدهم لما ظهر من وفائهم وبلائهم، ففداهم وأثنى عليهم. والمعلم: الذي شهر نفسه في الحرب بعلامةٍ لكي إذا أبلى عرف بها. والعجاج: الغبار، وكذلك العجاجة. ويقال لف عجاجته على بني فلانٍ، إذا أغار عليهم. وقوله خالي في موضع الرفع، لأنه خبر المبتدأ. وقوله هم كشفوا عيبة العائبين: العيبة: شبه الخريطة من الأدم. وهذا مثل، أي أظهروا من عيب من كان يطلب عيبهم ما كان خافياً، وكذبوهم فيما كانوا يختلقونه ويتنفقونه به، فكأنهم كشفوا عيابهم المنطوية على عيوبهم، فاسودت وجوههم بما غشيها من العار حتى صارت كالحمم. ويقال: " فلانٌ عيبة عيوبٍ، ومذنب ذنوب ". ويقال: عاب المتاع وغيره، إذا صار ذا عيبٍ؛ وعبته أنا، أي جعلت فيه عيباً. وعلى هذا قول الله تعالى: فأردت أن أعيبها. والحمم: الفحم. ويقال جاريةٌ حممةٌ، أي سوداء.

إذا الخيل صاحت صياح النسورحززنا شراسيفها بالجذم

يقول: إذا ضجت الخيل من الطعن الواقع على نحورها، وهمت بالازورار أكرهناها على الصبر والتقدم. ومثله قول خذاش بن زهير:

يصيحون مثل صياح النسور من أسلٍ واردٍ صادر
للشاعر خِداش العامِري، اقرأ القصيدة

ومعنى حززنا قطعنا. والشراسيف: مقاط الأضلاع: والجذم: السياط. وقوله صاحت صياح النسور، يريد صياحاً يشبه صياح النسور. وإذا ظرفٌ لقوه حززنا.

إذا الدهر عضتك أنيابهلدى الشر فأزم به ما أزم
للشاعر جريبة الأسدي، اقرأ القصيدة

هذا مثلٌ، والذي أشار إليه بالأنياب نوب الدهر وحوادثه. وقوله فأزم به أي اعضض به، والمعنى صابره. والتوسع في الأزم والعض على طريقةٍ، يقال: هذا عضيضي وأنا عضيضه، أي نتشاكس في الأمر. وإني لعضاض عيشٍ، أي صبورٌ على شدته. و " ما أزم " ما مع الفعل في تقدير المصدر، واسم الزمان محذوفٌ معه، فهو

في موضع الظرف. والمعنى: اعضض به مدة عضه بك. ورواه بعضهم: " فا رزم له ما رزم "، والمعنى: اثبت له ما ثبت لك. وإنما قال فأزم به طلباً للمطابقة والموافقة. على هذا قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه "، والثاني ليس باعتداء، بل هو جزاؤه. وجواب إذ قوله فأزم به وهو العامل فيه.

ولا تلف في شره هائباًكأنك فيه مسر السقم
للشاعر جريبة الأسدي، اقرأ القصيدة

في شره، أي في سر الدهر. يقول: لا توجدن فيما تدفع إليه وتمتحن به من نوائب الدهر خائفاً متهيباً مستشعراً لليأس من النجاح، وانقلاب الأمر إلى الخير والصلاح، فتكون بمنزلة من به داءٌ عضالٌ لزمه، فأعياه مداواته حتى يئس من إقلاعه وذهابه، فجعل يكتمه ويخفي أثره، وهو خائفٌ مما يتعقبه. ورواه بعضهم: مشر السقم. أي مظهره. وهذا كما روى بيت امرئ القيس:

لو يشرون مقتلي

وأنشد فيه:

وحتى أشرت بالأكف المصاحف

ومعناه تغتم لما تقاسيه، وتخاف نزول أمثاله، فتنخزل وتنقطع، فعل الوصب المريض إذا اشتكى مما به.

عرضنا نزال فلم ينزلواوكانت نزال عليهم أطم
للشاعر جريبة الأسدي، اقرأ القصيدة

يقول: عرضنا عليهم المنازلة فقلنا نزال، لما ضاق مجال الخيل عن الطراد، فتكرهوه ولم ينشطوا له. وكانت هذا العرضة بهذه اللفظة أشد عليهم وأغلب لهم من كل ما تقدم من ألفاظ التداعي والتجاذب. وقد تقدم في لفظة نزال وبنائه وتأنيثه وحقيقته ما فيه كفايةٌ. ومعنى أطم يقال طم البحر، إذا غلب سائر البحور. والطامة: الخصلة التي تطم على ما سواها. وفي القرآن: " فإذا جاءت الطامة الكبرى "، يراد به القيامة.

وقد شبهوا العير أفراسنافقد وجدوا ميرها ذا بشم
للشاعر جريبة الأسدي، اقرأ القصيدة

العير: الإبل عليها الميرة وغيرها. وقال بعضهم: هو من قولهم: عار الشيء: ذهب، يعير، وهي جماعات السفر، ووزنه فعل، جمع عائرٍ، كعائذٍ وعوذٍ، إلا أن العين كسرت لتدل على الياء. والمير: مصدر مارهم يميرهم، إذا نقل إليهم الميرة. والمعنى: لجهلهم بخصمهم، وثقتهم بأنفسهم وتمكن البغي من اختيارهم ونظرهم، عدونا غنيمةً تغتنم، وإبلاً بأجمالها تساق وتقتسم، فقد استوبلوا عاقبة غنيمتهم وذاقوا وخامة ميرتهم. والبشم: الثقل، يقال بشمت من الطعام، وبغرت من الماء.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٥)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.