من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
باب في محاسن الشعراء الحيص بيص (٤)
ومنها:
أنا منكُمُ، فارْعَوْا عهودَ موَدَّتيولكم كريمُ مدائحي وثنائي
أوجبتَ حقّاً في أبٍ لم يَقضِهِوجزاءَهُ أرجو من الأبناءِ
وقوله في مرثية جلال الدين محمد بن أنوشروان الوزير:
وكنتُ إذا ناديتُهُ لِمُسلّمةٍأتاني جريئاً مُلغياً للعواقبِ
إذا اسطاع نصراً، شدَّ شِدَّةَ ضيغمٍوإّلا فباكٍ لي بكاءَ الحبائبِ
يهونُ عليه وَهْنُهُ بصِيانتيوبِذْلتُهُ ماعزّ قدري وجانبي
ولم أدرِ أنّ الموتَ إثْرَ محّمدٍيُساوِقُ أعناقَ الصَّبا والجنائبِ
وإنَّ رجائي في مساعيه ضِلَّةٌولم يبقَ منه غيرُ موقفِ راكبِ
وممّا شجاني فقدُهُ وهو يانعٌنضيرٌ كغصنِ البانةِ المتلاعبِ
وأنَّ الليالي لم تُطعه لِبغيةٍولم يروَ من ماء المُنى والمَطالبِ
فوا أسفا والصَّبُّ تُحرقُهُ النَّوىلِمُختَرمٍ كالبدرِ بينَ الكواكبِ!
فقَدْتُك فقدَ الصّادياتِ طليحةًعلى العِشْرِ والتَّأويبِ، عذبَ المشاربِ
بَراهُنَّ إدْمانُ الرَّسيمِ، وهُدِّمتْمن الوَجدِ أشرافُ الذُّرا والغواربِ
فلمّا رَجَوْنَ الماءَ حيثُ عَهِدْنَهُأنَخْنَ بجَعْجاعٍ من القفرِ عازبِ
فأصبحن يفحَصْن العَزازَ تلدُّداًوقد حالَ خَطْبٌ بين وِرْدٍ وشاربِ
وأقسِمُ إنّ الموردَ العذْبَ دُون مافقَدْتُ، ووجدي فوق وجدِ الركائبِ
لك اللهُ، أمّا الصّبرُ فهو مُباينيعليك، وأمّا الحزنُ فهو مُصاحبي
وليس إلى سُلوان وُدِّك مذهبٌولا شَعَفي، إنْ حالَ موتٌ، بذاهبِ
ومنها:
فلا يُبْعِدَنْك اللهُ، يا خيرَ حاضرِأعانَ على الجُلَّى ويا خيرَ غائبِ
سأبكيك ماسحّ الغَمامُ، وغرَّدَ الحَمامُ، وما أجّتْ ظِباءُ السَّباسبِ
وقوله في مرثية نوشروان الوزير:
بَقيتَ، ولا زّلتْ بك النّعلُ، إنّنيفقدتُ اصطباري عندَ فقدِ ابنِ خالدِ
فتىً عاشَ محمودَ المساعي ممدَّحاًومات نقيَّ العِرضِ جَمَّ المحامدِ
وقوله يرثي أخاه:
دَعُوا دمعي بيوم البَيْنِ يجريفقد ذَهب الأسى بجميل صبري
وكيف تصُّبري وأخي رَهِينٌبأرض الشّام في ظلماءِ قبرِ
بِحارةِ غُربةٍ من أرض حِمْصٍلقد غدَرَ الزّمانُ وأيَّ غدرِ
أعنه أسامُ سُلواناً وصبراً؟سأنُدُبهُ ولا خنساءَ صَخْرِ!
فإنْ عجَزَتْ عن النَّدْبِ القوافيبعثتُ الدّمعَ نظماً غيرَ نثرِ
فقَدْتُ أخي، وكان أخي ظهيريعلى الحدثانِ، سمّاعاً لأمري
فقَدْتُ مُهَنَّداً عَضْباً جُرازاًيَقُدُّ بكلّ رائعةٍ ويَفْرِي
إذا ما شِمتهُ لقِراعِ خطبٍجلا الغَمّاءَ عن وجهي وصدري
ومنها:
أنا الباكي إذا فارقتُ خِلاًّفكيف أخي وخالصتي وأزْري
وقوله يرثي بعض أمراء الأكراد، واسمه المظفر، وكان أصيب في حرب:
أقولُ، ودمعي مستهلٌّ: ودِدْتُنينُعِيتُ، ولم أسمع نعيّ المظفَّرِ
كأنّ شبا مرورةٍ فارسيّةٍأصاب فؤادي من حديث المخبِّرِ
فبِتُّ قَتيلَ الهمِّ والحزنِ بعدَهُوباتَ قَتيلَ الذّابلِ المُتأطِّرِ
نَعَوْا فارسَ الخيلِ لمغيرة بالضُّحىومختلسَ لأرواحِ تحت السَّنَوَّرِ
فتى لم يكن جَهْما ولا ذا فَظاظةٍولا بالقَطوبِ الباخل المتكبّرِ
ولكن سَموحاً بالوداد وبالنَّدىومبتسماً في الحادث المتنمِّرِ
سَقَى ابنَ أبي الهيجاء صائبُ مُزْنَةٍكفيضِ يديهِ الهاطل المتحدّرِ
بكَيْتُ عليه حيثُ لم يدرِكِ المنىولم يروَ من ماء الحياة المكدّرِ
وهوّنَ وجدي أنّه مات مِيتة الكِرامِ صريعاً بينَ مجدٍ ومفخرِ
كأنّ دمَ النَّجلاءِ تحتَ بُرُوِدِهلَطِيمةُ مِسكٍ في إهابٍ غضنفرِ
وقوله في مرثية الأمير عنتر بن أبي العسكر، والثناء على أخيه مهلهل:
أسى وسرورٌ، ناصرٌ ومخذِّلُأتاحهما لي عنترٌ والمهلهلُ
فماضٍ بكت عيني لفقدِ كمالِهِوباقٍ لِما فيه من المجد أجزلُ
ومنها:
سقى عنتراً، والدّمعُ لولا جِوارُهُأحقُّ به، هامٍ من المُزْنِ مُسْبلُ
قضى نَحْبَهُ جمَّ الثّناء كأنّمايشَبُّ على النّادي بذكراهُ مَنْدَلُ
ومنها:
لِيَبْكِ عليه معركٌ وكتيبةٌويندُبْهُ نادٍ ذو سَراةٍ ومحفلُ
ومنها:
ولو أننّي أنصفت في حكمٍ وُدِّهِلَبِتُّ وكُلّي في مَراثيهِ مِقْوَلُ
وقال في مرثية ولد الخليفة المسترشد بالله:
نبأ عادَ له الصّبحُ دُجَىًوذُعافاً رَيّقُ الماءِ الزُّلالِ
جَلَّ أن يبكى دموعاً، فجرتأعينُ الحيّ بمحمّرٍ مُذالِ
وأنثنت من حَزَنِ الدّهرِ بهغُرَرُ الآمالِ سُوداً كالليالي
وعلا عن نُدبةٍ من بشرفرثاه المجدُ مفهومَ المقالِ
ومنها:
قسماً، لولا الإمامُ المجتبىباقياً لم يُلْفَ قلبٌ لك سالِ
ما ظننت الموتَ يُمضِي بأسَهُوسُطاه في بحورٍ وجبالِ
لا ولا خِلْتُ الثّرى من طوقهأن يجِنَّ البدرَ من بَعدِ كمالِ
إنْ عصى موتٌ فقد صرّفتَهُآمراً أو ناهياً في كلّ حالِ
أو خَلَتْ منك قصورٌ أوحِشَتْفجنانُ الخُلدِ ليست بخوالِ
توارى منك شخصٌ بالياًفالمساعي الغُرُّ ليست بِبَوالِ
شَرُفتْ نفسُك عن دار الفَنالنعيم الخلدِ من غير زوالِ
حيثُ لا ترضى بزُلْفَى مَلكٍولك الجارُ المليكُ المتعالي
وقوله في مرثية الأمير أبي الحسن بن المستظهر، وكان موته في دولة المسترشد أخيه:
أمّا إذا سلِم الإمامُ الأعظمُوسليلهُ، دقَّ الجليلُ المُعْظَمُ
عزَّ العزاءُ وهان حين بَقِيتُمافالمجدُ باكٍ طَرفُهُ متبسِّمُ
وبقاءُ شمسِ الصُّبحِ يُحدثُ سلوةًفينا إذا بدرٌ هوى أو أنجمُ
للهِ ثاوٍ في التُّراب، وطالمازُهيَ النَّديُّ به وتاه المُعدِمُ
ومطعَّنٌ بشَبا الحِمامِ، وطالمارَوِيَ الحُسامُ بكفّه واللَّهْذَمُ
وممنَّعُ الأقوالِ يَحْصَرُ بعدمانطقَ البليغةَ والفصيحُ يجمجمُ
كفّتْ يداه عن النَّدَى من بعدِماحسَدَ الغمامُ بَنانَهُ والخِضرِمُ
ونبت عزائمُهُ وكان مَضاؤهافي الخطب يَرْهَبُهُ الطريرُ المِخْذَمُ
وأجَنَّ غُرَّتَهُ الثّرى من بعِدماعاد الصبَّاحَ بها البَهيمُ المُظلِمُ
نُهدي الصَّلاةَ له، ونُكبِرُ قدرَهُومَحَلّهُ من أن يقال تَرحُّمُ
ومنها:
لهفي عليه، لا بَوادِرُ نصرِهِتحمي الصّريخَ، ولا المكارمُ تُثْجِمُ!
فثوى بموحشة الكسُوُرِ، شقاؤُهابسِوى نعيمِ مَعادِهِ لا يُنْجِمُ
ومنها:
في زُمرةٍ قطعوا الأحبّةَ عَنوةًوحدا ببيِنِهمُ القضاءُ المُبْرَمُ
رحلوا على غير الرِّكاب، وعرَّسُوابمُعَرَّسٍ ثاويهِ لا يترمرمُ
متجاورينَ، كأنّهم لتهاجُرٍمتباعدون، فُمْنِجُدونَ ومُتْهِمُ
مُنِعُوا عن الشّكوى، فلا آبيهمُآبٍ، ولا مِنطيُقُهمْ يتكّلمُ
أغضَوْا على جور المَنُونِ، وطالماأغضى لِلَحْظِهِمُ الخميسُ المعلِمُ
وتوسّدوا عمدَ التّرابِ، ولم يزلمُلْقَى نِعالِهِمُ الدِّمَقْسُ المُعْلَمُ
ركضت حروُبهُمُ لهم فتمنّعواومشى الحِمامُ إليهمُ فاستسلموا
من كلّ أغلبَ، لو تصوّرَ موُتهُفي مَنْسِرٍ أرداه منه تقحُّمُ
ما ينفَعُ الأسوانَ طولُ بكائِهِواللهُ يفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ
حُمَّ القضاءُ، فكالدّنيّ ممجّدٌعندَ المَماتِ، وكالجبانِ مُصَمِّمُ
يا حامليه، تكثَّرُوا ما اسطعتُمُ،فالشَّلْوُ طودٌ، والفريدُ عرمرمُ
وتوسّعوا في الأرضِ شَقَّ ضريحهما شئتُمُ، فالطَّودُ طَودٌ أيهمُ
ومنها:
لا يُحْزِنِ اللهُ الإمامَ، فإنّهليَجِلُّ عن حَزَن النّفوس ويعظُمُ
ومنها:
ولقد عجِبتُ من المنيّة، إذ غدامنها مطيعٌ ما أردت ومُجرِمُ
تَعصيك في الصِّنوِ الشّقيق سفاهةًوتطيعُ أمرَك والقَنا يتحطّمُ
فإذا سلِمتَ فكلُّ بؤسٍ نعمةٌوإذا بَقِيتَ فكلُّ غُرْمٍ مَغْنَمُ
وقوله من مرثية الإمام المقتفي لأمر الله:
الخطبُ أكبرُ في النّفوسِ وأعظمُمن أن تُراقَ له الدّموعُ أوِ الدَّمُ
عزَّ العَزاءُ، فكلُّ جَلْدٍ عاجزٌعما ألمَّ، وكلُّ أفوهَ مُفْخَمُ
سبق الغمامَ بنُدْبَةٍ وبعَبْرَةٍفبدا لنا منها الرَّعُودُ المُثْجِمُ
كان قبل وفاته بأيام جاء مطر جود، ورعد مجلب، وأفرطا حتى انزعج الناس.
ولو أنّ شمسَ الصُّبحِ راقبتِ العلىلتغيّبتْ، فالصُّبحُ داجٍ مُظلِمُ
ولَكُوِّرت حزناً لفقد خليفةٍشهِدَ السِّنانُ ببأسه والمِخذَمُ
ومنها:
غدَرَ الحِمامُ وكان من أنصارهيَهْديِهِ عنه مُهَنَّدٌ أو لَهْذَمُ
ومنها:
لو كان خصُمك غيرَ محتومِ الرَّدَىكسف الغزالةَ مستثارٌ أقتمُ
ومنها:
لكنّهُ المقدورُ لا متّأخّرٌعنه إذا وافَى، ولا متقدّمُ
يبكي نَداك المعتفون عشيّةَوالعامُ يُخْلِفُ نَوْؤُهُ والأنجمُ
ومنها:
للهِ ما ضمَّ الضَّريحُ، فإنّهطَوْدٌ أشمٌّ وذو عُبابٍ خِضْرِمُ
أغضى الجفونَ ولم يكن عن حادثٍيُغضِي، ولا عن ناجمٍ يتلوَّمُ
وثوى وكان يبُثُّ شكوى سيرِهِوسُراهُ حافرُ طِرْفِةِ والمَنْسِمُ
لا يَرْكَنَنَّ إلى الحياة مُمَتَّعٌفالبُعْدُ دانٍ، والمدى مُتَصَرِّمُ
ووراءَ آمالِ الرِّجالِ منّيةٌيعدو بفارسها حَثيثٌ مِرْجَمُ
ولم أر شيئاً من أهاجيه، فإنه نزه ديوانه منها. وكانت تنسب هذه الأبيات الثلاثة إليه، وهي:
كلُّ الذّنوبِ لبلدتي مغفورةإلا اللّذَيْنِ تعاظما أن يُغْفَرا
كونُ الجَواليقيّ فيها ذاكراًنحواً، وكونُ المغربيّ مُعبِّرا
فأسيرُ لُكْنَتِهِ يُمِلُّ فصاحةًوجَهُولُ يقظتِه يُحيلُ على الكرى
فلما سمعها، تنمر، وما آثر أن تذكر، كرماً في جبلته، وفطنة في فطرته، ومروءة في غريزته، ونزاهة في شيمته.
وكل شعره متناسب مختار، متناسق مشتار ممتار. ولقد خليت كثيراً من الحسن، هرباً من الإكثار، وطلباً للاختصار.
وله رسائل ومكاتبات معدول بها عن الفن المعتاد، والأسلوب المعروف. وهي
كثيرة. وسأورد منها نبذاً يستدل بها على الباقيات.
فمن ذلك مكاتبة إلى بعضهم: تأجيل فرض الخدمة ضامن ضررين يكسفان أنوار الولاء، وإن كان يباري الجونة عند ظهيرة القاع: أحدهما عار من سوء الأدب سابغ، والثاني تأجج نار الشوق الغانية بطبعها عن الاحتطاب لها. وبينهما وثوق بالكرم لا يعبث في صحته وحصينته عابث، وسبب الإرجاء من قبيل المشافهة، فإنها ظهر حمول للجهالات، والله تعالى يحفظ حشاشة المعالي، بطول بقاء المجلس العالي.
وكتب إلى النقيب الطاهر:
صال كريم الركابي بضبع سماها زوجة على ابنة كبيدة العلوية صيال الأشراف في أيام الإنصاف على ذمي ذي كبيرة من جرم. ولا قناعة من البأس المهيب بيسير العقاب حتى تملأ السياسة ضواحي الكرخ الفيح، ويعلم كمال الرأفة بأغراض الطائفة. وإن خلا الركاب الكريم، شد غلام من تميم، راضياً وفاخراً، مع سحب ذيل خيلائه على التيجان.
وله في الاقتضاء: أرى نطاسي الوصب المثبت ماطله بالدواء، والموت بدون هذا الإهمال شجاع، فهل من معزبة خبر؟ ظني أن السهاد، يخصم الرقاد، حتى يحوي لي مبتغاي.
وله: وعرقة عرق حداد المدى بأيدي سغاب الترك لأسؤق فتو الضائنة.
من أخرى: قضاء حوائج المرملين، لا يتساند إلى إكرام شفاعة ميزها التطول، بل إلى طبع يرى الإيجاف في الإحسان دبيبا.
أخرى: بلغني أن أنيسياناً يذود صغر شأنه عن تسميته، شتيم الرواء والسحناء، مشؤوم المرافقة والصحبة، يغتاب حتى ثدي أمه، أوسع شفعائي إليك لوماً على صغره في ناديك، وذله أن يصدفك عن عوارفك وأياديك. ولقد استوعر الخلف ما استهل، وأوجف إلى حتف نفسه فعجل. فإن كان مستنداً منك إلى جذم عناية، فأذن
بهجر، فأني مجازيه ولو كان دونه خرط القتاد. وإن لم يكن ذلك، فبمن أقدم؟ وعلى من تقحم؟ حذار أن تعتمد غير كتبه بإرسال الثمن الأوفى والقيمة العليا. فالقوافي ما سمعت، والقائل والباذل من علمت، والسلام.
من أخرى: رزحت حال، وقل أنصار، فمات أمل، وضاقت حيل، ولم يبق في سقاء الصبر بلل. ولقد حاولت أن أسطر صحائف شوق تنطق بحقيقة ذكر الوجد، فحاذرت بدار قلمي بشكوى حال تعنون المجد بالضراعة، وتوهم الخليل انتجاعاً.
أخرى: أرقدة عن رزقي، وأنا أرزح من نضو سفار عرقه تكرير العشر وطي المراحل؟ أفرط ضر، ونفد صبر، والرغد لا يعلم بالمسنت، والسلام.
أخرى: وأيم الله، لقد اخلولقت في الأندية الحاشدة من طول جدال كاتبكم، وهو
موجف إلى الفتنة، يأبى إلا المنع. وإني لقائلها شنعاء ولو جرت حتفاً. حذار، حذار من اشتياط أفوه إذا جنى الخامل عاتب الشهير. ولئن جن الليل دون بعث العساجد المستقرة، لتبعنن كتائب القول مشمعلة لا تخص مقالاً، ولا تستثني حمى، ولغيرهم مثل السوء، والسلام.
شفاعة إلى جمال الدين الوزير بالموصل: قد تبوج بارق مكارمكم، واستطار حتى أضاء لعين الأكمة، وأسمع راعده الأصم العازب. وأنتم سننتم إليكم هذه الأطماع، ومهدتم للعفاة المسائل، وشجعتم أقلام الشفعاء، فكل هجنة تحدث من متوسل به إليكم، فهم من جنايتها برءاء، والوارد بها كنتم أقلتم عثاره في أيام تشرفي بالخدمة، وأخرستم دونه بعض ضوضاء الخطوب، وأوردتموه من جودكم علاً بعد نهل. وقد
أرسل ولد مطالباً عندكم دين المكارم، ونعم الغريم أنتم، والسلام.
وله إلى الوزير ابن هبيرة في طلب قصيل: الكراع مع تعذر القصيل قد محصت جلوده، وتقارب خطوه، ودميت بالحكاك صفحاته، حتى عاد حديث الخباز عنده نافلة. وفيه: الجواد عطية الجواد، وهو نهد المراكل، مرتفع الكاهل، يفوق مرور العواصف ومروق المعابل. ومزاحمة المراكيب الكريمة مما أتيح لها من بلغة القصيل هجنة، والثمن الذي يتوصل به معدوم. على أنه مع وجود الثمن جد غال، والرأي في حل هذا الإشكال بروية صائبة من الكرم أعلى.
جواب مكاتبة بعض الأكابر:
أهلاً بها من شيم مكارم ما برح صوبها على غبراء فضلي المجدب لفقد حنو الأكرمين هامياً، والحمد لله حيث وجدت في زماني إنعاماً يكاثر
إخلاصي، ووداً يعصمني من وحشة غربتي ووحدتي، حتى أراني منه في مثل الخميس الجحفل يرهج الوادي بحوافر خيله، ويدلهم رونق الضحى من هبوات عثيرة. مللت السجايا العراقية، وبعلت بالهم، فطفقت أعوم في الفلوات النازحة عوم النينان في جمة الخضرم، وأحببت الخلوة حب مجلس الشرب الكرام طاب شاديه، وأنصف ساقيه. ولولا خدمة غيركم لصرت إلى ناديكم، ولئن شاء الله لأفعلن، والسلام.
وله شفاعة: إسلم يا فارس الكتيبة، وجواد السنة الجديبة، غمر الرداء، نضير النعماء، مجدوداً. أجل يا فكاك العناة، ومطعام العفاة. أنشط ابن جابر، من الخطب الجائر، مكتسباً عند الله ثوابه، وعندي شكره وثناءه، فثم أب
حدب، دمعه دافق سرب، أسرع من سهم إلى مرمى، ومنك إلى ابتدار المجد ببأس ونعمى.
إلى ابن شرف الدولة عند المطل بدراج طلب منه: أجواد هملاج، أم طائر دراج؟ لقد أوسعت الوعود وجعلت نفسك رمية العتاب، بل كرمت الأعراق المسيبية والشيم المعسولة السعدية عن التسويف وفاحش الإخلاف. إبعثه محموداً بعينه من غير تبديل، دائم الصياح، يلقط من بطون الراح، كأنه ناظم مجيد، ومطرب غريد، متى صدح كرر، يظن كل الزمان السحر.
في طلب حصان: إبعثوه خلاكم ذم جواداً سبوقاً، مشرفاً منيفاً، نهد المراكل، صريحاً، جياشاً، صهالاً، يفضل طلق الظليم وشد غزلان
الصريم. واحذروا البطيء الأهضم، والهجين المقرف. وليكن كرمه مناسباً للقوافي التميمية، والمكارم الفخرية.
ومن أخرى: فاره هملاج، لا قطوف ولا مزعاج. نبيل محزمه، سام تليله، ملساء صهوته، مشرفة قطاته. مجموع صفاته لباغي الإيجاز، من الكتاب العزيز ذي الإعجاز: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب.
أخرى: الشاكي نزيل، والمشكو منه خليل، وعزمات الآراء الكريمة ذمر
غير إجفيل.
وله في تقريع شخص ذمه: ما مثلك من ألحف ظلا، ولا أوسع حمى. بل جدير بك أن تنبذ بالعراء نبذ الجيف المستحيلة. ما هذا الإقدام على أمر لو خطر ببالي، فعله في خواص أحوالي، رحت جاهلاً عاصياً مزاحماً للمنية. إبشر بما ساءك من إعراض وجوه عنايتي عنك. وأيم الله، لئن لم تقم باستدراك الفارط في ذلك مقام العبد العاجز عند الملك القادر، بما يحصن نفسك من حتفك، ويصونني عن مقام العيب، لأقلبن لك مجن العناية، ولآخذن بكل معونة قتلة لك فاضحة. شوهت عقلي وذكري عند السعراة الأخيار. أبعدك الله.
أخرى في طلب مسواك من شيخ الشيوخ: ناضراً من عود أراكة، لين المعاطف، خوار المعاجم، غير كز ولا
يابس، بل أغيد اللحاء والملامس. يصيب السنة، ويعيد الأقلح وضاح المباسم.
أخرى: إني وإن كنت على قومك يا ابن الكرام حران الفؤاد، محتدم الحفيظة، حيث لفظوا ودي، ونقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي، ولم أجزهم بغير الهجران بقية الزمان، وعما سواه فمخزون اللسان، إذ الإخاء معتصمهم المنيع مني. ولعمر الله أنهم يرادون مني طوداً أيهم، ويجدون عوداً ثفالاً لا يهفو في وداد هفوة، ولا تطيش له في ذكرهم بالغيب حبوة، ولكن رب هجر أقتل من هجر. وأنت بنجوة عما اجترحوا، وحجرة عما
اجترموا، وما زلت أمنحك وداداً خالصاً من الأقذاء. والوارد بالصحيفة أوجب قبلي حقاً زاحم فيه أخيار الملوك، وقد التزمت له تحمل أثقاله مدة الحياة فمهما تحدث فيه من خير تجدني شاكراً؛ وإن تكن الأخرى وكذب الشيطان، ألزمك ما جناه قومك، وأبرز لحربك كمياً مدره حرب ثابت القدم تحت الغبار، غير مخلد إلى فرار.
ومن أخرى: ادلهم الباطل حتى ما من جذوة حق يهتدي بها إلى مسلك، وصار وداد الأكابر عاقراً في الخير، نثوراً في الشر، اللهم غفرا.
ومن أخرى: نادي المكارم مقبل الصعيد، عن فم شاد بالمحامد غريد. أجدني والحكم لله بين أوقين فادحين ينؤ بهما الطود الفارع:
تلف الكتمان، وهجنة الإذاعة، وهما ما هما! واتحاد الملفى، يسن إبرام الشكوى، إذ ليس بالحي بارق يشام ولا وميض يلمح.
أخرى: فقد صبر، واسترق حر، ووضح في مخالفات عادات التخفيف عذر، وكل من المنزل والمربط صفر، لا شعير هناك ولا بر.
أخرى في طلب سرج:
مربض ضيغم، ولج خضرم، ومقر طود راس أيهم، سماه الاصطلاح سرجاً: لارثاً ولا سحيقاً ولا غلامياً، دمقسي الحشية، حديث عهد بيد الصناع، أقرب من باعك إلى العلى، والسلام.
وله إلى المسترشد:
جوداً يا أمير المؤمنين بوفر دثر، لا بكيءٍ ولا نزر، لفصيح شعر، يمم لجج بحر، يرتاد غنى دهر. فالقافية سحر، والسامع حبر، والندى غمر.
وله: إن وراء الحجاب المسدل لأيهم طود، وخضم يم، مخرس خطب، قاتل جدب. جل فبهر، وعز فقهر، وجاد فغمر. ثبت الله دولته
ما هبت الريح، ونبت الشيح، فعلام الإهمال؟ والسلام.
ومن أخرى: أصلح الله أمير المؤمنين، إن الموصل والإيغارين وهما الآن إقطاع لملكين سلجوقيين كانتا إجازتين للطائيين، من إمامين مرضيين: معتصم بالله، ومتوكل على الله. وبناء المجد الأشرف أعظم، وخطره أجسم، وغمامه للمعتفين أرزم، فعلام الحرمان؟ وله: أسبغ الله ظلاله ما افترق الحظ والعلم، واصطحب العقل والهم.
ما هبت الريح، ونبت الشيح، فعلام الإهمال؟ والسلام.
ومن أخرى: أصلح الله أمير المؤمنين، إن الموصل والأيغارين وهما الآن إقطاع لملكين سلجوقيين كانتا إجازتين للطائيين، من إمامين مرضيين: معتصم
بالله، ومتوكل على الله. وبناء المجد الأشرف أعظم، وخطره أجسم، وغمامه للمعتفين أرزم، فعلام الحرمان؟ وله: أسبغ الله ظلاله ما افترق الحظ والعلم، واصطحب العقل والهم.
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع