من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ خلف بن خَليفَة مولى قيس بن ثَعْلَبَة
عدلت إِلَى فَخر الْعَشِيرَة والهوىإِلَيْهِم وَفِي تعداد مجدهم شغل
إِلَى هضبة من آل شَيبَان أشرفتلَهَا الذرْوَة العلياء والكاهل العبل
إِلَى النَّفر الْبيض الألاء كَأَنَّهُمْصَفَائِح يَوْم الروع أخلصها الصقل
إِلَى مَعْدن الْعِزّ الْمُؤَيد والندىهُنَاكَ هُنَاكَ الْفضل والخلق الجزل
ــ
الْجُود وَالْكَرم
هُوَ شَاعِر إسلامي مجيد محسن مقل كَانَ فِي زمن جرير والفرزدق وَكَانَ يُقَال لَهُ الأقطع لِأَنَّهُ قطعت يَده لسرقة أتهم بهَا وَكَانَ لسنا بذيا مر ذَات يَوْم على جمَاعَة فَلَقِيَهُ رجل فَقَالَ لَهُ خلف من الَّذِي يَقُول
هُوَ الْقَيْن وَابْن الْقَيْن لاقين مثلهلفطح الْمساحِي أَو لجدل الأداهم
يعرض بالفرزدق فَقَالَ الرجل ذَاك الَّذِي يَقُول
هُوَ اللص وَابْن اللص لَا لص مثلهلنقب الْبيُوت أَو لطر الدَّرَاهِم
يعرض بخلف
الْمَعْنى صرفت همتي إِلَى ذكر مفاخر الْعَشِيرَة وَهُوَ أَي مَعَهم وَتركت غَيره لِأَن فِي عد مجدهم وإحصائه مَا يشغلني عَن غَيره
الهضبة الْجَبَل من صَخْرَة وَاحِدَة والذروة أَعلَى الشَّيْء والكاهل مَا بَين الْكَتِفَيْنِ والعبل الضخم الممتلئ يَعْنِي بذلك بني شَيبَان وكنى عَنْهُم بالهضبة لأَنهم ملْجأ وحصن
إِلَى النَّفر الْبيض الخ بدل مِمَّا قبله وَمعنى النَّفر الْبيض أَنهم أنقياء الْأَعْرَاض والألاء بِمَعْنى الَّذين وَمَا بعده صلته والصفائح السيوف والروع الْفَزع
الْمُؤَيد المعزز المقوى والندى الْعَطاء والخلق الجزل المُرَاد بِهِ الْخلق الْكَرِيم الْحسن يَقُول عدلت عَمَّا كنت فِيهِ وملت إِلَى مدح
أحب بَقَاء الْقَوْم للنَّاس أَنهممَتى يظعنوا من مصرهم سَاعَة يَخْلُو
عَذَاب على الأفواه مَا لم يذقهمعَدو وبالأفواه أَسمَاؤُهُم تحلو
عَلَيْهِم وقار الْحلم حَتَّى كَأَنَّمَاوليدهم من أجل هيبته كهل
إِذا استجهلوا لم يعزب الْحلم عَنْهُموَإِن آثروا أَن يجهلوا عظم الْجَهْل
ــ
بني شَيبَان الَّذين هم فِي عزة ومنعة من عدوهم مثل مَنْعَة الْجَبَل الَّذِي هُوَ صَخْرَة وَاحِدَة رفيعة عالية لَا تتزحزح من مَكَانهَا وملت إِلَى النَّفر الْكِرَام المطهري الأحساب الَّذين هم فِي هول الْحَرْب مثل السيوف الَّتِي أجيد صقلها حَتَّى خلصت من جَمِيع الأوساخ وملت إِلَى أصل الْعِزّ الْقوي ومنبع الْجُود ومقر الْفضل والأخلاق الْكَرِيمَة الطّيبَة
بظعنوا يرحلوا وَالْمعْنَى أحب أَن لَا يرحل بَنو شَيبَان من بلدهم لأَنهم إِذا رحلوا خلت من النَّاس وَإِن كَانَ فِيهَا نَاس غَيرهم حَيْثُ أَنهم ينفعون النَّاس وَأَن غَيرهم لَا يعْمل مثل عَمَلهم
عَذَاب على الأفواه يُرِيد أَن طعمهم حُلْو فِي الأفواه وَقَوله مَا لم يذقهم عَدو مَعْنَاهُ إِلَّا على أَفْوَاه الْأَعْدَاء فَإِن مذاقهم مر فِيهَا وَهَذَا كُله كِنَايَة عَن اللين والشدة وخشونة الْجَانِب وَالْمعْنَى أَن طبائعهم وأخلاقهم مَعَ أحبابهم كَرِيمَة لينَة وَمَعَ عدوهم قاسية شرسة وَأَنَّهُمْ لشمُول إحسانهم وَكَثْرَة محاسنهم يحلو ذكرهم فيطيب فِي السّمع
الْوَلِيد الصَّبِي والكهل من الرِّجَال من جَاوز الثَّلَاثِينَ وَصفهم بالحلم والإناة فَبَالغ فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ أَن الصَّبِي فِي وقاره وهيبته كمن جَاوز الثَّلَاثِينَ من عمره
لم يعزب أَي لم يبعد وآثروا اخْتَارُوا وَالْمعْنَى أَنهم قوم لَا يبعد حلمهم إِذا جهل عَلَيْهِم وَإِن اخْتَارُوا أَن يظهروا الْجَهْل عظم جهلهم على غَيرهم
هم الْجَبَل الْأَعْلَى إِذا مَا تناكرتمُلُوك الرِّجَال أَو تخاطرت البزل
ألم نر أَن الْقَتْل غال إِذا رَضواوَإِن غضبوا فِي موطن رخص الْقَتْل
لنا فيهم حصن حُصَيْن وَمَعْقِلإِذا حرك النَّاس المخاوف وَالْأَزَلُ
لعمري لنعم الْحَيّ يَدْعُو صريخهمإِذا الْجَار والمأكول أرهقه الْأكل
سعاة على أفناء بكر بن وَائِلوتبل أقاصي قَومهمْ لَهُم تبل
ــ
تناكرت يجوز أَن يكون من النكراء وَهِي الداهية أَي تداهوا بمكايدهم وَيجوز أَن يكون من الْإِنْكَار ضد الْمعرفَة أَي يُنكر بَعضهم بَعْضًا لما ينطوي عَلَيْهِ كل لصَاحبه من سوء الرَّأْي وإضمار الشَّرّ وتخاطرت من الخطران وَهُوَ إشالة الأذناب وإدارتها عِنْد الْهياج وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْمُحَاربين إِذا تدافعوا وتضاربوا والبزل جمع بازل وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي بلغ السّنة التَّاسِعَة من عمره وَالْمعْنَى أَنهم بلغُوا الْغَايَة فِي الدهاء وَأَنَّهُمْ يعلون رُؤَسَاء النَّاس قولا وفعلا ومكرا
يصفهم بالشجاعة وعلو الجاه وَعظم الشَّأْن والمهابة عِنْد النَّاس فَيَقُول إِن رضاهم إحْيَاء وسخطهم إفناء
المعقل الملجأ وَالْأَزَلُ الضّيق والشدة وَالْمعْنَى أَنهم الملجأ عِنْد المخاوف والشدائد
الصَّرِيخ المستغيث وأرهقه ضيق عَلَيْهِ وغشيه وَالْمعْنَى فَنعم الْحَيّ هم إِذا اسْتَغَاثَ بهم المستغيث واستنصرهم وَإِذا دعاهم أجابوه وَإِذا الْجَار مَأْكُول ومطموع فِيهِ وَإِذا اشْتَدَّ الزَّمَان وَنزل بِالنَّاسِ الكرب
سعى عَلَيْهِ أَقَامَ بأَمْره والتبل الذحل والثار الأقاصي الأباعد وَالْمعْنَى أَنهم يقومُونَ مَأْمُور بكر بن وَائِل ويذبون عَنْهُم وذحل الأباعد من قَومهمْ كذحل
إِذا طلبُوا ذحلا فَلَا الذحل فَائتوَإِن ظلمُوا أكفاءهم بَطل الذحل
مواعيدهم فعل إِذا مَا تكلمُوابِتِلْكَ الَّتِي إِن سميت وَجب الْفِعْل
بحور تلاقيها بحور غزيرةإِذا زخرت قيس وَأَخَوَاتهَا ذهل
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع