تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو الحجناء (٢)

أعاذل من برزأ كحجناء لا يزلكثيباً ويزهد بعده في العواقب

يقول: يا عاذلة، من يصب بمثل من أصبت به يتصل اكتئابه، ويدم زهده في عواقب أطهار النساء ومباشرتهن علماً بأن مثل ذلك الولد لا يعتاض منه. وحجناء: ابنه. كأن عاذلة آذته بتكرير الوصاة عليه وإدامة الوعظ له، وأن ما يأتيه من التفجع مستسرفٌ ومستقبحٌ، لخروجه عن العادات، فأقبل يجيبها ويذكر عذره لها. وقد صرح غيره بهذا المعنى فقال:

أفبعد مقتل مالك بن زهيرٍترجو النساء عواقب الأطهار
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»
حبيباً إلى الفتيان صحبة مثلهإذا شان أصحاب الرحال الحقائب

انتصب حبيباً على الحال للضمير في قوله بعده. وصحبة ارتفع على أنه قام مقام فاعل حبيباً. ويروى حبيبٌ إلى الفتيان فيكون خبراً مقدماً، والمبتدأ صحبة مثله. وجواب إذا ما يدل عليه صدر البيت، كأنه قال: إذا بخل أصحاب الرحال بالزاد فشأنهم امتلاء حقائبهم وقلة إنفاقهم منها، ففي ذلك الوقت يستحب الفتيان صحبة مثل ابنى حجناء، لحسن توفره، ورحابة صدره، وكرم صحابته، وجميل تفقده لأصحابه. وإنما قال صحبة مثله ولم يقل صحبته، إجلالاً له، وصيانة لاسمه، لا إثباتاً لنظيرٍ له. وعلى هذا قولهم: مثل فلانٍ لا يوازي، ومثلك لا يفعل كذا. وفي القرآن: " ليس كمثله شيءٌ ".

نظام أناسٍ كان يجمع شملهمويصدع عنهم عاديات النوائب

يريد أن داره كان مجمعاً لأناسٍ هو ينظم شملهم، ويؤلف جمعهم، فإن حزبهم من النوائب عادياتها فرقما عنهم، وإن حل بفنائهم من أثقال الزمان ما يبهظمم آساهم وتحمل عنهم. وقوله عاديات يجوز أن يكون من العداء الظلم؛ يقال عدا يعدو عدواً وعداءً وعدواناً. ويجوز أن يكون من العدو، يريد مسرعات النوائب وصادماتها. ومعنى يصدع يفرق، ومنه تصدعت الأرض بفلانٍ، إذا تغيب فاراً.

وجربت ما جربت منه فسرنيولا يكشف الفتيان غير التجارب

يريد أن ينبه على أن ما وصفه به لا عن تقليدٍ أو شكٍ والتباس، ولا عن تخمينٍ أو حدسٍ وقياس، بل عن تجريب واستكشاف على مر الأيام. فيقول: لم أرض منه بعفو أفعاله وما يختاره في مقاصده، بل أخذت أستدرجه وأتعرف غور مقاله وفعاله بالسبر والنظر، فلم أر إلا ما سر وآنس، وزاد في العلم به فأبهج. وقوله ولا يكشف الفتيان غير التجارب، يشبه الالتفات، كأنه أقبل بعد ما خبر، على إنسانٍ فقال: إن الفتيان تتشابه ظواهر أمورهم، ولم يخبرك عنهم مثل مجرب. ولهذا قيل في المثل السائر:

ترى الفتيان كالنخلوما يدريك ما النخل
بعيد الرضا لا يبتغي ود مدبرٍولا يتصدى للضغين المفاضب

قوله بعيد الرضا يريد أنه ليس بسريع الفيئة إذا سخط، لكنه يعرك أذى مجاذبه ومجاوره بجنبه، ويصبر ما أمكن، فإذا أظهر النكير، وتلقى ما يزاوله بالضجر الشديد، لم يرضه أدنى المعاذير فعل من لا حمية له ولا عزيمة. وقوله لا يبتغي ود مدبرٍ وصفه بأنه آخذٌ بالصرم إذا أحوج إليه، غير راغبٍ في الزاهد فيه. وهذا كما يقال: فلانٌ وصالٌ صروم.

وقله ولا يتصدى للضغين المغاضب معنى يتصدى أن ينظر إليه نظر غير محتفلٍ به، وكالمعرض عنه، حتى يخرجه ذلك إلى ما يطلبه. يريد أنه لا يتعرض لعدوه والمضطغن عليه، بل يتركه ينطوي على ما في صدره من غلٍ وعداوة، ولا يخرجه إلى مبادرةٍ ومكاشفة، بل يجري على المداجاة معه، منتظراً ما يكون منه،

ومحاذراً ما يتقي من جهته. وهذا كما قال الآخر:

أفر من الشر في رخوه

وقد ألم بقول الآخر:

إذا حاربت حارب من تعاديوزاد سلاحه منك اقترابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة
وكنت إذا ما خفت أمراً جنيتهيخفض جأشي ضبثك المتراعب

يصفه بحسن المدافعة عن متسببٍ إليه، ومبالغة النصرة لمن أوى إلى جنبته، فيقول: إذا خفت جريرةً ارتكبتها ثم لذت بفنائك، واعتمدت تعصبك، سكن من جأشي وأزال قلقي قبضك الواسع، ودفعك المحامي، وذبك المبالغٍ. وقوله المتراغب يروى بالغين معجمة وبالعين، فإذا روى بالغين معجمةً فهو من الرغابة. ويقال: وادٍ رغيبٌ، وحوض رغيب، أي واسع؛ ورجلٌ رغيب البطن، أي أكول. ومن روى بالعين غير معجمة فهو من قولهم سيل راعبٌ: يملأ الوادي. ومنه حسيٌ متراعب. أي واسعٌ لا يملؤه شيء. ومعنى يخفض جأشي يسكن نفسي. ويقال: هو رابط الجأش، أي قوي النفس؛ وخافض الجأش، أي ساكنه. والخفض: ضد الرفع. والتخفيض: مدك رأس البعير إلى الأرض. والضبث: القبض الشديد، ومنه يقال: ناقةٌ ضبوثٌ، أي سمينة لا يشك في سمنها، كأنه فعول في معنى مفعولة، أي حيث ضبث منها باليد ملأت الكف لحماً.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.