تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ الْمعدل بن عبد الله اللَّيْثِيّ

جزى الله فتيَان العتيك وَإِن نأتبِي الدَّار عَنْهُم خير مَا كَانَ جازيا

ــ

المعتفى طَالب الندى والنائل الْعَطاء معنى الأبيات الْأَرْبَعَة أَنَّك رجل لَا تزَال جادا فِي اصطناع الْمَعْرُوف وَفعل الْخيرَات فَأَنت تشتري المكارم وَغَيْرك يَبِيعهَا وَإِذا صعبت وَشقت الطّرق على النَّاس فالطريق إِلَى جودك وكرمك هينة سهلة على من يسلكها وَمن مَكَارِم أخلاقك وعلو همتك أَنَّك إِذا عملت عمل خير باشرته بِنَفْسِك وأكملته وَأَنت مسرور منشرح الصَّدْر وَأَيْضًا إِذا أردْت أَن تمنح وَتُعْطِي الطالبين لعطائك ناداك الْجُود قَائِلا أَكثر الْعَطاء فأطعته

الْمَذْهَب الطَّرِيق والمقصر هُنَا الْحِيلَة والملجأ وَالْمعْنَى أَنَّك مُنْفَرد بَين الْعَرَب بخصال الْخَيْر الَّتِي مِنْهَا أَنهم لَا يقصدون فِي الْمُهِمَّات سواك وَلَا يعدلُونَ عَنْك

كَانَ المعذل كثيرا مَا يقترف من الجنيات ويجترم على النَّاس وَكَانَت تلْزمهُ ديات كَثِيرَة وَكَانَ النهس بن ربيعَة الْعَتكِي يكفل عَنهُ مَا يلْزمه من المَال وَكَانَ النهس إِذا كفل عَنهُ دفع المعذل إِلَيْهِ فَوَقع المعذل ذَات يَوْم وَقبض عَلَيْهِ فأدركه النهس وَحمله على فرس وَأمره أَي ينجو بِنَفسِهِ وَأسلم نَفسه مَكَانَهُ فَلَمَّا نجا قَالَ لَهُ المعذل أخيرك بَين أَن أمدحك أَو أمدح قَوْمك فَاخْتَارَ مدح قومه فَقَالَ هَذِه الأبيات

العتيك اسْم علم ونأت أَي بَعدت وَإِنَّمَا قَالَ وَإِن نأت بِي الدَّار عَنْهُم ليشير أَنه لَا يَبْتَغِي جَزَاء على الْمَدْح وَلَا يطْلب مُكَافَأَة على الثَّنَاء وَلَيْسَ هُوَ

هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الصَّحَابَةلما حم مَا كنت لاقيا
هم يفرشون اللبد كل طمرةوأجرد سباح يبذ المغاليا
طعامهم فوضى فضا فِي رحالهموَلَا يحسنون السِّرّ إِلَّا تناديا
كَأَن دنانيرا على قسماتهمإِذا الْمَوْت للأبطال كَانَ تحاسيا

ــ

طامعا فِي ذَلِك وَالْمعْنَى قَابل الله رجال العتيك بِأَحْسَن الْجَزَاء وَإِن كَانَت دَاري بعيدَة عَنْهُم

هم خلطوني بالنفوس مَعْنَاهُ أَنهم أنزلوه مِنْهُم منزلَة أنفسهم وَالصَّحَابَة بِمَعْنى الصُّحْبَة وحم الْأَمر قدر وَالْمعْنَى أَنهم عدوني مِنْهُم وأحسنوا فِي إكرامي وأكرموا صحبتي حِين مَا ألم بِي الضَّرَر وَقدر على الْأَذَى وَلَقِيت مِنْهُ الْأَمر الْعَظِيم

يفرشون اللبد أَي يجْعَلُونَ اللبد فراشا للظهور يُقَال فرشت الْفراش وأفرشنيه فلَان أَي جعلني أفرشه والطمرة الْفرس الْكَثِيرَة الجري والأجرد الْفرس الْقصير الشّعْر ويبذ يغلب والمغالي السهْم يصفهم بالفروسية وجودة المطاردة

فوضى من فوضت إِلَيْهِ الْأَمر والفضاء من فضت الأَرْض إِذا اتسعت وَلَا يحسنون السِّرّ الخ مَعْنَاهُ أَنهم لَا يَفْعَلُونَ قبيحا يستر وَالْمعْنَى لَا يستأثر بَعضهم على بعض فِي الْمَأْكُول وَلَا يَفْعَلُونَ قبيحا يستر فَكل أفعالهم ظَاهِرَة لِأَنَّهَا جميلَة

القسمات الْوُجُوه وَيُقَال وَجه مقسم إِذا وَفِي كل جُزْء مِنْهُ حَظه من الْحسن والتحاسي من الحسو وَهُوَ الشّرْب شَيْئا بعد شَيْء وَالْمعْنَى إِذا شرب الْأَبْطَال كؤوس الْمَوْت قَلِيلا قَلِيلا من المهابة والفزع فَهَؤُلَاءِ يقدمُونَ عَلَيْهِ إقدام المسرور بِهِ المتهلل وَجه فَرحا

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.