من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت امرأةٌ أخرى
طاف يبغي نجوةًمن هلاكٍ فهلك
ليت شعري ضلةًأي شيءٍ قتلك
النجاة والنجوة: ما ارتفع من الأرض حتى لا يصل إليه السيل ولا يبلغه. قال:
فمن بنجوته كمن بعقوتهوالمستكن من يمشي بقرواح
فجعله ها هنا مثلاً لما كان يطلبه من وجه الخلاص من الآفات. وكأن هذا المرثي كان استشعر خوفاً من الموت فأخذ يتنقل في البلاد والبقاع ويتطلب موضعاً يبعده من الآفات، فبقى يتردد في ذلك ويتحير، فإذا الهلاك قد فاجأه من حيث لا يحتسب ولا يرتقب. وإنما نكر من هلاكٍ لأنه جعل كل نوعٍ منه هلاكاً، ولم يدر ماذا يصيبه.
وقوله ليت شعري موضع شعري نصبٌ في معنى علمى. ويقال شعرت شعرةً كما يقال فطنت فطنة، إلا أنه لا يستعمل مع ليت إلا وقد حذف الهاء منه. وقوله أي شيء قتلك الجملة كما هي في موضع نصب، لأنه نابت عن مفعوليه. وخبر ليت مضمر لا نجده إلا كذلك، فهو يشبه خبر المبتدأ بعد لولا إذا قلت لولا زيد لخرجت، لأن لخرجت جواب لولا. وخبر المبتدأ محذوف لا يجيء إلا على ذلك. واستغناء ليت بمعولي شعري عن خبره، كاستغناء المبتدأ بعد لولا بجوابه عن خبره. وضلةً، انتصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر. وهذا الضلال يجوز أن يكون لنفسه فيما استبهم علها من حال المتوفي، كأنه ضل عن العلم ضلة، ويجوز أن يكون للمتوفي نفسه، كأنه عد غيبته وخفاء أمره ضلالا له، والمعنى: تمنيت أني أعلم أي شيء أهلكك، وهذا لضلالي عن معرفة حالك، وذهابي عن العلم به. وهذا على الأول، وعلى الثاني يكون المعنى: ما الذي قتلك حتى ضللت هذا الضلال.
فإن قيل: خبر ليت كيف يجيء في التقدير وإن لم يظهر في الاستعمال. قلت: تقديره ليت شعري واقعٌ أي شيء قتلك، أي ليتني علمت أو وقع علمي بما يقتضي هذا السؤال، لأن الذي تمناه هو ما كان جوابه لا نفس السؤال.
أمريضٌ لم تعدأم عدوٌ ختلك
كل شيءٍ قاتلٌحين تلقى أجلك
والمنايا رصدٌللفتى حيث سلك
أي شيءٍ حسنٍلفتىً لم يك لك
قوله أمريض لم تعد هو إعلام منها بأنه تغيب فخفي أمره فيما أصابه حتى لم يبن له أثر، ولا لمرضه نبأ. وهو يجري مجرى البيان لقولها أي شيء قتلك فتقول: أمريضٌ كنت في غربةٍ ووطن وحشةٍ، فمت حتف أنفك فلا يعودك مشفق، ولا يتفقدك ممرض، أو اغتالك عدو فتوصل إلى الغيلة في بابك بإعمال الختل والحيلة. ويروى: أو رصيدٌ ختلك، والمعنى: أو خدعك عن حياتك من كان بالمرصاد لك من أعدائك. وقال الخليل: الختل: تخادعٌ عن غفلة.
وقوله:
كل شيءٍ قاتلٌحين تلقى أجلك
تريد الإخبار عن استواء أسباب الموت في الأخذ والظفر، إذا دنا الأجل. وأن كل سببٍ ينوب مناب الآخر إذا انتهت المدة.
وقوله:
والمنايا رصدٌللفتى حيث سلك
تريد به أن البقاع والتحول فيها لا يغني؛ لأن حكم الله تعالى يبحث وينقب عن المطلوب حيث كان، فالموت رصدٌ للفتى حيث استطرق وأبى توجه.
وبعضهم يرويه: والمنايا رصد كأنه جمع الراصد لكون المنايا جمعاً. والأول أفصح وأجود.
وقوله:
أي شيءٍ حسنٍلفتى لم يك لك
يصفه ببراعته وتكامل محاسنه، واستتمام آلات الرياسة فيه، فكأنه لا يستحسن من الفتيان شيءٌ خَلقا ولا خُلقُا إلا وقد كان حصل له، واجتمع فيه. وقد تقدم القول في حذف النون من لم يك.
سأعزي النفس إذلم تجب من سألك
إن أمراً فادحاًعن جوابي شغلك
طالما قد نلت فيغير كدٍ أمك
قوله سأعزي النفس أي سأصبرها، إذ كنت مع السائلين - وإن اختلفوا - على حدٍ واحدٍ في ترك مجاوبتهم، فعممت ولم تخص. وهذا التعزي الذي أشار إليه ليس لتسلٍ عن المفقود، ولا لتناسٍ منه، ولكنه طيب النفس بتشارك الناس في إمساكه عن إجابتهم.
وقوله: إن أمراً فادحاً اكتسب أمرٌ وهو نكرةٌ من النعت الذي تبعه بعض الاختصاص، فلذلك صلح الابتداء به حتى دخل إن عليه. ألا ترى أن فائدته مع إبهامه كاملةٌ في المراد، والمعنى: إن عظيماً من الأمور صرفك عن رسمك ودأبك في مباسطتي ومباثتي. ولأن الكلام قد يحمل على المعنى فيما يستفاد منه، فكأنه قال: ما صرفك وشغلك عن جوابي إلا أمرٌ عظيم فادح؛ إذ كانت العادة قدمت منك في حسن التوفر علي والإقبال، لتوجه خطابي نحوك.
وقوله:
طالما قد نلت فيغير كدٍ أملك
إيذانٌ بأنه نال من الدنيا كثيراً من إرادته وأمانيه، حين هبت أرواحه، وساعدته أيامه وحالاته، وأنه طالما كان يتحصل له المباغي بلا كدٍ لإقبال الدنيا عليه، ويتسهل له المطالب لاقتران المناجح بما لديه أو إليه، وفي ذلك بعض التسلي للجازعين له، والمتوجعين لفنائه.
وقد تقدم القول في لفظه طالما وبينت معناه وهجاءه في الكتاب:
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع