من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ جرير يرثي قيس بن ضرار بن الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة
ــ
الْمولى ابْن الْعم هُنَا والغارم من لَزِمته الدِّيَة والسبد الشَّيْء الْقَلِيل وَمعنى الْبَيْتَيْنِ رحم الله جسدا جهز بِمَا يُجهز بِهِ الْمَوْتَى وفجع بِهِ موَالِيه الَّذين كَانُوا يعيشون بخيره وَإِذا لحق أحدهم غرم احتمله عَنهُ حَتَّى لم يبْق شَيْئا من مَاله
مَا من قَوْلهَا مَا غادروه زَائِدَة والملحم مَا جعل لَحْمًا للسباع وَالطير والزميل الضَّعِيف والنكس المقصر عَن غَايَة الْمجد وَالْكَرم والوكل الجبان الَّذِي يتكل على غَيره وَالْمعْنَى أَن الَّذِي قتل فَارس ترك فِي المعركة لَحْمًا للطير مَعَ كَونه كَانَ مقداما ذَا بَأْس يقدم على الْأُمُور بِنَفسِهِ غير ضَعِيف
الميعة نشاط الْفرس والأطل الخاصرة ولاحقه ضامره والنهد الْقوي والخصلة بِالضَّمِّ لفيفة من شعر وَالْمعْنَى أَنه لَو أَرَادَ النجَاة لطار بِهِ فرس هَذِه صِفَاته لكنه اخْتَار الْمَوْت على الْحَيَاة
الْمَعْنى لَا عيب فِيهِ غير أَنه جعل الْبَأْس شيمته وَلَكِن لَا مخلص من الْأَجَل ونوائب الدَّهْر
هُوَ ابْن عَطِيَّة بن الخطفي واسْمه حُذَيْفَة بن بدر يَنْتَهِي نسبه إِلَى يَرْبُوع بن حَنْظَلَة ابْن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم شَاعِر مفلق مكثر مجيد وَهُوَ والفرزدق
وباكية من نأي قيس وَقد نأتبقيس نوى بَين طَوِيل بعادها
أَظن انهمال الدمع لَيْسَ بمنتهعَن الْعين حَتَّى يضمحل سوادها
وَحقّ لقيس أَن يُبَاح لَهُ الْحمىوَأَن تعقر الوجناء أَن خف زَادهَا
ــ
والأخطل المقدمون على شعراء الْإِسْلَام الَّذين لم يدركوا الْجَاهِلِيَّة ومختلف فِي أَيهمْ الْمُتَقَدّم وَلم يبْق أحد من شعراء عصرهم إِلَّا تعرض لَهُم فافتضح وَسقط وَكَانَ جرير يناضله ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ شَاعِرًا فينبذهم وَرَاء ظَهره وَيَرْمِي بهم وَاحِدًا وَاحِدًا وَثَبت لَهُ الفرزدق والأخطل قَالَ ابْن سَلام سَأَلت بشارا المرعث يَعْنِي ابْن برد أَي الثَّلَاثَة أشعر فَقَالَ لم يكن الأخطل مثلهمَا وَلَكِن ربيعَة تعصبت لَهُ فأفرطت فِيهِ قَالَ وَكَانَ لجرير ضروب من الشّعْر لَا يحسنها الفرزدق سمع الفرزدق ذَات يَوْم عِنْد الْأَحْوَص مغنية تغني فَقَالَ الفرزدق مَا أرق شعركم يَا أهل الْحجاز وأملحه فَقَالَ الْأَحْوَص أَو مَا تَدْرِي لمن هَذَا الشّعْر قَالَ لَا وَالله فَقَالَ إِنَّه لجرير يهجوك بِهِ فَقَالَ ويل لِابْنِ المراغة مَا كَانَ أحوجه مَعَ عفته إِلَى صلابة شعره وأحوجني مَعَ شهواتي إِلَى رقة شعره
النأى الْبعد والنوى الْبعد أَيْضا والبين الْفِرَاق وَالْمعْنَى وَرب باكية على فِرَاق قيس وَقد طرحته النَّوَى بمَكَان لَا يُرْجَى رُجُوعه مِنْهُ
منته مُنْقَطع وَالْمعْنَى أتحقق أَنه لَا يَنْقَطِع الدمع من الْعين إِلَّا بعد ذهَاب سوادها
الْعقر قطع القوائم والوجناء القوية من الْإِبِل والعظيمة الوجنتين وَالْمعْنَى وَحقّ لقيس أَن يطْمع الْعَدو فِي حماه لذهاب حاميه وَأَن تعقر الوجناء لقلَّة الزَّاد إِذْ لَا خير فِي شَيْء لَا صَاحب لَهُ
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع