من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال العجير السلولي
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصبابمر ومردى كل خصمٍ يجادله
يروى تركنا أبا الحجناء وهو فيما أظنه كنية المرثي. وجعله أبا الأضياف لتوفره عليهم، ولأن داره كانت مثواهم. وهم يقولون: فلانٌ أبو مثواى، وفي المرأة: أم مثواى، لمن قراهم. وأشار بليلة الصبا إلى ليلةٍ بعينها اتفق فيها على هذا الرجل بمر، وهو موضعٌ، اجتماع الخصوم حوله. والمردى: صخرةٌ يكسر بها النوى؛ هذا أصله، ثم يقال فلانٌ مردى الخصوم، أي يرمون به فيكسرهم. وقوله كل خصم أراد بالخصم الكثرة، كأنه حضره من كل قبيلٍ من مخالفيه مردى لهم يجادله عنهم ويجاذبه. وقوله بمر منعه من الصرف لأنه جعله مؤنثاً معرفة، ولو ذكره لصرفه. والواو من قوله ومردى كل خصم واو الحال. والصبا: ريحٌ تستقبل القبلة؛ والفعل منه صبا يصبو. وأضاف الليلة إلى الصبا تعريفاً وتخصيصاً، كأنه كان للصبا شأنٌ في تلك الليلة.
تركنا فتى قد أيقن الجوع أنهإذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله
يقول: تركنا في ذلك المكان فتىً كان ربيعاً للفقراء، ومألفاً للأضياف. وإذا اشتد الزمان وأسنت الناس تيقن الجدب والقحط أنه لا يقاره، بل يقتله بما يفيضه على الناس من إحسانه، ويشملهم من تفقده وبره. وقوله قد أيقن الجوع إلى آخر البيت، من صفة الفتى، وفي طريقته قول الآخر:
يقاتل جوعهم بمكللاتٍمن الفرني يرعبها الجميل
وقوله إذا ما ثوى ظرفٌ لقاتله.
فتى قد قد السيف لا متضائلٌولا رهلٌ لباته وأباجله
معنى قد قد السيف أنه في مضائه ونفاذه كالسيف. والقد: القطع طولاً. ويقال: هو حسن القد، أي التقطيع؛ وهو على قده، أي على قدره. وهو يقتد الأمور بالسيف، إذا دبرها بالسيف. ومعنى لا متضائل: لا متخاشع. والضؤولة: الدقة، يقال: هو ضئيل الجسم. والرهل: المسترخي اللحم من السمن. يقال: فرسٌ رهل الصدر. واللبات: جمع اللبة، وهو الصدر؛ وجمعه على ما حوله، أو جعل كل قطعةٍ لبة. والأباجل: جمع أبجل، وهو عرقٌ في الساق، والمعنى أنه ليس بكثير اللحم على الصدر غليظ الساق. وهم يتمدحون بالهزال ويذمون السمن. ويروى وبآدله، وهو ما بين العنق والترقوة. ومعنى البيت: أنه في قد السيف ومضائه، لا يشينه تخاضعٌ، ولا هو سمينٌ مسترخي اللحم على الصدر ولا على ما حوله. ولا متضائل، ارتفع متضائل على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا هو متضائل. ولباته ارتفع بفعله، وفعله رهلٌ.
إذا جد عند الجد أرضاك جدهوذو باطلٍ إن شئت ألهاك باطله
يسرك مظلوماً ويرضيك ظالماًوكل الذي حملته فهو حامله
يصفه بأنه كان مستصلحاً للهزل والجد، فإن جد حسن جده وتناهى الرضا به والاستحسان له، وإن هزل ألهى هزله على اقتصادٍ فيه واستطابة له، لأنه أخذ من مكارم الأخلاق بأوفر النصيب، فهو ينخرط في كل سلك، ويدخل في كل شأنٍ وأمر.
وقله يسرك مظلوماً انتصب مظلوماً على الحال. يقول: إن اهتضمت انتقم لك من ظلمك، وإن اهتضمت أنت غيرك لم يبعد عن نصرتك. وهذا على طريقتهم في قولهم: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ". وقوله وكل الذي حملته فهو حامله يصفو برحابة الصدر والأخذ في كل ما يدعى إليه بالصبر، وأنه يتحمل الأعباء الثقيلة
عن ذويه والمنتسبين إليه، لا يضجر بما يحل بفنائه، ولا يتسخط أمراً يقترح عليه، أو يستنهض إليه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع