من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ معن بن أَوْس
ــ
الناهض من الطير الباسط جناحيه للطيران وَالْمعْنَى خير الأعواد أصلبها وأسرع الطُّيُور صقورها يَعْنِي أَن المفاخر لَا ينالها إِلَّا من هُوَ أهل لَهَا
جعل نَفسه وَقَومه نورا لبلادهم لِأَنَّهُ ينْتَفع بهم كَمَا ينْتَفع بِالنورِ وَالْعرب تَقول فِي الْمَدْح فلَان نجم الْبَلَد ونوره إِلَّا أَنهم إِذا قَالُوا فلَان شمس أَرَادوا الْغَلَبَة والظهور وَإِذا قَالُوا نور أَرَادوا الرّفْعَة والشرف وَالْمعْنَى ألم تَرَ أَنا للْقَوْم بِمَنْزِلَة النُّور للأبصار فَلَا يَهْتَدُونَ إِلَّا بِحسن تدبيرنا
وجده نصر ابْن زِيَاد يَنْتَهِي نسبه إِلَى مزينة بن أد وَهُوَ شَاعِر مجيد محسن متين الْكَلَام حسن الديباجة فخم الْمعَانِي من مخضرمي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَله مدائح كَثِيرَة فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ووفد إِلَى عمر بن الْخطاب مستعينا بِهِ على بعض أمره وخاطبه بقصيدته الَّتِي أَولهَا
تأوبه طيف بِذَات الجرائمفَنَامَ رفيقاه وَلَيْسَ بنائم
وَعمر بعد ذَلِك إِلَى أَيَّام الْفِتْنَة بَين عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وَكَانَ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان يفضل مزينة فِي الشّعْر وَيَقُول كَانَ أشعر أهل الْجَاهِلِيَّة مِنْهُم وَهُوَ زُهَيْر وَكَانَ أشعر أهل الْإِسْلَام مِنْهُم وَهُوَ ابْنه كَعْب ومعن ابْن أَوْس وَكَانَ لَهُ صديق قد تزوج معن بأخته فاتفق أَن مَعنا طَلقهَا فآلى صديقه أَن لَا يكلمهُ أبدا فَأَنْشَأَ معن يستعطف قلبه ويسترقه لَهُ بِهَذِهِ الأبيات
لعمرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجلعلى أَيّنَا تَغْدُو الْمنية أول
وَإِنِّي أَخُوك الدَّائِم الْعَهْد لم أخنإِن أبزاك خصم أَو نبابك منزل
أُحَارب من حَارَبت من ذِي عَدَاوَةوأحبس مَالِي إِن غرمت فأعقل
وَإِن سؤتني يَوْمًا صفحت ألى غَدليعقب يَوْمًا مِنْك آخر مقبل
كَأَنَّك تشفى مِنْك دَاء مساءتيوسخطي وَمَا فِي ريبتي مَا تعجل
وَإِنِّي على أَشْيَاء مِنْك تريبنيقَدِيما لذُو صفح على ذَاك مُجمل
ــ
وَجل خَافَ وَالْمعْنَى وبقائك مَا أعلم أَيْن يكون الْمُقدم فِي غدو الْمَوْت عَلَيْهِ وانتهاء الْأَجَل بِهِ وَإِنِّي لخائف مترقب
أَبْزَى بِهِ فلَان قهره وبطش بِهِ ونبا بعد ونيابه الْمنزل لم توافقه الْإِقَامَة فِيهِ
أُحَارب الخ هَذَا تَفْسِير لدوام عَهده وثبات وده وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنِّي لَك صَادِق الْمَوَدَّة دَائِم الْوَفَاء وَلَا يظْهر لَك ذَلِك إِلَّا عِنْد تطاول الْأَعْدَاء وتجافي الْمنزل فأعادي من عاداك وَإِن أَصَابَك غرم حبست مَالِي عَلَيْك لتدفع بِهِ مَا يثقلك من الدّين
الْمَعْنى إِن فعلت مَا يسوؤني تجاوزت عَنْك إِلَى غَد ليجيء يَوْم آخر مقبل مِنْك بِمَا يسرني
مساءتي يُرِيد إساءتك إِلَيّ وَكَذَلِكَ سخطي يُرِيد سخطك عَليّ وَقَوله وَمَا فِي ريبتي مَا تعجل يُرِيد لَيْسَ فِي مساءتي وَمَا يريبني ربح وَمَنْفَعَة تتعجلها وَالْمعْنَى أَنَّك تستمر فِي إساءتك إِلَيّ وسخطك عَليّ حَتَّى كَأَن بك دَاء شفاؤه بذلك وَمَا فِي مساءتي وَمَا يريبني ربح وَمَنْفَعَة توجب أَن تتعجلها
الْمَعْنى وَإِنِّي مَعَ كوني غير رَاض عَنْك لما رَابَنِي فِيك من قديم الْإِسَاءَة لصفوح ومهد إِلَيْك الْجَمِيل
ستقطع فِي الدُّنْيَا إِذا مَا قطعتنييَمِينك فَانْظُر أَي كف تبدل
وَفِي النَّاس إِن رثت حبالك وَاصلوَفِي الأَرْض عَن دَار القلى متحول
إِذا أَنْت لم تنصف أَخَاك وجدتهعلى طرف الهجران إِن كَانَ يعقل
ويركب حد السَّيْف من أَن تضيمهإِذا لم يكن عَن شفرة السَّيْف مزحل
وَكنت إِذا مَا صَاحب رام ظنتيوَبدل سوأ بِالَّذِي كنت أفعل
قلبت لَهُ ظهر الْمِجَن فَلم أَدَمعلى ذَاك إِلَّا ريثما أتحول
إِذا انصرفت نَفسِي عَن الشَّيْء لم تكدإِلَيْهِ بِوَجْه آخر الدَّهْر تقبل
ــ
الْمَعْنى أَنا لَك فِي الْمُوَافقَة بِمَنْزِلَة يَمِينك وَإِذا قطعتني فَإِنَّمَا قطعت يَمِينك فَانْظُر من الَّذِي تَجْعَلهُ بدلي ويشفق عَلَيْك شفقتي
رثت ضعفت والقلى البغض وَالْمعْنَى إِن ضعفت أَسبَاب مودتك فَفِي النَّاس من يرغب فِي مواصلتي وَالْأَرْض وَاسِعَة وفيهَا مَوضِع أنتقل إِلَيْهِ عَن قرب من يبغضني
يعقل يفرق بَين الْإِحْسَان والإساءة
مزحل مبعد وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنَّك إِذا لم تعامل أَخَاك بالإنصاف الَّذِي هُوَ شَرط فِي الْأُخوة وجدته يهجرك إِن كَانَ يفرق بَين الْإِحْسَان والإساءة فَإِذا لم يجد لَهُ مهربا من ظلمك إِلَّا حد السَّيْف رَكبه وَلم يصبر على ظلمك إِيَّاه
ظنني الظنة التُّهْمَة
الْمِجَن الترس والريث البطء وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنِّي كنت إِذا جَاوز أحد حد وفائي إِلَى حد الذلة وَبدل إحساني إِلَيْهِ بالإساءة تحولت عَن صداقته إِلَى عدواته وعاملته كَمَا يعاملني وَلم أَدَم على تحمل ضيمه إِلَّا مُدَّة تحولي
الْمَعْنى أَنِّي إِذا صرفت نَفسِي عَن الشَّيْء كَرَاهَة فِيهِ لم ألتفت إِلَيْهِ أبدا
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع